تعقيباً على رزان زيتونة: عن النساء والطوائف وثقافة “الشرف”

ملاحظة: إن التعقيب التالي لا ينحو إلى مساجلة ما كتبته السيدة رزان زيتونة، بقدر ما يحاول إضافة ما لم يكن من شأنها أن تقوله في مقالها “جرائم “شرف” فضفاض ملتبس”.

يُحسَب للكاتبة رزان زيتونة أنها فتحت الحديث عن الطوائف، في معرض تحقيقها عن جرائم الشرف، خصوصاً أن هذا الحديث ما يزال من المحرّمات في كثير من الدول العربية، حيث يُعدّ البحث في قضايا الطوائف تكريساً للطائفية، مع أن المرويات الشفاهية في كل بلد كفيلة بفضح المسكوت عنه تحت شعارات الانسجام والوحدة الوطنية المثالية لهذه المجتمعات!. وإذا بدا في مرحلة سابقة أن ثمة تناقضا بين حال المجتمعات العربية والنخب الحداثية فيها، فإن ما يظهر جلياً هو فشل هذه النخب على مستويين، فهي أولا أخفقت في دورها التنويري “المفترض”، وتالياً حملت هذه النخب الأمراض المجتمعية ذاتها، وجسّدت في سلوكها النفاق إلى درجة أصبحت فيها كلمة الثقافة مرادفة للثرثرة، أي أن الثقافة اختُزِلت إلى صور وكلمات، وهذه بدورها فقدت وظيفتها التواصلية إذ بات علينا أن ننقّب عن النوايا المضمرة وراءها.

يحدث أيضاً أن ننام في عسل أفكارنا إلى أن يأتي حدث مبالَغ في بشاعته فننتبه، بين غفلتين، إلى مقدار عجزنا، أو حتى تورطنا بما هو سائد، وفي كثير من الأحيان عدم امتلاكنا الجرأة على مساجلته ومساءلته. وكأننا نحتاج شريطاً مصوّراً لجريمة شرف جماعية، لندرك أن هذه الجريمة كانت دائماً جريمة جماعية “مجتمعية”، بغض النظر عما إذا نفّذها فرد أو جماعة. أو أننا ننتظر سماع تلك التكبيرات المرافقة للقتل، لنتذكر الأديان والمذاهب التي تتصارع على أكثر من صعيد. وأخيراً نتذكر الدول التي تمسك بخناق مواطنيها كلما تعلق الأمر بالسياسة، لكنها تتخلى عن دورها، وتسمح لأفراد بإيقاع العقوبة التي يرونها مناسبة عندما يتعلق الأمر بامرأة خارجة على أعرافهم.

“أنا لا أقبل بأن يطفّ رجل مسيحي على امرأة مسلمة”. هذه الجملة لم يقلها رجل عادي، إنها لرئيس وزراء لبنان الأسبق رشيد كرامي، وهي مدوّنة في محاضر اجتماعات لوزان التي انعقدت أثناء الحرب الأهلية اللبنانية. وللتوضيح فإن السيد كرامي كان حينها يطرح العلمانية كنمط للحكم في لبنان، فردّ عليه الرئيس الأسبق كميل شمعون بقبول الفكرة على أن تكون علمانية شاملة لا سياسية فقط، آنذاك استنكر السيد كرامي قائلاً: “أتقبل بأن يطف رجل مسلم على امرأة مسيحية؟!”، ثم استأنف بالعبارة السابقة. السجال نفسه تكرر مع نهاية عهد الرئيس الياس الهراوي، فطُرحت العلمانية الشاملة من قبل الزعامات المسيحية لإحراج الزعامات الإسلامية التي تنادي بالعلمانية السياسية فقط. ومن حسن الحظ، وقليله طبعاً، أن واقع الحريات في لبنان يسمح بهذا السجال العلني، فنرى أمراء الطوائف وهم يضحّون بمستقبل أوطانهم إن تعارضت مصلحة الوطن مع الطائفة، أو مع موقعهم الطائفي الذي تتهدده منظومة الحريات الفردية المعاصرة.

قد تبدو كلمة “يطفّ” مفاجئة بما تنضح به من ذكورية فجّة، لكن لنتذكّر “الحكمة” الفلاحية التي تقول: “أرضك هي عرضك”. أي أن معيار الكرامة الأسمى هو العرض الذي يعني تملك المرأة، مثلما يتم تملك الأرض. ثقافة “الشرف” هذه لم تبقَ حكراً على الريف، بل أضحت ثقافة معممة بأغانيها وقصصها ورواياتها، ويكفي أن نسترجع الأدب العربي في النصف الثاني من القرن العشرين لنعثر على كمّ هائل من النصوص التي تماهي بين المرأة والأرض، بداعي الرومانسية المحضة تارة، وبداعي الرومانسية الثورية تارة أخرى. ويستطيع أيّ منا أن يتذكر كيف صوّرت هذه الأدبيات الأراضي المحتلة على أنها امرأة يغتصبها الأغيار وتصرخ استغاثة، أو أن يتذكر النغمة الأخرى التي تدّعي الإعلاء من شأن المرأة فتشبهها بالوطن، وكأن عقلية المثقف العربي تأبى عليه أن يقرّ بالأنوثة كقيمة بحدّ ذاتها، وبالأرض كقيمة أخرى ومن طبيعة مختلفة. طبعاً قد تتقاطع الأنوثة مع الطبيعة ضمن الحقول المجازية، وهذا ما ينطبق على الذكورة أيضاً، لكن ثقافة الشرف تقصر هذا الالتقاء على المرأة، ومن الموقع المضمر أو المعلن للتملك. وعلى العكس مما تدّعيه فإن أخلاقيات هذه الثقافة لا تعنى بالفضائل الإنسانية كالحرية أو التسامح، بل إنها تضحّي بكل هذه الفضائل في سبيل القيمة الأعلى للشرف وهي السيطرة. لذا فإن ما تعلّمه هذه الثقافة هو أن الفضائل شيء “يُستحسن” بنا أن نتحلّى به، أما الشرف فهو القيمة الوحيدة المساوية للوجود.

ولعل المفارقة في ثقافة الشرف تكمن في مفهوم أن العرض/المرأة هو أغلى ما يمتلكه الذكر، في الوقت الذي يتم فيه تخفيض قيمة المرأة إلى أدنى حدّ. وإذا كانت الديانات البطريركية قد خفّضت من قيمة الجنس النسوي عموماً، فإن بعض الطوائف الإسلامية تساوي بين منزلة المرأة والحيوان، ولا تعتبرها أهلاً لتلقّي علوم الدين. وعلى وجه الدقة فهي تعدّ المرأة نجسة، لذا يجب إقصاؤها عن المقدس الذي هو المذهب، وهذا لا يمنع من محاكمتها ومعاقبتها وفق تعاليم هذا المذهب!. بالطبع يستطيع ممثّلو الطوائف أن يتشدقوا أمام الإعلام بالقول إن تعاليمهم تمنع القتل، لكن هذا لا يمنح صك البراءة لها، ما دامت هذه المذاهب تحافظ على تحقير المرأة إلى الحد الذي يصبح فيه قتلها شأناً ثانوياً، خصوصاً عندما يتآزر الفقه الذكوري مع الحسّ الأقلوي، فتغدو أجساد النساء هي الحدود المحرّمة للطائفة، بعد أن اختُزلت وظيفتها إلى التناسل والحفاظ على نقاء المذهب. وهذا لا يعني أن الطوائف الكبرى أحسن حالاً من ناحية الجذر الفكري، إلا أنها تبيح هامشاً أوسع لحالات العصيان، فيمكن لأسرة أن تزوج ابنتها لرجل من مذهب آخر، ولا تعاني الأسرة الحصار الموجود في الأقليات الصغيرة.

في الحديث عن جرائم الشرف الطائفية علينا ألا ننسى الحالة الطائفية العامة، ولعل ذاكرة الكثيرين تحتفظ بالشريط المصور لإعدام صدام حسين، و”الهوسة” التي رافقت الإعدام، وتحتفظ بالتبريرات التي أُطلقت من على شاشات التلفزيون، ووصل البعض منها إلى عدّ ما حصل انتقاماً لمقتل الحسين. ولا نبغي من استعادة ما حصل التوقف عند إدانته، فالأولى بنا أن نقرّ بأن هناك مَنْ راكم القهر عبر مئات السنين، وأن نفنّد الممارسات التي أوصلت هذه المجتمعات إلى التفكك الذي تشهده الآن، وأن لا نركن ثانية إلى صيغة الغالب والمغلوب لأنها تؤجّل المشكلة فيما مرجل الأحقاد يغلي تحتها. وأسوأ ما نفعله على هذا الصعيد هو أن نحاكم الحسّ الأقلوي، من دون الخوض في جذوره ومسبباته التاريخية.

تصلح سوريا كنموذج للحديث في مسألة الأقليات، ربما يجوز تعميمه على الكثير من الدول العربية، ونعتقد أن الجذر الأقرب للتوزع الديموغرافي في سوريا يعود إلى أيام الحكم العثماني. ففي سوريا مثلاً هناك جبال الأكراد، وجبال العلويين، وجبل الدروز، وهذه التسميات بحدّ ذاتها تعكس السياسة العثمانية التي أقصت كل ما هو غير سنّي عن المدن، وعن السهول الخصبة. وللتأكيد على هذا الجانب نذكّر بالبوسنة والهرسك، التي خضعت للعثمانيين أيضاً، إذ لا يعقل أن المصادفة جعلت المسلمين يسكنون المدن، بينما الصرب المسيحيون في الجبال. إن احتكار المدن من قبل مذهب الأغلبية الحاكمة عنى تاريخياً الإمساك بالسلطة وبالاقتصاد معاً، وفي مثالنا السوري لم تطرأ تحولات كبيرة على التوزيع الديموغرافي للسكان إلا في النصف الثاني من القرن العشرين. وبالإضافة إلى هجرة الريف التقليدية إلى المدن فقد أدت هجرة الأقليات إلى زعزعة الواقع السكاني لبعض المدن، وعلى وجه خاص أدت إلى زحزحة مواقع الطائفة السنية التي بقيت ممسكة بالمفاصل الإدارية، وبحيث بدا القطاع العسكري الآخذ بالنمو هو الخيار الأسهل أمام أبناء الطوائف الأخرى، بسبب تعفف أبناء الطائفة المهيمنة، خصوصاً الشريحة المدنية منها، عن الانخراط في السلك العسكري.

قد يطيب لبعض الطائفيين في سوريا تصوير انخراط أبناء الطائفة العلَوية السورية في الجيش على أنه مؤامرة، تُوّجت بالانقلاب على السلطة من خلال حكم البعث. وأصحاب هذا الرأي يغفلون العامل الاقتصادي والفقر المدقع الذي دفع بهؤلاء إلى المؤسسات العسكرية، وما يهمنا في سياق متصل بموضوعنا هو أن الطائفة العلوية لم تعد تشهد جرائم شرف، بدءاً من النصف الثاني للقرن العشرين، وما يحكم زواج فتيات الطائفة من رجال الطوائف الأخرى، أو العكس، هو الوضع الأسري، فهناك أسر تقبل بتزويج بناتها من خارج الطائفة، وأسر تمانع في ذلك، لكن الممانعة لا تصل إلى درجة القتل، وتقتصر في حدها الأقصى على مقاطعة الفتاة لفترة من الزمن. وهذه النقلة جديرة بالانتباه، لتزامنها مع تقدم مركز الطائفة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وأثر ذلك على تراجع الحس الأقلوي. وللمقارنة فإن الطائفة المارونية هي أكثر الطوائف المسيحية تزمتاً في سوريا، على العكس من الطائفة المارونية في لبنان ، حيث يمكننا أن نلمس أثر مشاركة الموارنة اللبنانيين في الحكم والحياة العامة على مجمل الأداء الاجتماعي لأفراد الطائفة. وهذه النقطة لا تلغي أثر الانتقال من الريفية إلى المدينية، بل إن النقلتين مترافقتان مادامت المدن هي عصب السلطة والمال.

من المؤسف أن المسألة الطائفية ليست سائرة إلى الحل عربياً، هذا إن لم تكن مرشّحة للتفاقم، وما يزيد الأسف هو استفحال الطائفية السياسية بما يهدد المنجزات المتواضعة لمشاريع بناء الدول العربية، وتالياً بعض الآثار الاجتماعية الإيجابية للتطور التاريخي “الطبيعي”. الأنكى من ذلك هو أن الطائفية لم تعد حكراً على مشايخ الطوائف، بل أصبح لها مثقفوها ومنظّروها، ويمكننا في المثال السوري أن نرصد تراجع كثير من المثقفين إلى مواقعهم الطائفية، حتى بات بإمكاننا أن نشير إلى “علمانيين سنّة” و”علمانيين علويين”!. وهذه الطائفية ترخي بظلها على الكثير من المعارك الثقافية اليوم، ولعل آخرها الصراع المستحدث بين العلمانية والديمقراطية. إذ بادر بعض المثقفين السوريين، ذوو الماضي العلماني والذين يرجعون إلى الأغلبية السنية، إلى إعطاء الأولوية للديمقراطية في مواجهة العلمانية التي أصبحت فجأة تعني، في هذا السجال، الطائفة العلوية والسلطة في آن واحد.

وفي مثل هذه الأجواء لا يؤمَل من شريط فظيع عن جريمة شرف جماعية أن يؤدي إلى إيقاظ الوجدان الإنساني، بقدر ما يؤدي إلى مزيد من الانغلاق والتزمت. لقد كشفت مقالة رزان زيتونة عن بعض الجوانب القانونية والمجتمعية، ونعتقد أن الوجه الثقافي بحاجة إلى تعرية بنفس الدرجة إن لم يكن أكثر، ما دام المثقف يلعب دور شاهد الزور أو حتى يساهم في تكريس الواقع. ستقع المرأة ضحيةً مرةً أخرى؟ مع الأسف سيحدث هذا، فما أُنجِز في العقود الماضية لا يعدو عن كونه انتقالاً من “حريم ديني” إلى “حريم علماني”، وفي أوساط ضيقة أيضاً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق