تعقيباً على عبد السلام بنعبد العالي:هل ثمة مفهومات ملعونة؟

في باب “فكر” على موقع “الأوان” كتب عبد السلام بنعبد العالي عن “مفهومات ملعونة” (انظر المقال على هذه الوصلة)، مشتكياً من أن مفاهيم عديدة بقيت “عرضة للكبت والقمع عبر تاريخ الأفكار والثقافات”، وكان مصيرها الحظ التعس والشقاء واللعنة، ولم يسمح لها بالوجود إلا بحضور مقابلاتها، كوجود الشر مقابل الخير، والتناقض مقابل الانسجام..إلخ.

غير أن بنعبد العالي يهرب من التحديد، فلا ندري في أي مجال معرفي يتحدث، واكتفى بالإشارة إلى فضاء رحب وواسع هو “تاريخ الأفكار والثقافات”، ثم يغادره ليدخل في فضاء آخر غائم ومطاط هو “التقليد”، حيث يرى أنه “لطالما انتظر التقليد انتصار الخير على الشر مغفلاً تلازمهما وعدم إمكانية اختزال أحدهما إلى الآخر”.

يغفل بنعبد العالي عن أن المفاهيم التي يذكرها، تعكس نمطاً من التفكير الميتافيزيقي، السائد في الفلسفات الغائية (عربياً وأوروبياً)، التي تنهض على التقابل الميتافيزيقي، حيث تبقى مشدودة إلى الحد الأول من أي ثنائية ميتافيزيقية: الأنا/الآخر، الذات/الموضوع، الخير/الشر، وتعطي الأولوية والأسبقية للحدّ الأول منها، وتحكمها منهجية الفصل والإحالة والإرجاع، فتحلّق بصاحبها تحليقاً متعالياً، يبعده عن مركبات المفهوم ومجاله، ثم يتوهم بأنه الوحيد القادر على التعبير عن حقيقته، بل وحقيقة الأشياء جميعاً، فتتناثر مفردات خطابه على تمركزية الذات والأنا والنحن والهوية..إلخ. ويكبر الوهم الميتافيزيقي، بعد أن تعمي سلطة الإيديولوجيا عين صاحبها ليتوهم أن الواقع سماء صافية زرقاء، لا تشوبها الغيوم حتى وإن وجدت، ويصبح الخطاب سحرانياً خالصاً أو قل ميتافيزيقياً خالصاً.

منطلق تفكير كهذا هو التنميط والاختزال والقفز فوق التحليل والمساءلة والخلخلة، وينحصر المفهوم فيه في فسحة واحدة، يحذوها الإيجاب، وهذه ليس حال تفكير شخص بذاته، إنما نمط من التفكير ساد الخطاب المعاصر، فالداعية والمناضل عليه أن يبادر، وكيفما شاء، لكن يجب عليه قبل كل شيء أن يكون إيجابياً، حتى أن “البطل الإيجابي” كان عنوان وهدف كل منتج أو مهتم بالثقافة والفكر والسياسة. ووصل الأمر إلى أن الرواية غادرت متحققها كفن متعدد الأصوات، لتحتفي بصوت البطل الإيجابي الأوحد، فكتبت سيرته، ومجدت صفاته وخصاله وممارساته وأفكاره الإيجابية، وكذلك فعلت القصة والشعر، وامتد ذلك إلى مختلف الآداب والفنون.

ويرفض نمط التفكير الميتافيزيقي وخطابه السائد السلب وجميع مرادفاته، حتى تحول الإيجاب قوة، واستخدم ذريعة للسلطة في الحالة العربية. ورافقت مفردة “الإيجاب” معظم تفاصيل التقييمات السياسية العربية، حتى أن مفردة “الحياد” لم تكن مقبولة إن لم تلصق بها مفردة “الإيجابي”. وبالتالي غاب فضاء السلب عن مساحات من التفكير العربي، وفقد نمط هذا التفكير أي إمكان للتنقل والترحال بين الإيجاب والسلب، الصواب والخطأ، محتفياً بالشرط القطعي أو غير الإمكاني للمفهوم حسب تعبير “أدرنو”. كذلك غاب عن قاموس التفكير العربي وخطابات أصحاب المشاريع الكبرى كل ما ينتسب إلى السلب، فغاب حق الاختلاف والتعدد، وانتفت المعارضة والضدية والرفض والغياب والعدم والعشوائية …إلخ، وحضر الواحد بكل تجلياته، وحضرت كل معاني الإيجاب، أي حضرت الحدود الأولى للثنائيات الميتافيزيقية بمختلف تنويعاتها، وتم القبول الإيجابي لأحد طرفي كل ثنائية على حساب إلغاء وإقصاء الطرف الأخر.

وبخصوص المفهوم، فإنه يصعب إعطاء تعريف معين للمفهوم، وبالتالي تحديده، لأن ذلك يتعلق باختلاف وتعدد المعاني التي يحملها والدلالات. ويمكن القول أن المفهوم كائن اصطلاحي، شرطيّ لحصول الفهم، له حياته الخاصة، المعرفية والفكرية، التي تتغير في سياق المجال المعرفي الحاضن لها، وفي إطار المشكلات التي تطرحها أو التساؤلات التي تجيب عنها أو المركبات التي تقوم أو تنهض على صرحها.

ولا تتعلق القضية بالجهاز المفهومي، لأن المفاهيم تولد في إقليم محدد من الأرض، تنشأ وتترعرع معرفياً في فترة معينة، ضمن نسق تنتظم علاقاتها عليه، فتترابط فيما بينها وتتعايش معاً دون أن تتداخل حدودها، وتركن إلى المجال الفلسفي والمعرفي ذاته. ويربط المفهوم (le concept) صلات وعلائق ما بين الإنسان والآخر داخل الإقليم، وبينه وبين مختلف تفاصيل الكون.

وتشبه المفاهيم كائنات معرفية حية، تتحرك بين البشر، وفي ثنايا الفلسفة والأدب ومختلف العلوم والثقافات، تعيش حياتها الفكرية بمختلف أطوارها بدءاً بالنشوء والتحديد وانتهاء بالاستقصاء والاستثمار، وفق سمات وخصائص مجالها المعرفي والإقليمي، تبرز أحياناً وتحضر بقوة، وأحياناً أخرى تتوارى وتغيب، بل ويتم تجاوزها. وقد تتجدد مفسحة المجال لإضافة مكونات جديدة عليها، حين تحلق فوق الأرض، أو حين تحط ثانية عليها، أي تتأرضن بلغة “جيل دولوز”، أو عندما تنتقل عبر وسائط مختلفة، مغيرة الأرض أو الإقليم، في هجرة تتأول فيها وتتحول، وقد تؤدي تلك الهجرة إلى تغاير مفهوم المفهوم الذي غادر الإقليم وترك الهوية، فيولد بذلك مفهوم جديد.

إذن، تنتقل المفاهيم، كالبشر (المهاجرين)، من إقليم حضاري إلى آخر، ومن عصر أو مجال معرفي إلى آخر، عبر عمليات التفاعل والتبادل بين مختلف الأقاليم الحضارية. وعلى مرّ العصور جرت هذه العملية وفق أشكال مختلفة أهمها عمليات الترجمة والاقتباس، وأدت إلى إثراء الحياة الفكرية والثقافية في بعض الأقاليم، عند توفر شروط الانتقال اللازمة لقبولها في المجال المعرفي والفكري الجديد، بينما لم تؤد إلى إثرائها في أقاليم أخرى، يتوقف ذلك على كيفية الانتقال وشروطه وعوائقه، ومختلف عمليات التمثل والتأسيس.

وتتخذ المفاهيم أشكالاً تنسجم ومجالها المعرفي، كونها ترتبط بمجموع آليات وعمليات تخص إنتاجها وصناعتها، إذ تتخذ تراتبية تفاضلية بحسب أهمية حقلها المعرفي أو بعبارة أدق بحسب الإقليم المعرفي والدلالي الذي تنشأ فيه وتترعرع.

أما المفهوم الفلسفي( Le concept philosophique) فيختلف عن سواه من المفاهيم بسمات معينة تخصه. كما تختلف المفاهيم الفلسفية باختلاف اللغات والألسن الطبيعية، حيث يقترن المفهوم في أية لغة من اللغات الإنسانية بصورة لفظية أو بناء خاص للمعنى، يحمل مدلولاته، المعلنة أو المضمرة، ومكوناته المتعددة، اللغوية والاصطلاحية والاستثمارية، لذلك تطبع اللغة المفهوم بنظامها الخاص، فحين يقوم الفيلسوف بوضع مفهومه يلجأ إلى تشقيق الكلام وفق معايير ممارسته الفلسفية في اللغة الحاضنة لها، لذلك يقول غرانجيه ” لا تفلسف إلا داخل اللغة”( G- G. Granger, “Remarques sur l’usage de la langue en philosophie” ; Langage, 35, 1974, p 22 . ). وهذا ما دعا “هايدغر” إلى الربط بين الفلسفة واللغة، حيث اعتبر اللغة اليونانية لغة فلسفية إلى جانب الألمانية.

وشهد المفهوم الفلسفي تغيراً كبيراً في النظرة إليه، من قبل الفلاسفة، فبينما التبس المفهوم لدى الفلاسفة التقليديين مع الفكرة والتصور بدءاً من أرسطو وأفلاطون، وانتقل هذا الالتباس إلى الفلسفة العربية، حيث تجلى ذلك في إشكالات إجرائية ودلالية في سياق أقلمة المفاهيم ووضعها، إلا أن عدداً من فلاسفة الحداثة اهتمّ بالمفهوم كواقعة فلسفية، وجعل مهمة الفلسفة خلق المفاهيم وإبداعها في سياق الممارسة الفلسفية، ونخص بالذكر هنا “غرانجيه” و”دولوز” . وقد غاص المفهوم في حقول الذات المطلق على يد هيغل، الذي اعتبره موحداً للروح داخل مطلق الذات، انطلاقاً من لحظات طرحه الذاتي، وبحثاً عن انتماءات المفهوم في/وبواسطة الوعي، ثم تابع كانط دروب الذاتية الخالصة وأحال إليها شمولية المفهوم، في إطار بحث الفلسفة عن بناء الكليات. لكن ذلك اقترن بفك الارتباط بين المفهوم والفكرة المجردة وإن اعتبر كانط أن الفكرة هي في آخر المطاف نوع من المفاهيم.

وتقوم الفلسفة بابتكار وخلق المفاهيم الجديدة، وهي مهمة تُكسب الفلسفة تميزها الخاص وليس تعاليها، لأن الفلسفة، في نظر “دولوز”، هي الحقل المعرفي الوحيد الذي يقوم دوماً بخلق المفاهيم الجديدة (G. Deleuze et F. Guattary, Qu’est-ce que la philosophie, Minuit, Paris, 1991). غير أن المفهوم الفلسفي يتركب من مجموعة عناصر يتحدد بها، إذ لا وجود لمفهوم بسيط أو مفرد. مردّ ذلك هو إن كان المفهوم مدركاً عقلياً في حقل إدراكي معين، فإن إدراك العناصر المفردة لا يحصل إلا بإدراك العلاقات المتبادلة فيما بينها. ويحيل كل مفهوم إلى مشكلات متعددة، تكسبه معناه ودلالاته المتنوعة، فمفهوم الذات، مثلاً، يقتضي استحضار مفهوم الآخر بوصفه ذاتاً تتقدم كموضوع، وعليه فإن مفهوم “الغير” لن يكون غير ذات أخرى كما تظهر لي أنا.

إن المفهوم حدث حيّ. طائر لا يكف عن التحليق فوق الأقاليم، وليس شيئاً مفكراً فيه أو ماهية أو جوهراً وما إلى ذلك من توصيفات الميتافيزيقا المثالية منها أو المادية، ويتأرضن وفق شروط معرفية وتاريخية وجغرافية وبيئية معينة، وتختلف هذه الشروط باختلاف المفاهيم وباختلاف الأقاليم وانشيالات الأرضنة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق