تعقيباً على وائل السواح: من هو الشيخ عبد العزيز الخطيب؟

لنرفع العمامة (القبعة…) للسيد وائل السواح الذي حاول، بعد مجموعة مقالات «نظرية» عن العلمانية، أن يقرأ الواقع السوري الذي ينظّر له، في مقالته المنشورة في موقع الأوان بعنوان “موقف الإسلاميين السوريين من تعديل قانون الأحوال الشخصية”، التي يتجلى وهم الميدانية في عنوانها الفرعي «الشيخ عبد العزيز الخطيب الحسني الشافعي الدمشقي نموذجاً». وبهذا يريد السواح أن ينفي عن علمانيين استئصاليين في الثقافة السورية، التهم التي طالما وجهت إليهم، من نقص فادح في معرفة مجتمعهم، وملامسة تضاريس هذا المجتمع بالقفازات.

غير أن المقالة، ولسوء الحظ، لا تفلح إلا في تأكيد هذه الاتهامات. رغم الجهد الذي بذله الكاتب حتى عثر على الشيخ عبد العزيز الخطيب «الحسني الشافعي الدمشقي» (WAW)، كما يذكر عنوانه، كمن يباهي بآنية فينيقية، تؤكد أنه كان «هناك»!

في البداية، لا نجد مهرباً من أن نكرر لبعض كتابنا العلمانيين، المنفصلين عن مجتمعهم فعلاً لا تهمةً، أن نصف الميدانية لا يغني عنها، وكذلك جزء الميدانية، إن لم يؤد هذا الجزء إلى جهل أفدح، مصحوباً بادعاء المعرفة. وإذا كانت خطوة السيد السواح إيجابية، كونها بداية طريق طويل يجب علينا جميعاً أن نجتازه، فإن الاكتفاء بقراءة الحالة الدينية عبر كتيب ما يمكن أن نصادفه، أو عبر مواقع الإنترنت فقط، لا يؤدي إلا إلى معرفة شوهاء. لا سيما إذا صوحب البحث بموقف مسبق لا يعنيه التفهم، بقدر ما يعنيه «الصيد». ومن رحلة السيد السواح في اصطياد غرائب المخلوقات، جاءنا بفراء كتاب الشيخ عبد العزيز الخطيب، الذي يضم مجموعة من خطب الجمعة (يظن السواح أنها دروس، لأن خبراته ليست في الاتجاه الذي يستطيع معه التفريق بين الخطبة والدرس بالاعتماد على طابع النص، المبتدئ بالمقدمات الشرعية التقليدية لخطبة الجمعة، غير أن هذا لا يمنعه من أن ينظر براحة ضمير في الحالة الدينية السورية)، التي تناولت موضوع تعديل قانون الأحوال الشخصية السوري. ويقول السواح إنه أراد أن يعرض هذا الكتاب كنموذج عما يفكر به الإسلاميون السوريون في هذا الموضوع.

وأول وجوه اعتراضنا هو المطالبة بالتفريق، عند دراسة الحالة الدينية، بين الإسلاميين والمتدينين والمحافظين، وتدرجات كل من هذه الفئات. فالإسلاميون هم أبناء حركات سياسية منظمة، حزبية أو شبه حزبية. وهم يقيمون بناهم التنظيمية ويصوغون برامجهم على أسس تنتمي إلى الشكل الحديث من التعبير السياسي، وإن كانت مضامينها تجمع بعض المواقف التقليدية إلى بعض المصطلحات والمفاهيم المستقاة من مراجع غربية متعددة. غير أنها بالتأكيد تأخذ شكل المطلبية الحزبية الحديثة، أو حتى شكل «التمرد» المنظم، الذي ينتمي إلى مفهوم «الثورة» الحديث، أكثر مما يشبه «الغزوات» الإسلامية تاريخياً. وبهذا يتبين أن لا وجود للإسلاميين في سورية منذ الثمانينيات.

ولا نشدد على أهمية هذا التفريق لأسباب نظرية محضة، بل لنحدد نوع الاعتراض الذي يمثله الشيخ الخطيب على تعديل قانون الأحوال الشخصية السوري. فمن هو الشيخ عبد العزيز الخطيب؟

إنه، بالإجمال، إمام وخطيب جامع الدرويشية الذي بني في أواخر العهد العثماني في أولى التوسعات خارج سور دمشق المعروف. وهو من عائلة أخذت اسمها من توارثها خطابة الجامع الأموي، الجامع الرئيس في المدينة حتى العصر الحديث. وما زالت هذه العائلة ترفد الجسد الديني المحلي بعدد من المشايخ من مختلف المشارب. وهو أحد ورثاء السلوك الشاذلي عن الشيخ عبد الرحمن الشاغوري، أحد أبرز مشايخ الطريقة المعاصرين. وهو ـ أخيراً ـ مدير جمعية «التهذيب والتعليم» (لاحظ الاسم) التي أسسها، قبل ثلاثة أرباع قرن، الشيخ هاشم الخطيب (الحسني الشافعي الدمشقي… أيضاً!)، والتي كانت واحدة من جمعيات ومعاهد أسست بالتعاون بين مشايخ دمشق وقتها وبين الوجهاء المحليين والتجار وسواهم، بهدف المحافظة على توازن المجتمع الشامي التقليدي في مواجهة، أو بموازاة، نمط التعليم الغربي في المدارس الحديثة. فهي، بهذا، المعبر الأكثر عضوية عن ردة الفعل الأهلية على «صدمة الحداثة» التي هددت المجتمع في رؤيته للعالم، وفكرته عن نفسه، ونمط عيشه. ومن مجموع كل هذه الروافد يمكن تشكيل تصور عن عالم الشيخ الخطيب ومحدداته ومفرداته.

{{فمن هو الخصم الذي اختاره السواح؟}}

لقد اختار، مباشرة، وكأحد الأعراض الجانبية للجهل بالساحة التي يتحرك ضمنها، واحداً من الممثلين الشرعيين لمجتمع أهلي، من الذين يستمدون قيمتهم وتأثيرهم من كونهم لسان حال جمهورهم، ويأخذون مكانتهم من ثقة متلقيهم بهم، لا من تعيين فوقي وأوامري ترعاه «الدولة الحديثة» وفق متطلباتها الخاصة من بيروقراطيتها الدينية. ووفق هذا السياق يمكن اعتبار الخطيب «نموذجاً»، أي واحداً من نظراء كثيرين يشكلون مراكز لبؤر دينية واجتماعية. إنه نموذج «الشيخ» بالمعنى التقليدي للكلمة. وبهذا المعنى، لم يكن هذا الشيخ يلقن مستمعيه الموقف الذي يجب عليهم أن يأخذوه من تعديل القانون، بل كان «يثبتهم» على ما يعرفونه، ويؤكد وظيفته في «حراسة» قيم الجماعة ومألوفاتها. فلو خرج عن العقد المضمر في هذا التمثيل لانفضوا. وهو ما حدث مع كثير من المفكرين الإسلاميين المستنيرين «المرموقين» الذين يشيد بهم السواح في مقالته. إذ إن هؤلاء لم يعودوا مرموقين إلا كعناصر تزيينية في صالونات علمانية. بينما يتناهى عدد مريديهم من المجتمع الذي يفترض أن يمثلوه إلى الصفر، رغم الحفاوة الإعلامية والإشادة المتكررة على صفحات الجرائد.

وإنما جاء النقد المتكرر لعلمانية لا تبقي ولا تذر، من قبل كثير من المعنيين الجادين بالمجتمع السوري، من كونهم يعرفون بوجود الشيخ الخطيب ونظرائه قبل أركيولوجيا السيد السواح. ويعرفون أن التعامل معهم بوصفهم «لقى» لا يفيد أي جهد في الفهم ولا في المقترح.

وبالمناسبة، ماذا تقترح هذه العلمانية أن نفعل بالشيخ الخطيب… نموذجاً؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق