تعقيباً على ياسين الحاج صالح: الحقبة المفتوحة على الخارج

أثمن ما في بعض كتابات الصديق ياسين الحاج صالح، أنها تستفز العقل على التفكير وتشعل حماسته إلى المناقشة. ما يميز مقالته “نظرات أولى في أطوار التاريخ السياسي الإيديولوجي المشرقي المعاصر” عن معظم كتاباته الأخرى، أنها تسعى لاستشراف ما يبدو قيد الغائم، فإن أصابت أو أخطأت حافظت على قيمتها الإيجابية في الحالتين. تعقيبي سيكون هو الآخر مجرد اجتهاد أولي، لن آسف إذا أخطأ، ولن أفرح إذا أصاب.

ثمة غياب لافت، في المقالة كلها، للعامل الخارجي، وقد كان حاضراً بقوة في رسم ملامح تاريخنا، ويزداد قوة باطراد. إنما على هذا العامل بالذات ستتركز مقاربتي. ففي المرحلة التي يسميها الكاتب “القومية الاشتراكية” لا يكفي القول إن “المسألة الغربية” قد شكلت فيها محور التفكير والعمل، لإيفاء العامل الخارجي حقه من الاهتمام بما يكافىء حضوره الفعلي. فالمرحلة المذكورة، هي في وجهها الآخر، والأهم في رأيي، مرحلة الحرب الباردة. هذه المرحلة سمحت لبعض الفاعلين المحليين بهامش (ضيق) لتطوير استراتيجيات محلية وطموحات إقليمية، بقيت، مع ذلك محكومة إلى حد كبير بالفاعلين الكبار (أميركا والسوفيات بصورة رئيسية). لكن يبدو أن تحقيباً كونياً من هذا النوع كان من شأنه أن “يزعج” التحقيب المقترح لموضوع المقالة، فتمت إزاحة الأول إلى “خلفية المشهد” وحسب. ذلك أن الحرب الباردة سوف تنتهي في أوائل التسعينيات لتبدأ حقبة جديدة أبرز ملامحها التحول الديموقراطي في أوروبا الشرقية وبداية “غزو الشرق الأوسط” مع “حرب تحرير الكويت”. هل من النافل التذكير بردة الفعل الأولى للرئيس الأميركي جورج بوش على خبر الهجمات الإرهابية على البرجين التوأمين، حين قال فوراً بضرورة إسقاط النظام العراقي؟ أعني أن مفصل التحقيب يعود إلى حرب العام 1991، وليس إلى هجمات 2001. فهذه الأخيرة، وأنأى بنفسي عن نظريات المؤامرة، شكلت الذريعة المناسبة وحسب لاستكمال أهداف وضعت مع تفكك الاتحاد السوفياتي ومنظومته الشرقية. لا أعني بذلك أن الحادي عشر من أيلول لم يأت بجديد، بل عنيت أنه نتاج مخاض بدأ قبل ذلك بعقد على الأقل. النخبة السياسية والفكرية في الولايات المتحدة تمكنت من تطوير استراتيجياتها الجديدة في أعقاب التفكك السوفياتي مباشرةً، لكن هذه الاستراتيجيات تحولت من قومية أميركية إلى استراتيجية تخص “المجتمع الدولي” بعد تبني هذا الأخير “للحرب على الإرهاب” كشيء يخصه.

من هنا بدت الحقبة الوسيطة التي سماها الكاتب “الديموقراطية الإسلامية” باهتة ومصطنعة إلى حد كبير، فمن جهة أولى لم يتحول الإسلام السياسي إلى “موضوع الساعة” على الرغم من صعوده طيلة السبعينيات والثمانينيات، وصولاً إلى حروب أهلية بمستويات متفاوتة في كل من أفغانستان وسوريا ومصر والجزائر (والسودان)، بل عوملت، في الغالب، كمشكلة أمنية وإجرائية، ليس فقط من قبل السلطات الحاكمة، بل لدى الكثير من النخب الثقافية أيضاً. هذه “المرحلة الإسلامية” على كل حال، كانت تمهيدية، بمعنى من المعاني، للعدمية السياسية التي ستطبع الإسلام السياسي بطابعها في الحقبة اللاحقة على الحرب الباردة. ومن جهة ثانية، لم يتحول الخطاب “الديموقراطي” إلى خطاب عام “مالىء الدنيا وشاغل الناس” إلا مع بدء مسيرة التحول الديموقراطي الفعلي في أوروبا الشرقية. إن التصورات “الديموقراطية” في منطقتنا، قبل ذلك، كانت محكومة بدور أو وظيفة معارضة الاستبداد، ولا تتجاوزها إلى تصور إيجابي حقيقي يعنى بتغيير عميق في المفاهيم السائدة في مجتمعاتنا، كمفاهيم الحريات الفردية والمجتمع المدني والتداول السلمي للسلطة والحقوق الثقافية والسياسية للأقليات المختلفة والعلمانية وغيرها. سوف يتبلور هذا المفهوم الجديد للديموقراطية، عندنا، مع بدء الألفية الجديدة، على خلاف مجرد استخدام الشعارات الديموقراطية لتبرير مناهضة الاستبداد، كما كانت الحال في السبعينيات والثمانينيات بصورة أخص. وحينما نتحدث عن عطالة أيديولوجية عند بعض أطراف المعارضة السورية، على سبيل المثال، فإنما نعني بالضبط استخدامها الوظيفي لشعارات “ديموقراطية” وعجزها عن بناء تصور حديث إيجابي عن المستقبل الذي تريده للبلاد (مثال خطاب التجمع الوطني الديموقراطي).

مما سبق يمكن الاستنتاج بسهولة أن الحقبة الثالثة المقترحة (أو الطور الثالث، لا أميز هنا بين المفردتين) تفقد أساسها. ولذلك عانى هذا القسم الأخير من المقالة من عسر بيّن، على الرغم من بعض استشرافاته التي أراها صحيحة، كأن يستعيد الدين والإصلاح الديني الاهتمام الذي فقده منذ قرن من الزمان، بالتوازي مع تعمق النقاش حول العلمانية والديموقراطية ومشكلات الهوية وغيرها من المسائل المرتبطة بها. هي حقبة فكر؟ ليتها كذلك وحسب. نعم ثمة إشارات لافتة ومشجعة من نوع الفتاوى “الثورية” حقاً التي تطالعنا بين الحين والآخر على شاشة التلفزيون (مثلاً إعلان حسن الترابي عن جواز إمامة المرأة أو غير المسلم، مثلاً إعلان رياض العريان وهو قيادي في حركة الإخوان المسلمين المصرية، عن تحليل المساكنة بين الشاب والفتاة، بوصفها “زواجاً شرعيا”، مثلاً فتوى لرجل دين تركي قال، قبل بضعة أشهر، بجواز الصلاة بعد شرب كمية من المشروبات الكحولية لا تصل حد السكر… لا تنبع قيمة هذه الفتاوى من محتواها، بقدر ما تنبع من مطلقيها الذين يتمتعون بمكانة ونفوذ في المجال الإسلامي)، غير أنها إشارات ضعيفة ما تزال بالقياس إلى قطع الرؤوس على شاشة التليفزيون أيضاً. لكني أميل شخصياً إلى أن العدمية السياسية للإسلام الجهادي تعيش طور انحدارها (بدءاً من الحادي عشر من أيلول، ما يعني تأكيداً مني على تعاظم العامل الخارجي (الغربي) في تحديد مصائرنا “الوجودية” والفكرية معاً)، في حين أن الإشارات الواهنة الآن على إعادة التفكير في “بديهيات” الدين الإسلامي، قد تكون، في رأيي، بذور القادم.

سبق للصديق ياسين أن سألني منذ مدة قريبة عن معنى “صعود العلمانية من تحت” الذي ذكرته في إحدى مقالاتي عن الحالة التركية. ولم أجبه في الحين، لأنه سؤال لا يحتمل التسرع في الجواب. أقول هنا، إن “علمنة الإسلام” إذا صح التعبير، عملية خاضعة لشبكة معقدة من الشروط والملابسات الواقعية أكثر من كونها عملية ذهنية صرفة. فالسؤال مثلاً عن سبب حماسة الحزب الإسلامي الحاكم في تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي (وما يعنيه ذلك من خضوع لمعايير واشتراطات لا قبل للإسلام التقليدي بتحملها) في مقابل فتور همة التيار العلماني، يقود المرء إلى البحث عن تاريخ طويل من “الضرب على الرأس” الذي خضع له الإسلاميون الأتراك من قبل النخبة الحاكمة التقليدية العسكرية والمدنية، كما إلى الأساس الاقتصادي الاجتماعي للانقسام بين “علمانيين” و”لاعلمانيين” في تركيا اليوم. الإسلام السياسي يخضع اليوم، على نطاق عالمي، لهذا الضرب على الرأس، مرغماً هذا الأخير على التفكير وإعادة التفكير في بديهياته، والاقتصاد يتعولم بسرعة جارفاً أمامه الحدود القومية للدول والعقول معاً. ُ

إذا كانت الولايات المتحدة تبدو كالثور الهائج، في أعقاب هجمات الحادي عشر من أيلول، فإن الدول الأوروبية، بأساليبها الأكثر توازناً وعقلانية، لا تتعارض، بل تتطابق مع الاستراتيجية الكونية الأميركية. مشكلات الهجرة والإرهاب، المنسوبة إلى منطقتنا بصورة رئيسية، تقلق الأوروبيين أكثر من الأميركيين، لأن الأولين أكثر تأثراً بما يحدث عندنا. هل من حاجة للتذكير بمشكلة منع الحجاب في المدارس الفرنسية وصعود اليمين العنصري في عدد من البلدان الأوروبية وأحداث الشغب في باريس العام الماضي، وعرقلة قبول تركيا المسلمة في عضوية الاتحاد؟

منطقة الشرق الأوسط بمعناه الواسع، باتت مفتوحة أمام الفعل الخارجي أكثر من أي فترة في التاريخ. هل هي مصادفة أن جميع قرارات مجلس الأمن في السنوات القليلة الماضية، تخص هذه المنطقة؟ وفي الوجه الآخر، ارتفع الطلب على التدخل الخارجي في المنطقة العربية منذ استنجاد الكويتيين بالولايات المتحدة لـ”تحرير” بلدهم من الاحتلال العراقي. هذا هو الجديد حقاً في تاريخـ”نا”، والذي يمكن اعتماده معياراً للتحقيب. بعد البادرة الكويتية أصبح “السلوك الكويتي” مألوفاً في البيئة العربية (المعارضة العراقية وأكرادها ضمناً، المعارضة اللبنانية للوصاية السورية، بعض هامشي وخارجي من المعارضة السورية، مشكلة دارفور في السودان، القاعدة العسكرية الأميركية في قطر) وتزامن ذلك مع إشاعة فكرة (لا أتفق معها) مفادها استحالة التغيير من الداخل. أعرف أنني لا أقدم جديداً للصديق ياسين، فقد تطرق إلى كل هذه التوكيدات في كتابات سابقة له. لكن أخذ هذه المعطيات كأساس لتحقيب تاريخنا هو ما غاب عنه، بفعل حماسته لإنشاء تحقيب “محلي”.ْ

خلاصة القول، إنني أكثر ميلاً لتغليب العوامل الخارجية في رسم مصائرنا المستقبلية، وهذا ما يحدد انحيازي إلى إدراج “تاريخنا” في تحقيب عالمي، لن نكون فاعلين فيه إلى أمد طويل. هذا الخارج هو ما سيحدد لنا مواضيع الفكر والعمل معاً. الواقع أن جميع التواريخ المحلية تندرج في إطار التاريخ العالمي، هذا لا يعني قول شيء. ولكن في منطقة يصنع تاريخها بالكامل في الخارج، ولا يشكل فيها “الفاعلون” المحليون غير أدوات منفعلة، لا يمكن الحديث عن تاريخ محلي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق