تعقيباً على ياسين الحاج صالح وصالح بشير: ليست الفردية إلا يوتوبيا الحداثات

يجدر بي أن أوافق الصديق ياسين الحاج صالح على تبرمه من السياسة ([في مديح الثقافة ودفاعا عن استقلالها->http://www.alawan.org/%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9.html] ). فأنا أيضاً أعيش في بلد تكاد سياساته تعصى على الفهم. بل هي تسير ضد المنطق نفسه. وحيث أن المثقف، أو المشتغل في الثقافة، يستند إلى المنطق في قياس صحة أفكاره وصلاحيتها، فإن الحديث في السياسة المحلية يصبح والحال هذه ضرباً من الاستشراق المقلوب. لكنني وقبل أن أجازف بالموافقة على مثل هذا التبرم، والالتفات نحو تعميق الإبداع الثقافي بوصفه الصانع السحري للأفراد في مجتمعاتنا “العربية”. أرى من لزوم ما يلزم، ان أشير إلى صعوبة تحديد الحقل الثقافي الذي يجب على المثقفين العمل فيه بحسب ياسين الحاج صالح، وإن كان صالح بشير يجتهد في تحديده على نحو ما (دعوة المثقف إلى الاستقلال أم دعوته إلى الوجود؟)، فإن هذا التحديد بالضبط يحتاج إلى مناقشة مستفيضة.

بطبيعة الحال، أحسب أننا نناقش جميعاً من موقع واحد. هو موقع المنتظم تحت سلطات الحداثات وقوانينها. وأحسب أن المثقف في بلاد كبلادنا لا ملجأ له غير الانتظام تحت حد

هذه السلطات، وهذا حديث آخر. لكن الانتظام تحت سلطان الحداثات والتزام قوانينها لا يجعلان من المثقف حكماً، صاحب اختصاص، بوصف الحداثات حضت على الدوام على التخصيص والاختصاص، وتقسيم العمل والأفكار والسياسات والحقول والأوقات. ذلك أن الاختصاص في مجتمعاتنا، كما يتراءى لي هو اندراج مرن في ماكينة سلطات غائبة. وحيث أن غياب السلطات هذه، وهي حكماً أشد سطوة من سلطان السياسيين في بلادنا، لا يتيح للمثقف المختص أن ينتج ويدرج إنتاجه في دورة انتاج كبرى. تتحول الثقافة في بلادنا إلى ماكينة خجولة لصناعة الأفراد.

لكن هذا النجاح النظري في صناعة الأفراد لا يفرض علينا أن نقيم الدنيا ولا نقعدها في مديح هذا الدور الرائع والجليل. إذ نحتاج قبل أن نعلي صوت المديح، أو نشخص الداء، على ما ذهبت ابحاث بعض الليبراليين العرب، بوصفه يتعين حكماً بإنتاج الفرديات الهزيل في مجتمعاتنا، أن نتفكر في تعريف الفردية مجدداً، حتى لا تختلط علينا الأمور. ذلك أن الفردية كما أتاحتها الدول الحديثة الديموقراطية غير متعينة حكماً في أشخاص معينين. اي أن الفرد ما أن يعي نفسه فرداً حتى يصبح منضوياً في جماعة لها طقوسها وإشاراتها ولغاتها وانضباطاتها الحاسمة. فالمجتمعات الديموقراطية الحديثة، تتيح للفرد أن يولد في ظل سلطان الدولة الجامعة، لكنه ما إن يعي انه فرد حقاً حتى يصبح داعية لفردية الأفراد.

ذلك أن الفرد يكون فرداً قبل ان يشارك في تظاهرة مطلبية أو سياسية. لكنه ما إن ينخرط في هذه السياقات الاجتماعية حتى يصبح عضواً في مجموعة ضغط. والحق أن الديموقراطيات الحديثة تتيح للمرء أن يكون فرداً إذا أراد ذلك. أي إذا قرر، حاذياً حذو سالنجر، أن لا يسفر عن وجهه لأي كان. أو على الأقل أن لا يسفر عن بواطنه وأسراره للسلطات المراقبة. فالفرد يخسر كل امتيازاته ما إن يصبح مشتبهاً به، على المستوى القانوني، أو ما إن تنزع الدولة عنه حقوقه وتفرض عليه الانخراط في سلك من أسلاك الأمن أو الجيوش. في هذه الحال لا يعود المرء فرداً متمتعاً بحق على الدولة في أن تحمي حياته وترعى سلامته، بل يتحول إلى شهيد حي يفترض به أن يموت من أجل أن يسلم الأفراد. أما في حال الإشتباه القانوني فإن الفرد سرعان ما يتحول إلى كائن مكشوف ومن دون حماية من أي نوع، ويصبح وجهه معمماً فلا يعود قادراً على تحجيب وجهه على نحو ما فعل سالنجر. بهذا المعنى يجدر بنا أن نتذكر ما ذهب إليه لفيناس حين اعتبر إشهار الوجه، لا القناع، دعوة للقتل.

خلاصة القول أن تحقق الفردية في المجتمعات الديموقراطية الحديثة أمر ممكن نظرياً، لكن التزام حدها الأقصى عيشاً وسعياً تقف دونه حوائل كثيرة. أبرزها أن المرء يحتاج أن يزاول عملاً وهذا يفرض عليه نوعاً من الاعتراف البوليسي كل يوم: لماذا تأخر خمس دقائق عن موعد عمله؟ وهل هو حقاً يعاني من الزكام أم أنه يدعي ذلك للتهرب من مسؤولياته؟ وثانيها أن المرء في هذه المجتمعات يحتاج أيضاً أن يدخل في نطاق اجتماعي سرعان ما يؤسس له ملفاً اجتماعياً: هذا الرجل نشيط في العمل وميسور الحال، لكنه سكير. وذاك يفضل السمينات على النحيفات. والآخر متكتم على علاقاته الخاصة، إلى حد أن احداً لم ير غرفة نومه. وليس خافياً أن هذه التصنيفات والتعريفات بالغة الأهمية بالنسبة للبوليس ويعتبرها القضاء قرائن حاسمة. مما يعني أن إدخال المرء في مثل هذه التصنيفات الاجتماعية ينزع عنه كل فردية ويدرجه ضمن نطاق اجتماعي أو فئة اجتماعية معينة. فكيف إذا كان منتمياً إلى جمعية ناشطة او حزب سياسي أو ديانة مستهجنة؟ والحال فإن الفردية تتحقق في وقت المرء اللاإجتماعي. أي في ليله، حين ينام القانون ويتقلص السعي إلى حده الأدنى. لكن هذه الحوائل الكثيرة لا تعيق اعتبار الفردية أمراً ممكن التحقق نظرياً في هذه المجتمعات.

والحال، ليست الفردية إلا يوتوبيا الحداثات. وهي كمثل كل اليوتوبيات هشة وقابلة للكسر كل لحظة. ذلك أن زلزالاً أو فيضاناً يدمر كل عراها دفعة واحدة، ناهيك بالحروب والصراعات السياسية. ومسكة القول في هذا المجال، أن مجتمعاتنا التي نعيش فيها لا تتيح للفردية أن تتمتع بحق التحقق النظري. ومن نافل القول انها ترفض تحققها واقعاً، حتى لو حاز المرء كافة الشروط التي تتيح له تحقيقها. وحيث اننا جميعاً اعضاء في جماعات، وفي هذا المجال لا يختلف المؤمن بالإسلام او اليهودية عن الناشط في حقول البيئة مثلاً، من حيث ابتعاده كل البعد عن كل ما هو فردي، والهوس المرضي بالحشود الذي يتمثل بإلحاح هذا وذاك على إقناع العالم كله بصحة مذهبه في الصلاة والصيام، أو في الامتناع عن أكل أقدام الدببة المهددة بالإنقراض او ركوب عربات الهامر المضرة بالمحيط، يصبح حلم الفردية في مجتمعاتنا أشبه بدعوة إلى التهريج بافتراض أن السبيل الوحيد لتحققها هو التفرد الظاهر، وإعلاء شأن القناع وتمكينه من الوجه على نحو لا عودة عنه.

إذن، ما السبيل الذي تتيحه لنا مجتمعاتنا لنحقق مثل هذه الفردية، وليس الفرادة قطعاً؟ أيكون انشغالاً بفصل السياسة عن الثقافة، تمهيداً لانفصال مرغوب عن هموم السلطات وحشودها؟ وكيف يتسنى لنا ذلك حقاً؟

أحسب أن مثل هذا المطلب عسير جداً على التحقق بالنسبة لمثقف ينتمي إلى هذه المجتمعات. فأن يشتغل المرء في الثقافة والإبداع لهو أمر مرغوب لكنه غير محدد. أي انه يجافي فكرة الاختصاص التي يتحدث عنها صالح بشير، ولا يتصل بها بأي خيط. وأن أكون مختصاً في مجتمع لا مختبرات فيه، من أي نوع، سواء تلك المتعلقة بالعلوم الإنسانية أو العلوم العلمية أو التكنولوجية، يعني أنني أنشد نشيدي الخاص من دون أي مستمع على الإطلاق. وفي هذه الحال يتحول المعجبون إلى مشفقين ومتسامحين. إذ كيف يكون المنتج المثقف منتجاً إذا استثنى من أبحاثه وإنتاجه ما يتصل بالسياسة ومترتباتها في هذه المجتمعات. لم يدع ياسين إلى هذا الفصل الحاد طبعاً. لكنني لمحت في دعوته وفي تعقيب صالح عليه، أنه لا يريد أن يلغي الاهتمام بشؤون السياسة وشجونها، لكنه على الأرجح يريد أن يجعل مرجعه خارج نطاق سلطانها. وهذا لعمري اقتراح وجيه، لكنه ايضاً يحتاج إلى بعض تدقيق قد يكون مجاله اوسع في مرة مقبلة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق