تعقيبا على بكر صدقي: الدستور في خدمة الحجاب

كتب السيد بكر صدقي في موقع “الأوان” مقالا بعنوان “الدستور والحجاب” ختمه بطلب صريح من حزب السلطة في تركيا، حزب العدالة والتنمية، أن ينتبه إلى” انزلاق السجال السياسي من النقاش حول الدستور، إلى فتح ملف الحجاب،” كي لا ” يخاطر بإدخال تركيا في توتر جديد”.

مقال السيد بكر صدقي هذا صدر بين حادثتين: الأولى هي قيام حزب السلطة وحكومته بإلغاء الحظر على الحجاب في أصناف من المؤسسات العامة، والثانية هي عزمه إدراج حرية حمل الحجاب في تلك المؤسسات في بنود الدستور الجديد. كيف يرغب السيد بكر صدقي في هذا الظرف بالذات غلق ملف الحجاب وإسكات الحوار حوله؟ هل إن السعي من أجل حل الإشكاليات الفكرية والحقوقية المتعلقة بموضوع الحجاب لم يبق له من داع أو مبرر بموجب الانتصار السياسي لحزب العدالة والتنمية؟

إن نية الحكومة التركية إدراج مسألة الحجاب في الدستور الجديد تؤكد بالعكس ضرورة وفائدة الحوار الحر حول جميع إشكالياته:

هل أن ارتداء الحجاب، وإن كان حقا من حقوق الإنسان، لا يمثل علامة سياسية أو طائفية قد يكون لها الأثر السيئ عندما يقع توظيفه من طرف الإسلام السياسي؟

هل أن هذا الحق مطلق وعابر للمكان والزمان: لا يتقيد بشروط المهنة والمكان الذي تعمل فيه المرأة ولا بإيتيقا مراكز البحث والدراسة والتعليم ولا يتكيف بنتائج الحوار والاتفاق الوطني؟

هل أن ارتداء الحجاب يمثل ممارسة دينية للإيمان الحر أم يمثل تقليدا وعلامة من علامات الإيمان الطقوسي الذي ينشره الإسلام السياسي بفرعيه الرسمي والمعارض؟

هل أن النص القرآني، وهو وحده الذي يستحق الاعتبار في هذا الموضوع، قد دعا حقا المرأة لتغطية الرأس أم أنه لم يطلب منها سوى ستر فرجها وما تحمله من متاع الزينة ؟

لا يحتوي مقال السيد بكر على أي حديث حول هذه التساؤلات والإشكاليات لكنه يقدم لنا مقررات أخرى.

فهو يقول مثلا حول المنع السابق لحمل الحجاب: “والحق أنآلاف الفتيات تضررن من الحظر المذكور، فحرمن حقهن في التحصيل العلمي، في الوقت الذييزعم فيه العلمانيون المتشددون أنهم من أنصار المساواة بين الجنسين وتحررالمرأة… ليس مفهوماً كيف يمكن أن تتحرر المرأة بحرمانها من دخول الجامعة”.

هنا أيضا أسأل السيد بكر: هل أن حرمان المتحجبة من دخول الجامعة ناتج فقط عن وجود القانون المانع لحمل الحجاب في المؤسسات الجامعية أم هو ناتج أيضا عن تفضيلها للانقطاع عن الدراسة على نزع الحجاب داخل المؤسسة الجامعية؟ إن كان من حق السيد بكر صدقي أن يعتبر القانون السابق منافيا لمقتضى العدل فهل يجوز له أن يتغافل عن مسؤولية الفتاة التي تقبل بمغادرة الجامعة في سبيل الانصياع لتأويل فقهي صادر منذ القرون الوسطى ومتخصص بضروراتها ومميزاتها، ولا تقبل بترك الحجاب لمدة ساعات في اليوم من أجل التحصيل العلمي؟ وما هو رأيه فيمن جعلوا من ارتداء الحجاب فريضة دينية، أليست لهم مسؤولية في انقطاع تلك الفتيات عن الدراسة؟

بل أقول أيضا أن هاته الفتاة، ضحية الدعاية الأصولية للإسلام السياسي، قد خسرت حريتها ووعيها وإيمانها الحر قبل أن تخسر مقعدها في الجامعة. وأقول أيضا أن خسارتها الأولى هي التي دفعتها إلى خسارتها اللاحقة. كما أقول أن خسارَتها لإيمانها الحر وانصياعَها لأوامر الفقه القديم وأمرائه المعاصرين قد تدفعها إلى المزيد من الخسائر…

مآسي وضحايا كثيرة من هذا النوع ينبغي أن نتذكرها أيضا: المرأة التي ترفض فحص طبيب ذكر لأن الأصوليين أوصوها بذلك، وأخرى تترك الطبيب وتبحث عمن يدفع العين ويضرب المحجم… وأب يزوج ابنته منذ سن الطفولة وآخر يطلّق زوجته بالقسم، وتلك الفتيات اللاتي افتقدن حُجبهن حين داهمهن الحريق في مدرستهن فترددن في الخروج خوفا من ميليشيا الحسبة في السعودية إلى أن أكلتهن النيران…أما عن اللذين يفجّرون أنفسهم في مسجد أو في سوق أو حافلة فلا أظن مآلهم أقل مأساوية من الفتاة التي تغادر الجامعة، بل إن تلك المأساة بداية لهذه ومن نفس الإرادة المأزومة ومن نفس المنبع الإيحائي للأصولية الإسلامية التي تبقى هي المسؤولة الأولى.

لم يدخل الكاتب في جوهر الموضوع لكنه يواصل حديثة في الهوامش: ” وإذا كان هدف من قرروا حظر الحجاب في الجامعات، إرغام النساء على خلعه، فقد بينت التجربة العملية أن عدد المحجبات قد ازداد”.

هذا الكلام على هامش الموضوع لا يُقنع في شيء: فالذي يعنينا هو معرفة الهدف الحقيقي لمن قرروا حظر الحجاب قبل اهتمامنا بفشل الهدف المزعوم لهم (إرغام النساء على خلع الحجاب) .

قد يكون هدف من قرروا حظر الحجاب هو المحافظة على المشهد الحضاري والعصري في تركيا لفترة حكمهم وهذا ما حققوه بالفعل.

قد لا يقلقهم، في المدى البعيد، أن تسقط تركيا في النمط الشرقي فتقترب من المشهد الباكستاني أو تعيش المشهد الأفغاني أو الصومالي.

قد يكونون محكومين بإرادة دولية، أميركية أو أوروبية تريد لتركيا، أيضا الارتداد الحضاري حتى لا تلتحق بمركبة البلدان المتقدمة القادرة على المزاحمة في المجال الاقتصادي والعلمي والتقني.

وقد تكون الإدارة الأميركية هي التي تسعى بواسطة الإسلام السياسي إلى منع وحدة أوروبا وإرباك استقرارها وأمنها مثلما فعلت في محيط روسيا والصين.

أما أن يقال أنه لا توجد على الرقعة أمامنا إلا الحكومة التركية العلمانية التي تريد إرغام النساء على خلع الحجاب فهذا قول هامشي وخاطئ.

يواصل كاتب المقال الحديث حول مستقبل تركيا ودور حزب “العدالة والتنمية” لكنه ينسى الخوض في عاملين هامين، أولهما سياسي وهو المتمثل في دور الولايات المتحدة الأميركية في التخطيط لمستقبل تركيا، أما الثاني فهو العامل الثقافي المتمثل خاصة بالتراث الإسلامي.

يلاحظ القارئ بسهولة غياب هذين العنصرين من الكلام الختامي الذي حوصل به الكاتب حديثَه حول مستقبل بلاده:
” ليست لدى ماردين (المفكر التركي) مخاوف من “حزب العدالة والتنمية” بحد ذاته، بل من “ضغط المجتمع المحلي” ذي الطابع المحافظ، أي الإسلامي، على حزب السلطة، الأمر الذي قد يشكل انقلاباً على سياساته الليبرالية وغير المتصادمة مع الطابع العلماني للنظام. يذكر بهذا الصدد بأن وسائل الإعلام العلمانية تسعى لاتهام النخبة القيادية في حزب السلطة بالعلاقة مع جماعة فتح الله غولن، وهذا مرشد لطريقة إسلامية هي الأكثر نفوذاً في ميدانها، يعيش في الولايات المتحدة، ولديه الكثير من المريدين في تركيا. وعلى الرغم من اعتدال غولن في أفكاره الإسلامية، وعدم تدخله المباشر في السياسة، يخشى العلمانيون من نفوذه الواسع وعلاقته المفترضة مع قيادات حزب أردوغان.”

لا وجود في كل الفقرة كما في كل المقال لأي إحالة على دور ممكن للولايات المتحدة أو أوروبا في التخطيط لمستقبل تركيا رغم طابع العولمة والتدخل الواضح لتلك القوى العظمى في كل أنحاء العالم، كما أن دور التراث الإسلامي قد اختفى أيضا وراء عبارة ” ضغط المجتمع المحلي ” رغم ما نراه من سطوة التراث الإسلامي، المشوَّه في الشكل الأصولي، على المجال الإعلامي داخل العالم الإسلامي.

إن كانت جمهورية أتاتورك هي المتسببة في وجود حزب إسلامي لم يقطع بعد مع العلمانية والحضارة هو حزب العدالة والتنمية، فإنه ينبغي الانتباه إلى أن الأحزاب الدينية الإسلامية في بقية البلدان الإسلامية هي التي قد تتغلب في النهاية فتأخذه إلى حظيرتها حيث العداء المبدئي للعلمانية وحيث تأخذ الطقوس والتقليد مكان العقلانية والحكمة والإصلاح الديني وحيث يُسخَّر الدستور في خدمة حجاب أو “فولار” لم ترغب فيه الأرض ولا السماء.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق