تعقيبا على جاد الكريم الجباعي: مخالب الصورة في “مملكة الشيطان”

أثناء قراءتي لـ”مملكة الشيطان” سيطرت على مخيلتي صورة/مأساة، لم أستطع التخلص منها، أو تهذيبها أو تشذيب تفرعاتها التي تحوّلت إلى مشانق للفكر والتفكر، وآلات همجية لطحن بذور وعي وطني قائم على القانون والحريات.. والمدنية بمعناها الأوسع.

الوعي الشقي خلق صورة لماض “مجيد” وحاضر مهزوم ومغيّب عن الكون والكونية، ومستقبل مفتوح على الجحيم. الوعي الشقي شيّد مملكة الشيطان في ظل غياب العقل والعقلانية، الوطن والمواطنة، مملكة شمولية الأبعاد والسلوكيات والأهداف..

ومازلت عالقاً بين مخالب تلك الصورة/المأساة.. هل يمكن أن يكون للصورة مخالب؟ وهل يمكن أن تحوّل الصورة المرء إلى طائر صغير وقد أنشب عقاب كاسر مخالبه في جسده الذياعتاد “واهماً أو حقيقياً” على الطيران؟

يبدو أن للصورة/المشهد، مخالب.. حين تتحول الصورة إلى لحظة تنوير حادة، أو مكاشفة تحت ضوء باهر وساطع لا لبس في المكان أو الزمان- في الوعي، الفهم، الإدراك.

مملكة الشيطان، النظام الشمولي، الحزب الحاكم، القائد الواحد الأحد، المُلهم والتاريخي.. وبالمقابل رعاع غفير وغفور يمتد إلى الأفق.. نتاج ثورات وثورانات، جهاد ومجاهدة، إعلاء اسم الإله الجبار وفاتحة ثورة الفقراء وبعث الأمة!!

مملكة الشيطان، بما تعنيه من نظام أحادي اللون والإحساس والطعم والنظر والسمع والشم ، نظام قطع صلته بالفكر والأخلاق، واستند إلى الدين الوضعي (المشايخ والملالي والفقهاء والمفتين والمجاهدين والمقاومين ووعّاظ السلاطين ونجوم القنوات الفضائية) هو بأكثر صوره إجلاء (تجريداً وتجسيداً في آن): عصابة خارجة عن القانون، استطاعت السيطرة على البلاد والعباد، يقودها قرصان بعين واحدة، يخطف ويعتقل ويقتل ويخوزق كما يرغب ويستمتع، يُفقر ويُؤخر ويجمّد ويُعهّر كما يحلو له.. أليس هو القائد التاريخي، الملهم، “الجبار-المنتقم والرزاق- العادل” في آن؟
الصورة تنشب مخالبها في جسد الطائر بعيداً..

والطائر يغويه أن مملكة الشيطان هي “نظام” أيضاً!

ألم يحتقر أفلاطون “الديمقراطية” وجموع الجماهير ويعلي من شأن الأرستقراطية؟!

ألم يكن سقراط أول ضحايا انتصار أثينا الديمقراطية باعتباره مصدر الفلسفة الأرستقراطية البغيضة؟!

أليس صحيحاً أن إدارة الدولة مسألة تحتاج إلى أفكار أعظم العقول وأحسنها إذ كيف يمكن إنقاذ مجتمع أو جعله قوياً إلا إذا تولى أمر هذا المجتمع أحكم رجاله وأعقلهم ـ الأوليغاركية؟!

هو إغواء “النظام” باعتبار أن وضع السلطة في يد رجل واحد (أقلية مستبدة) يؤدي إلى السلام وتوطيد الأمن وتوحيد الصفوف في الدولة.. خصوصاً في عالم يعيش صداماً وصراعاً بين حضاراته من جهة، وصراعاً عرقياً ودينياً وطائفياً في الداخل العربي والإسلامي من جهة ثانية!

أليس للأمن والسلامة مع القبضة الحديدية لحزب حاكم إغواء يستحق التوقف عنده؟!

مع ذلك ظلت مشهدية العصابة التي احتلت المجتمع عن بكرة أبيه بكل فعالياته المدنية من سياسة واقتصاد وثقافة واجتماع.. تسيطر على مخيلتي ولم أستطع الخروج من حدود الصورة..

يخطر لي سبينوزا، ذلك المتشرد العظيم والفيلسوف المنبوذ حين يفنّد فكرة الأمن والسلام في ظل سلطة استبدادية فيقول: “إذا كانت الوحشية والعبودية والخضوع تدعى سلاماً فليس أتعس للناس من هذا السلام. ولا شك أن النزاع بين الآباء والأبناء أشد وأكثر من النزاع بين السادة والعبيد. ومع ذلك فليس في صالح الأسرة أن يتحول حق الأب في إدارتها وتوجيهها إلى امتلاكها ومعاملة أولاده معاملة العبيد. ومن هنا يتضح أن وضع السلطة كلها في يد رجل واحد يؤدي إلى العبودية لا إلى السلام”.

وليس غريباً أن يخطر لي هنا ما يسمى بالعراق الجديد، عراق ما بعد صدام حسين، فالأخير كان “سوبر ديكتاتور” وفي رقبته مئات الآلاف من ضحايا حروبه الخارجية والداخلية، إلا أن العراق- (الوطن)، كان واحداً موحداً، يتمتع بالهيبة الإقليمية والدولية.. ولطالما راهن القوميون العرب على أنه قلعة العروبة وبوابتها الشرقية الصامدة..

ومع هزيمة صدام حسين أمام الغزو الأميركي هزم كذلك العراق، هُزمت الهيبة العالمية للعراقيين وهُزمت قلعة العروبة وتحطمت بوابتها الشرقية .. واستبيحت من الفرنج والفرس والترك معاً!

ألا يمثل عراق صدام حسين إغواء للطائر الذي شردّته الهزيمة وبطشت بأحلامه حروب الجهل والتخلف والذبح من الشريان إلى الشريان.. وتحولت حكومته وبرلمانه وثقافته وشارعه وكل ما يلوح له من صور المستقبل والمصير، إلى عمائم سوداء وبيضاء وخناجر تزيّن العقول والصدور؟

ألم يقل سبينوزا أيضاً ـ في معرض انتقاده للديمقراطية الشعبية ـ “أن الشعب قد ينتخب أكثر الناس بلاهة وبلادة، لا لشيء إلا لمقدرتهم على تملّق الشعب ومداهنته، وأن الجماهير تسوقها العواطف وتحكمها الأهواء لا العقل. وهكذا تصبح الحكومات الديمقراطية في يد المشعوذين والدجالين والمنافقين الذين يسايرون أهواء الشعب، وهذا سيؤدي إلى اشمئزاز أصحاب المواهب والقدر والذكاء وبالتالي الابتعاد عن ترشيح أنفسهم في انتخابات تضعهم تحت حكم من هم أقل منهم مقدرة ً وخبرةً وذكاءً”.

أليس عراق ما بعد صدام حسين محكوما من المشعوذين والدجالين والمنافقين؟!

ومع ذلك فقد ظلّت مملكة الشيطان التي يحكمها وعي شقي تمثل عصابة خارجة عن القانون رغماً عن الأمن والأمان وسندويش الفول والفلافل..

لقد قال أدونيس شيئاً أقرب إلى الرؤية في عراق ما قبل صدام وبعده، وربما في الأمة الحاضرة بأذهان أصحاب المشاريع السياسية القومية والإسلامية: “لننظر إلى أحوال العراق، تمثيلاً لا حصرًا: إنها تؤكد لنا أن تاريخنا السياسي– الديني لا يزال المكانَ الأكثر تحريضاً على اقتتالنا وتفتتنا، والأكثر مدعاة لضياعنا.

إنه تاريخ يحجب عنَّا الحاضرَ وحقائقه ومقتضياته. وليس حَجْبُ الحاضر إلا طريقة لحَجْب المُستقبل”.

ألم يتحدث فرانسيس بيكون عن وعينا الشقي الحالي منذ أكثر من خمسة قرون خلت.. حين تحدث عن أوهام العقل الأربع: وهم القبيلة ووهم الكهف ووهم السوق ووهم المسرح؟

أليست مرآة فرانسيس بيكون ذات المستويات المختلفة هي نفسها المرآة “القبلية” التي ينظربها العقل العربي والإسلامي اليوم إلى العالم.. فتتضخم الرؤية سرطانياً على أحد سطوحها في حين تبتعد نحو قعر سحيق في جانب آخر.. فترى عيناً أكبر من المرآة ذاتها، وأذناً أصغر من أن ترى بالعين المجردة.. أليست مرآة بيكون هي نفسها المرآة التي تستخدمها الأحزاب القومية والشيوعية والإسلامية اليوم في النظر إلى الواقع والتاريخ بحيث يصبح لدينا واقعان مختلفان إلى حدود التناقض: واقع في الرأس وواقع عياني؟

أليست هذه الأحزاب والقوى نفسها تعاني من أوهام الكهف حسب بيكون أيضاً، بمعنى أن لكل منها كهفها الخاص، الكهف الذي يعمل على حرف أضواء الواقع وتغيير لونه.. الكهف المظلم بشكل عام، إلا أن تسربا صغيرا لضوء آت من مكان ما يترك ظلالاً على الجدران، أشكالاً موجودة في المخيلة والرأس عن العالم الحقيقي والملموس.. ظلالاً تمثل ضلالاً للوعي والفهم والإدراك بوصفها جزءا لا يمثل الكل، أو مشوه عن الكل، جزءا غير شريف وغير بريء من الحقيقة التي تتحول إلى أدلوجة .. ومن ثم إلى مقصلة؟

هل نتحدث عن أوهام السوق عند بيكون أيضاً؟ وعن لغة الوفاق والنفاق، والتأتأة والمأماة والثغاء التي ملأت سوق الحياة الفكرية والسياسية في العالم العربي والإسلامي ، وبما تعنيه هذه الحياة من منظمات وتنظيمات رسمية وغير رسمية ، ومن رعاة ورعاع؟ أم نتحدث عن أوهام “المسرح”: نظريات مقطوعة عن المكان والزمان و(قوانين) البراهين والأدلة الخاطئة، اختلاط المقدس بالوضعي، والنص بالمصلحة التكتيكية، ولا فرق هنا بين “الأوثان” المختلفة والمتخالفة ، الأممية ـ الثورة العالمية أو الأمة ذات الرسالة الخالدة أو الإسلام هو الحل.. إنها أوهام المسرح و”القريحة” والاجتهاد وإلهامات القادة التاريخيين، التي تروجها الثقافة الجماهيرية ـ السلطانية، ثقافة العدم، الإيديولوجية المغلقة والحقائق الناجزة التي صاغها مثقفون، ثم أممّها القادة والسادة والأمراء وأعادت أقلامهم وألسنتهم وكعوب أحذيتهم بناءها على صورهم وأمثلتهم، فأتت على ما كان فيها من عناصر عقلية وأخلاقية، وأفرغتها من أي مضمون. ومثقفوها، كالسلاطين، بلا عقل وبلا قلب وبلا ضمير، لأنهم ليسوا أكثر من أبواق السلاطين وصناجاتهم وببغاواتهم. فالثقافة الجماهيرية تُستنفَد في وظيفتها فحسب، أعني في قيادة الجماهير إلى مراعي الفردوس الاشتراكية وزرائب “النضال في سبيل أهداف الأمة العربية، في الوحدة والحرية والاشتراكية، وإلى مسالخها”. على حد قول جاد الكريم الجباعي.

الصورة تنشب مخالبها عميقاً داخل وعي الطائر وتنفتح الرؤية على آخرها:كل نظام شمولي، مستبد حكماً، هو نظام خارج عن القانون بوصف الأخير مصدر الحريات والديمقراطية والصالح العام..

ألا يشكل الانتقال من الوثنية وتعدد الآلهة إلى عبادة الإله الواحد ما يشبه انتقال أثينا الديمقراطية إلى عبوديتها تحت حكم إسبرطة الشمولي؟!

وألا يشكل نوم أوروبا تحت حكم الكنيسة لألف عام كاملة أشد العصور ظلامية في تاريخ القارة البيضاء؟!

ألا يستحق تساؤل سبينوزا كأي مواطن دستوري في هذا العالم التوقف عنده حين قال:” لو جعلنا الأعمال وحدها أساس المقاضاة والمرافعة وتدخل القانون، وأطلقنا الحرية للكلام والنقد، لكنا بذلك جرّدنا الثورة من جميع مبرراتها ومسوغاتها؟!

فكلما قلّت رقابة الدولة على العقل، ازداد المواطن والدولة صلاحاً.. لقد قدّم أدونيس مفارقة هامة فيما يخص “الوعي الشقي ومملكة الشيطان” حين قارن بين غيفارا وغاندي :

“غيفارا: عصبة، طبقة، فئة، طليعة، الخ، تمارس العنف.

غاندي: الشعب كله، في تنوع فئاته ووحدتها، مسلَّحًا بالسلام والانفتاح على الآخر.

ومع أننا، ثقافةً وممارسة، أقرب إلى غيفارا منَّا إلى غاندي، فإنني ممَّن يقولون: لسنا في حاجة إلى غيفارا؛ نحن في حاجة إلى غاندي.

لقد أثبتتِ التجربةُ أن مثال غيفارا كان طريقًا ملكية لتهديم طاقاتنا، لتخريب حياتنا، لتبديد ثرواتنا، لفشلنا، ولتشويه وجودنا وحضورنا في العالم.

إن للحرية، هي كذلك، سلاحَها.

لكنْ، منذ أن يلبس هذا السلاحُ رداءَ العنف، ينقلب إلى عدو للحرية نفسها: يصبح نوعًا من العدوان على الذات والآخر، معًا.

لا سلاح للحرية إلا الحرية – إلا السلام”.

“الوعي الشقي ومملكة الشيطان” أكثر من مقال وأبعد من مشهدية فلسفية، إنه أحد إشراقات مفكر كبير… مع كل الامتنان والشكر لجاد الكريم الجباعي على “الصورة” التي تنشب مخالبها في الوعي والفكر والإدراك والفهم وتحوّله من الرؤية عبر الأدلوجة- الأكذوبة إلى الرؤية عبر الواقع العياني.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق