تعقيبا على سلوى الشرفي: بين ثقافة الانتظار وعقدة الاختبار، نحن على عجل…

وأنا استرسل مراوحة بين سطور مقالك (توظيف الدين في الدهس والرفس)عن حادثة “ستار أكاديمي” وبين تدافع بعض الانفعالات وانفلات الذاكرة عندما نجد أنفسنا أمام نص يستفزنا أي يحفزنا للإفصاح عن المخزون والمقموع فينا، استوقفني ما ورد من إشارة إلى “أسلوب التذنيب” كخطاب للاستقطاب اليوم لدى الإسلاميين، وما يحققه، والحقيقة تواجه ولا تقال فقط، من “نجاح” بمعنى اختراق وإقناع للذين سئموا الاختبار واستسلموا للانتظار؟

وبغض النظر عما تحيلنا عليه “ظاهرة ستار أكاديمي” من سخط ورفض لثقافة الاستلاب والتمييع والتدجين وغيرها من النعوت دون أن تستمد مرجعيتها من القاموس الأخلاقوي، بل أساسا مما تفترضه فكرة المواطنة كمقولة فلسفية سياسية حديثة تستند على جملة من الثوابت أهمها تمكين المواطنين من المشاركة في الشأن العام إدارة وتصورا وخيارا. إن مواصلة التعامل مع مواطنينا في البلدان العربية على أنهم “قصر” لم ينضجوا بعد، وإنهم غير قادرين على التمييز بين الأشياء وبالتالي غير قادرين على الاختيار والتصرف طالما لم يترشدوا، مما يعني أنهم يحتاجون إلى حلول أولي الأمر منهم مكانهم لإدارة شؤون الدنيا والدين، لا يمكنها إلا أن تنتج ظواهر مماثلة و”حالات” شبيهة من الغيبوبة العامة والمعممة مع سابقية الإضمار والترصد.

إن ما يلفت الانتباه أن ثقافة مبنية على مكونات تعتمد نظرية “الحلول” و”الولاية” أي الإقصاء الظرفي لعدم القدرة، وان كانت في المنطق القانوني تعني التجاوز المعرقل الآني لحفظ المصلحة عاجلا أساسا، فإنها في ثقافتنا السياسية والدينية تعني الاستيلاء والمصادرة إلى ما لانهاية. ففي القانون قد لا يتمكن القاصر من عقد اتفاقات تنقص مثلا من ذمته المالية بالتفويت والبيع مثلا إلا بواسطة وليه الشرعي والمقدم عليه وتحت رقابة القضاء. غير إن هذا القاصر عند البلوغ له أن يبعثر زيادة ونقصانا كما يتبدى له. فهو في نظر القانون راشد وبالتالي مسؤول إلا إذا أصابه عته أو جنون.

أما في ثقافتنا الدينة، فان ثقافة الطاعة لأولي الأمر والمشائخ والكبار إلا ما شكل معصية، ومقياسها يحددون شروطه طبعا مسبقا، تفترض فينا أن نستغني عن كل مجهود في هذه المجالات ونحيله بالتالي لهم لأنهم الأقدر والأكثر معرفة ودراية وتفرغا. سائلين الله لهم السلامة و المكافأة على هذا المجهود والفناء في خدمة الصالح العام بما يفترضه من توظيف لأمور الدنيا تحصيلا لسعادة الآخرة. وطبعا أمام ثقافة نكران الذات توجد ثقافة الاعتراف وثقافة الاعتراف تفترض ثقافة التسامح والصفح إن زلت بهم قدم، فهم بشر والبشر شأنهم معقد ومركب وبالتالي الخطأ وارد والتراجع والتصحيح مندوب والمحاسبة منبوذة لأنها من اختصاص الخالق أو من فوضهم لذلك، وهي لا تجوز إلا إذا ما كانت تعّرض أو تمس بالمقدس فعندها لا يمكن في الأمر تفويض أو انتظار بل القصاص ولا شيء غير القصاص في التو وفي الحين.

تم إن ما ينصب علينا خلال قائم حياتنا من مصاعب وهنات، هو من قبيل الاختبار لصبرنا وجلدنا وإيماننا نجازى عليه لاحقا ونكافؤ عليه بأحسن ما يكون. ثقافة مبنية على تأجيل التنفيذ والترغيب والترهيب والمنع والردع لا يمكن إلا أن تنتج فينا نوعا من الخوف والرهبة وعدم القدرة على صنع اللحظة واختراق الحاجز وبالتالي امتلاك المصير…خصوصا أنه علينا أن لا نيأس ولا نقنط من “روح الله” فهو يجازي الصابرين ويأتينا من الإعجاز ما يبهت له الكافرون.

هذه “الضوابط” القيمية والفكرية والثقافية والنفسية، عندما تقنن بقوانين وضعية، تصبح جدار صد أمام أي عملية “اختراق” مضاد. فهي تصنع نوعا من “الحصانة” وترسم جدارا منيعا لا يأتيه الاختراق لا من خلفه ولا من أمامه و لا من بين يديه. و تسحب نفس الميكانيزمات على آليات التعامل السياسي وإدارة الشأن العام، بل تعفن بتقنيات إضافية من استبداد واستهتار وفساد وانحراف بالسلطة وتوظيف لها في سبيل تأبيد وضع متعفن ومهترئ تنتعش فيه للأسف الغيبيات والنظريات الاتكالية والسلوكيات الانتظارية حتى ينتهي “الاختبار” وتحل ساعة “المحاسبة”، والتي تبقى دائما في دائرة “الاختصاص الممكن المحجوز”، أي الذي يعد من قبيل الاختصاص الانفرادي الموكول لجهة معينة ومحددة بذاتها ولا من قبيل الحق الجماعي المشترك والمقتسم وفق فهم معين لقواعد العيش الجماعي وتقاسم الأدوار و المسؤوليات.

ماذا بقي لنا إذن كأشباه مواطنين نسعى لأن نتحول إلى مشروع مواطنة في دول حديثة تتغلغل في قيم الحداثة والنهوض والتطور في أشكاله المختلفة، مبنية على نظرية التعاقد في الإدارة والمشاركة دون سطو على بعض تقنيات هذه النظرية وما توفره من آليات “حلول و تفويض ووكالة” و دون أن تفرغ من محتواها وتتحول إلى أشكال لمصادرة كل حق في المشاركة والمساهمة والتفعيل والإنضاج والتوعية؟

لنا خياران: إما أن ننتظر ساعة الحساب ورفع الحجاب ونؤمّن لذواتنا ما عجزنا على تأمينه في الحياة الدنيا أو أن نتعجل الأمر ونستقدم ساعة الحساب بما يعنيه من وجع وألم وأشياء أخرى لا أخالك تجهلينها. حقيقة، ثقافة الاسترخاء على شاكلة ستار أكاديمي تغازلني لكن ليس بالعمر مكان…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق