تعقيب على تعقيبين أو ثلاثة: الفردية تحت شمس رقابة ناقصة

على صفحة هذا الموقع، نقاشات ثرية سواء بين ياسين الحاج صالح وصالح بشير وبلال خبيز، أو بين ياسين الحاج صالح وأبي يعرب المرزوقي، ولئن كان موضوع المثقف والفردية طاغياً في النقاش الأول، في حين تناول الثاني تمريناً ذهنياً اقترحه الحاج صالح حول بناء الدولة على أساس العلمانية أو الأحكام الإسلامية، فإنني أحسب أن هنالك جذراً مشتركاً متقاطعاً في النقاشين، ينطلق من التصور الذي يعتمده كل منهم للتكوين المجتمعي، فئات أم أفراد.

لحسن الحظ، تغني روابط الانترنت عن التلخيص، إلا أن العادات الذهنية تفرض على الكاتب بعضاً منه بالحد الأدنى الذي يغفل بالتالي الكثير من الأفكار. يمكن إذن التذكير بأن الحاج صالح اقترح علاقة تشطر الدولة كي تتضمن في داخلها إقليما ذاتي الحكم، إسلامياً إذا كانت الدولة علمانية أو بالعكس. ورأى في نهاية تمرينه أن الناس سيفرون من المنطقة الإسلامية إلى المنطقة العلمانية فرار الألمان الشرقيين إلى ألمانيا الغربية. وهو ما رد عليه أبو يعرب المرزوقي مستشهداً بآية من القرآن تفيد بأن لكل جعلنا شرعة ومنهاجاً، ولا يمنع من تطبيق شرعات ومناهج مختلفة متفاوتة في الوقت عينه على شعب واحد. طبعاً يظل أن نفهم كيف يكون الظالمون من لا يحكمون بما أنزل الله! إلا إن كان ما أنزله ليس موحداً!

ما يعنينا من النقاش هو ملاحظة أن رهان الحاج صالح قائم على افتراض فردية في أشخاص “الهاربين”، لأنهم يهربون أفراداً، لا جماعات، بحثاً عن حرياتهم وراحتهم، وهو ما لا يثير في الأعم الأغلب حركات شعبية كبرى، لا سيما إذا كان مقصودها الفرار!

بالمقابل، لا ينظر أبو يعرب المرزوقي إلى “الشعب” إلا مكوناً من فئات، تكاد تتقطع سبل الانتقال بينها، إلا إن يكن “هداية” إلى الدين القويم الذي عليه الفئة الناجية. وهو حين يقول بتعدد الشرائع والمناهج المطبقة لا يترك للأفراد حرية اختيارها، بل ربما لا يعدو الإشارة إلى قواعد الذمية موسعة لتشمل العلمانيين!

أي أن الخلاف قبل أن يكون مسألة تنافر التعددية في الأحكام على شعب واحد، أو إمكانية تزامنها، هو خلاف في النظرة إلى هذا الشعب بوصفه مكوناً من ذرات أولى هي أفراد لدى أحدهما، وجماعات لدى الآخر. وكما أن تغيير الفرد لانتمائه لا ينزع عنه هذه الصفة، فإن الجماعة لا يمكن أيضا أن تتغير جوهراً لأنها ليست إلا كناية عن جوهر يتجاوزها ولا يطاله التغيير، ذاك أنه ليس إلا فكرة مجردة.

في هذا الإطار أيضاً ينبغي فهم الالتباس في نقاشهما حول الحرية. إذ لم يزعم الحاج صالح أن الدولة العلمانية هي دولة الحرية المطلقة كما فهم المرزوقي الذي قرر، محقاً، بأن الدولة الدينية مثل الدولة العلمانية تغصان بالتقنينات والتشريعات الملزمة. لكن الفارق الذي يجعل من دولة العلمانية موئلاً للحرية يكمن في أن الحد من الحريات نابع من اختيارات “دنيوية” أو “شعبية” أو حتى “سلطوية”، يمكن تغييرها وتحريكها إن لم يكن هنالك من قبول بها، أما الدولة الدينية فتدعي خلود قواعدها واستقرارها إلى أبد الآبدين شاء من شاء وغُسِل دماغ من أبى إلى أن يقبل أو يموت. لكن تغيير تشريعات الدول الديمقراطية العلمانية، أو فرضها، ينطلقان أساساً من مصالح أفراد معينين ولو انضووا في مجموعات ضغط.

هذا يقودنا إلى النقاش الثاني، أي بين بشير والحاج صالح وخبيز، ومحوره العميق هو فكرة الفردية وإمكان إنتاج أفراد حقاً في المجتمعات. فما دامت الديمقراطية العلمانية في حاجة إلى تكوين مجموعات ضغط فهل يعني ذلك أننا مجدداً أمام نظرة تقسم المجتمع إلى فئات أو طوائف (حتى بالمعنى اللاديني كطوائف الحرفيين)؟

نقرر أولاً ونقر بأن لا مجال لممارسة ديمقراطية من دون تنظيم يجمع الناس على أساس مصالحهم. غير أن الفارق الأساس بين هذه النظرة الديمقراطية وبين النظرة الدينية، حتى المتطورة وفقاً لرؤية المرزوقي، يكمن في تنوع مصالح كل فرد، فقد يكون شاباً وعاطلاً عن العمل ومثلياً ومحباً لاستهلاك سلع خارجية معينة ووريثاً منتظراً لثروة ودارساً للحقوق في آن واحد، فينتمي تالياً على الأقل إلى ست مجموعات ضغط مختلفة إذا ما أراد، ويكون معنياً على الأقل بمصالح ست فئات مختلفة متنوعة ولا تختزل رغم تعددها المجتمع كله. الفارق الثاني هو طبعاً في تغير المصالح، فقد يتحول الشاب كهلاً، ومن وريث إلى ثري، ومن مطالب بفتح نقابة الحقوق أمام الشبان إلى مطالب بإغلاق أبوابها حذراً من المنافسة… الخ. أي أن الانتماء إلى فئات موضوعية، وإلى جماعات ضغط متى شاء، هو انتماء مؤقت دائماً ومتغير حكماً، ومتعلق في مطلق الأحوال بظروف الفرد وأيضاً بخياراته.

ونلاحظ ثانياً ارتباط فكرة مجموعات الضغط بفكرة القانون. إذ أن هدف المجموعة هو تحقيق مطالب ملموسة، وهو ما يتطلب إسدال العباءة القانونية عليها لأنها العباءة الوحيدة التي يمكن للدولة تنفيذ رسومها وتطبيقها. لكن هنالك بعض التبسيط في الزعم بأن القانون، في لحظته الآنية، هو ما يفرض تقسيم الناس إلى مجموعات ضغط أو إلى فئات ذات مصالح موضوعية في لحظة معينة.

في الواقع، يتعامل القانون تعاملاً ثنائي الاتجاه مزدوجاً مع “المواطن”. فالمواطنة مفهوم يتضمن فكرة العلاقة المباشرة بين الدولة والفرد، فسيادة الدولة تكون حصيلة سيادات المواطنين الذين هم في نهاية الأمر من حصّل أجزاء السيادة المتناثرة من رأس الحاكم الإلهي المقطوعة، وليس العكس. كما أن القوام السياسي للدولة، في مفهومها الديمقراطي، لا ينبع من تحكم قوى الأمر الواقع بسلطة على الآخرين، بل ينبع من اختيار كل فرد، في معزل (حرفياً) عن كل آخر، لطرق السياسة وممثليه فيها. لكن المواطن الفرد في مواجهة آخرين لا يستطيع من دون الحشد والضغط ومجموعاته فرض رؤيته أو بعضها على التوجهات العامة لسياسة دولته.

بالمقابل، إذا كان القانون يتناول الفرد أيضاً بصفته فرداً في المجال الجزائي، حتى لدى تكوين شبكة جرمية إذ يحاكم أفرادها فرداً فرداً دون انتظار القبض على الجميع، فإنه، في المجالات الأخرى، يتوسط بينه وبين المواطن الفرد أجساماً اجتماعية، من مؤسسات وتنظيمات، يتناوله بواسطتها أو من خلال منظورها. من هنا تأتي نقابات الحرف والمهن، وتقسيمات الوظائف أو التجار والقطاعات. فما يطبق على المحامي، أي المنتمي إلى جسد اجتماعي هو النقابة، غير ما يطبق على المهندس أو الطبيب، المنتميان أيضاً إلى أجساد اجتماعية هي نقابتاهما، والحال الضريبية للتاجر مختلفة عن الصناعي أو الموظف… الخ.

قد يكون من السهل الرد على تأكيد خبيز بأن الفردية ليست إلا يوتوبيا الحداثة بالقول إن الانتماء القسري إلى مجموعات بات شديد الندرة، فهو يرتبط إما بالسخرة المسماة خدمة العلم أو التجنيد الإجباري، أو بحالات الكوارث التي تصنف المنكوب فوراً في خانة المنكوبين وجماعتهم. في ما عدا ذلك فإن الانتماء يحمل في طياته صفة الفردية وحرية الاختيار. لكن هذا الرد المستعجل لا يعفي من نقاش عمق الفكرة التي تحسب أن الفردية لا تكون إلا بغياب الفرد عن شاشة كل سلطة مراقبة. لمثل هذا القول نتيجة تؤكد استحالة أن يكون أي مثقف فرداً، لأن المثقف من حيث اختصاصه في أيما حقل يخضع لتقاليد هذا الحقل واختبارات الدخول إليه والفوز بصفة الاختصاص فيه.

في تعريف خبيز للفرد إقرار باستحالة فعلية، وليس حتى بإمكانية نظرية، وإن تحول المرء إلى طيف كسالنجر الذي لا يزال حتماً يدفع الضرائب، لقيام أي فرد وأي فردية. لكن التعريف نفسه يمكن قلبه. الفردية لا تكون إلا بحضور المرء على شاشة السلطة المراقبة، شريطة أن تكون السلطة هذه واحدة من كثر، وأن يحضر المرء على شاشات أخرى أيضاً ويغيب عن غيرها.

المقصود أن تعدد الأجسام الاجتماعية، ولكل منها سلطة رقابتها، لا ينبغي أن يغطي كامل مساحة المجتمع. هنالك دوماً فائض في حسابات الديمقراطية، والتعامل مع هذا الفائض هو في الواقع ما يحدد ديمقراطية السلطة أو شموليتها.

النموذج اللبناني مثال لدولة تدعي الديمقراطية والانتخابات، لكنها شمولية العمق، رغم ضعفها عن تطبيق نزعاتها الشمولية. ذلك أنها حين تقسم الشعب إلى فئات تسع عشرة لا تترك فائضاً، أي أن خريطتها بحجم البلد نفسه، بحسب قصة بورخيس. الدولة الدينية أيضاً لا يسعها إلا أن تكون دولة دون فائض في داخلها، يخلخل الموازين ويدفع دائماً نحو نتائج غير محسوبة سلفاً.

أي إن تجزيء الحداثة نفس المرء، على ما أشار صالح بشير، إنما هو في الصلب من ارتباط الحرية بالديمقراطية، فلا تستنفد الثانية نفسه في الأجسام الاجتماعية التي ترسمها، ولا يستنفد هوى أو معتقد حريته، كما لا يستنفد اختصاص في مجال معين وصفَه أو حركته.

إذا كانت معجزة الإغريق تكمن في التنافس بين أحرار، على حد قول دولوز، فإن هذا التنافس كان موزعاً على مجالات شديدة التنوع، ما بين السياسة والمعارف والخطابة والفنون والعشق، بحيث كان الحر من لا يُكره على مزاولتها جميعاً. وربما كان المثقف الذي نحلم بأن يوجد في ظهرانينا مثيله هو تحديداً ذاك الذي يختار مجالات صمته.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق