تعقيب على تعقيب بكر صدقي: تحقيب تاريخي بلا تاريخ

ليس خبرا أن تستفز “بعض” مقالات كاتب ما عقل قارئ على التفكير أو “تشعل حماسته إلى المناقشة”. ما قد يكون خبرا هو الحالتان القصويان: “كل” المقالات تستفز وتشعل، أو أن لا يستفز “أي” منها. فإذا شعر صديقي بكر صدقي، رغم ذلك، أن عليه أن يعلن أن “أثمن” ما في “بعض” مقالاتي أنها تستفز عقلا وتشعل حماسة..، فإن من غير المرجح أن يكون محركه إلى ذلك هو الإخبار. غير أن هذا التعقيب لن يقف عند تجاذب التثمين والتبعيض وتصارعهما، وسيهتم بالأحرى بجوانب “منهجية” من تعقيب بكر.


تقرر الفكرة الرئيسية في “الحقبة المفتوحة على الخارج”، عنوان تعقيب بكر، على مقالي “نظرات أولى في أطوار التاريخ السياسي والإيديولوجي المشرقي المعاصر”، أن التاريخ المعاصر لمنطقتنا المشرقية واقع تحت تأثير “العامل الخارجي”. وهو تاليا حقبة واحدة متواصلة، قد تكون فيها مفاصل مثل 1991 و2001، لكن الفرق بين طور وآخر يرتد إلى تعاظم دور العامل الخارجي. هذا يجعل التحقيب المحلي غير ممكن، ويحث على التفكير بتحقيب كوني. وهذا هو كل ما يقوله بكر. لا يدلي بشيء عن التحقيب الكوني المقترح أو كيفية تمفصل التاريخ المحلي معه، وما قد يحوزه هذا من استقلال نسبي تتيح دراسته أو قول شيء ما عنه. ولا يوضح ما إذا كان تحقيب غير كوني لتاريخ المشرق غير صحيح وغير مشروع بإطلاق، أو أنه محدود الصلاحية فحسب. الواقع أن صيغه توحي بالموقف الأول، فما كنت سميته المرحلة القومية الاشتراكية يرده بكر إلى الحرب الباردة دون مزيد توضيح، ويرد الطور الثاني، الإسلامي الديمقراطي إلى اصطناع مني، ويكاد يقول الشيء نفسه عن الطور الثالث. ولا نعدو الإنصاف إن لخصت “تحقيب” بكر الكوني كالتالي: أيام الحرب الباردة كان دور “العامل الخارجي” كبيرا، بعد نهايتها صار دوره عظيما، وبعد 2001 صار دوره أعظم. أين التاريخ إذن؟ وهل يبقى معنى لأي تحقيب، كونيا كان أم غير كوني، إذا تلاشى التاريخ على يد “عامل خارجي” خالد ومتعال على الأزمنة؟ وإذا كانت المعرفة بالفروق، فهل يبقي إعدام الفروق بهذه الطريقة على رمق حياة للمعرفة المنتظرة؟

يقرر بكر أيضا أني تجنبت تحقيبا كونيا، لأنه “كان من شأنه أن يزعج التحقيب المقترح لموضوع المقالة”، مقالتي. فيما عدا أني لم أتبين تحقيبا من أي نوع في تعقيبه، فإني أجد مثيرا يقينه بحيازته النسخة السليمة للواقع، وإيحاءه بأني تجنبتها لأنها “تزعج” تحقيبي، ما قد يعني أني ربما أكون لمحتها ثم تكتمت عليها. ويلوح لي أن حكمه الظني هذا يصدر عن آلية ذهنية تميز مذاهب اليقين: يعرضون أقوال الغير على ما لديهم من “علم”، كامل تعريفا، فيجدون الأقوال تلك ناقصة، بداهة. وسيكون من المفهوم إذن أن تكون الحقبة الثانية في مقالي الأصلي “باهتة ومصطنعة إلى حد كبير”. لكن لماذا قد اصطنع حقبة، باهتة فوق ذلك؟ ربما لأني لا أملك التحقيب “الطبيعي” والصحيح الذي يضع بكر يده عليه. وسيكون من المفهوم أيضا استحسان شيء ما في مقالي: بكر يتفضل بالإقرار أن في جزء من مقالي “استشرافات (..) أراها صحيحة”، لكن ليس قبل أن يشخص “معاناة” الجزء ذاته من المقال من “عسر بين”.
***

يبني بكر مقالته على فكرة مجردة (“العالم الخارجي”.. إلخ)، مصاغة فوق ذلك بطريقة متصلبة تجعل الدفاع عنها متعذرا. يسهل الرد بأن “الخارج” لا يؤثر بالطريقة نفسها وبالقوة نفسها في كل وقت وفي جميع بلدان المنطقة المعنية ومستويات انتظامها الاجتماعي. هناك بلدان ليس لها داخل اليوم (العراق، فلسطين، لبنان..) وبعضها أكثر تماسكا، وتأثير “الخارج” عليها تتوسطه بنيتها السياسية والاجتماعية والأمنية الداخلية… هذا دون أن نقول إن الخارج خوارج، والداخل دواخل، تتفاوت انفتاحا بين السياسة والاقتصاد والثقافة والدين.. وأن “العامل الداخلي” يحوز درجة من الاستقلال الذاتي..، بما يكفي لضمان شرعية تحقيب داخلي. لكن الكلام على استقلال ذاتي أو نسبي للداخل عن الخارج (كما مثلا “للبنية الفوقية” عن “البنية التحتية”) مغموس في تصور نظرية تفسيرية كلية، تطرح كل الأسئلة الصحيحة وتحتكر تقديم الإجابات الصحيحة عنها. هذا شيء أضحى غريبا على الذائقة الفكرية لعصرنا. وربما متأثرا بما بعد الحداثة، أميل بالأحرى إلى تفضيل تنويع لا نهائي لمقارباتنا، ما قد يمنحنا معرفة أكثر غنى بشروط حياتنا وأحوالنا. للمثقف هنا دور مبادر ومنشئ، وليس مجرد وكيل عن حقيقة مكنونة في عقل ما أو نظرية ما.

على أني أريد أن أجادل في فكرة بكر الرئيسية ذاتها. هل صحيح إن تاريخنا المعاصر موسوم بحضور متجانس “للعامل الخارجي”؟ بداية، بلى، “الشرق الأوسط”، والمشرق منه، نظام إقليمي يتميز بتدويل عميق وتأسيسي. لقد تكوّن كحل لـ”المسألة الشرقية” في نهاية الحرب العالمية الأولى، وأخذ تدويله من ثم شكل التقاسم الاستعماري المباشر، وشكاوى العرب والأكراد من اتفاقية سايكس بيكو، والعرب من وعد بلفور، أشهر من أن نستعيدها هنا. ثم إنه كان للبترول الذي اكتشف تجاريا في العراق في عام 1928 دور لا مجال للمبالغة فيه في التدويل. فالمراكز الغربية المحتلة وقتها لبلادنا هي ذاتها مراكز الصناعة والاقتصاد الرأسمالي العطشى للبترول. ثم تأسست إسرائيل كحل لـ”المسألة اليهودية” وهي مسألة أوروبية أساسا، وكعرَض متأخر من أعراض “المسألة الشرقية”. لكن في هذا الوقت، وعلى خلفية الحرب الباردة بالذات أخذت تصعد الحركة القومية العربية وعملت على تشكيل نظام عربي منافس للنظام الشرق أوسطي، أي على تغليب التفاعلات العربية، السياسية والأمنية والاستراتيجية والعاطفية..، على التفاعلات الشرق أوسطية التي تقوم على مرجعية الغرب في التفاعل بين دول المنطقة وشرعية إسرائيل والسيطرة على البترول.

بعبارة أخرى ليست العلاقة بين حقبة الحرب الباردة أو نصفها الأول، وبين النظام العربي، بالخصوص بين 1956 و1967 من نوع علاقة جوهر بمظهر. إنها أكثر تناقضا. فقد أخذ تشكل داخل عربي، ما سمي وقتها بـ “الوطن العربي” تفاؤلا، بينما تراجع تأثير”العوامل الخارجية”، وهو ما تجلى اقتصاديا في تأميم مصالح غربية متنوعة من أبرزها قناة السويس، وإخلاء قواعد عسكرية متعددة، ومقاومة سياسة التحالفات الغربية (مشاريع الدفاع عن “الشرق الأوسط” في الخمسينات…)، واجتماعيا وسياسيا في دخول قطاعات أوسع من الناس حقل السياسة الوطنية. تلقت عمليات بناء داخل عربي مستقل ضربة قاصمة عام 1967، وظهرت الولايات المتحدة قوة شرق أوسطية مباشرة، وتلى زمن الدكتاتوريات التي تعكس تضيق الداخل الوطني في بلدانها، والحروب الأهلية التي تعني تفجر هذا الداخل تماما..إلخ. يمكن المجادلة في كل ذلك، لكن فكرة ثابتة عن “عامل خارجي” متماثل مع ذاته متعال على تعاقب الأزمنة، لا تفيد حتى في المجادلة.
***

كذلك قاد تثبت بكر على فكرته عن “العامل الخارجي” إلى عدم الانتباه إلى عنوان مقالي “نظرات أولى في أطوار التاريخ السياسي والإيديولوجي المشرقي المعاصر”. فهو إعلان عما أريد قوله، وفيه السؤال الذي أريد الإجابة عليه. تعتمد المقالة معيارا مزدوجا للتحقيب: السمة السياسية الأبرز للزمن المعني (تجنبت عمدا تعبير “مرحلة” لما فيه من شحنة “تاريخانية”، وهو ما لا ينجو منه تعبير “طور” الذي استخدمته في العنوان..) والفكرة الحاضرة أو المهيمنة فيها. وأرجو القارئ أن يعود إلى المقال لأنه ممثل بشح شديد في تعقيب بكر. وكنت أظن أن أفضل ما في مقالي هو الزمن الثاني الذي تبدى لحقبة بكر “المفتوحة على الخارج” “باهتا ومصطنعا”. فهو يظهر مشتركا “إبستمولوجيا” بين الديمقراطيين والإسلاميين في النظرة إلى المجتمع، فوق اشتراكهما بالانشغال بمسألة الدولة وباستقلال متفاوت لقاعدتيهما الاجتماعيتين. ومن الطبيعي أني قلت القليل عن الزمن الثالث، هذا الذي بدأ في 2001 أو 2003، والذي خمنت أنه سينشغل بتدعيم الدول القائمة عمليا وربما بقضايا الإصلاح الديني والعلمانية نظريا. ليس هذا “عسرا بينا” إلا من وجهة نظر يأتمر اليسر البين بأمرها. وبخصوص هذه الحقبة الثالثة أجد تساؤل بكر: “حقبة فكر؟ ليتها كذلك وحسب”، ساذجا وخطابيا. لقد أشرت إلى تكوينات ما دون الدولة، وقلت شيئا عن تخلخل الدول القائمة ومخاطر تداعيها، هذا حتى دون أن أحيل إلى كتابات أخرى لي حول الطائفية والتفجرات الأهلية المحتملة. فلا معنى إذن أن ينسب لي تصور أن ربع القرن القادم حقبة فكر “وحسب”. وواضح أن الجملة التي ختمت بها المقال، “إنه زمن لتحرر الفكر…” جملة معيارية وليست وصفية أو تحليلية، جملة تندب إلى الاهتمام بالفكر، وبالخصوص في شؤون الدين ونقد الدين وإصلاح الدين. لكني بالفعل خمنت أن “موضع سر” المرحلة الثالثة ربما يكون الفكر، بعد مكان المجتمع في الثانية، والدولة في الأولى. ثم إني لا أرى تعارضا بأن تكون العقود القليلة القادمة عقودا كارثية سياسيا واجتماعيا وعقود تفتح وتحرر فكري، بل أجد ذلك مرجحا فعلا.

ومن الغريب أن التداعيات التي أثارتها كلمة “فكر” في ذهن بكر تتصل بفتاوى دينية “جريئة”. ما كنت أفكر فيه بالأحرى يتصل بمقاربات نقدية بدرجات متفاوتة للدين الإسلامي كدين، وكذلك علاقاته بالسياسة والقانون والمجتمع والعالم المعاصر. ويبدو لي إن غفلة بكر عن البعد الإيديولوجي في تحقيبي كما سأقول للتو، وانصراف ذهنه إلى فتاوى عن الكلام على “فكر”، يحيلان إلى حدود معرفته بالنقاش الفكري والسياسي العربي، في أزمنة سابقة كما اليوم.

اهتمت مقالتي بالبعد الإيديولوجي في تاريخنا المعاصر. أية أفكار تظهر وتصعد وتتراجع، فيزيد أو يتدنى مردودها النظري والعملي والتعبوي؟ هذا عنصر في التاريخ السياسي والفكري لا مجال لإغفاله إلا إذا كنا نعتقد أنه يكفي القول إن “العوامل الخارجية” حاسمة الدور. بيد أن هذا يغلق باب المعرفة بدل أن يفتحه. وإنما لذلك أبرزت صعود المقاربات والتنظيمات الماركسية في المرحلة القومية الاشتراكية، وصعود الشعارات والبرامج الديمقراطية في الربع الأخير من القرن العشرين، وخمنت أن العقدين القادمين ربما تشغل الاهتمام فيهما المسألة الدينية.

كذلك تبدو لي أحكام بكر ذاتية حين يقرر أن “الإسلام السياسي لم يتحول إلى “موضوع الساعة”” في المرحلة التي حددتُ مطالعها بأواسط السبعينات. أو حين يسوق دعما لحكمه هذا أن الحركات تلك اعتبرت “مشكلة أمنية وإجرائية” فحسب للسلطات ولنخب ثقافية. هذا لا يبرهن على شيء. وعقد الثمانينات بالذات هو عقد فورة نشطة للإسلاميين أطلق عليها اسم “الصحوة الإسلامية”، وواكبها أدب غزير، عربي وغربي، حول الصحوة المفترضة والحركات الإسلامية، وقضايا حافة بها كالتراث والهوية. وإن شاء المرء تحقيبا فرعيا هنا فقد يجعل من عام 1979 بداية الزمن الإسلامي، عاما تتواقت فيه الثورة الإيرانية والغزو السوفياتي لأفغانستان وانطلاق “الجهاد” الإسلامي ضده، فضلا عن “مجزرة المدفعية” في سورية واحتلال الحرم في السعودية من قبل جماعة جهيمان العتيبي. وفي الوقت نفسها تقريبا هيمنت الفكرة الديمقراطية في أوساط المثقفين وقطاعات مهمة من الناشطين السياسيين، وعقدت حول قضايا الديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان مؤتمرات وندوات، وصدرت كتب ومجلات وفيرة بشأنهما. لكن “موضع سر” هذا الطور ليس في الدولة كما كان في المرحلة الأولى، القومية الاشتراكية، بل بالأحرى في “المجتمع” كما قلت في المقالة. وقد يكون تركز تفكير بكر على “العامل الخارجي”، واقتصاره على البعد الاستراتيجي والسياسي لهذا العامل، منعاه من تقبل حقبة لا يتمركز تصورها حول السلطة وعلاقاتها. بل إن عبارات مثل “موضوع الساعة” و”مالئ الدنيا وشاغل الناس” (في سياق الكلام “الخطاب الديمقراطي”) توحي أن بكر يجعل من وسائل الإعلام معيارا في تمييز ما هو مهم وما هو ليس كذلك. وتاليا تبدأ المرحلة الديمقراطية إما بنهاية الحرب الباردة أو بعام 2001، والإسلامية بهذا العام الأخير حتما.
في الختام لا أفهم كيف يعترض بكر على فكرة استحالة التغيير من الداخل بينما هو يتولى إعدام الداخل نظريا في مقالته. ما ينسجم أكثر مع منطق ومنطوق مقاربته هو أن التغيير لا يأتي إلا من الخارج بدرجة تناسب ما قرره للخارج من دور غالب في “رسم مصائرنا المستقبلية”. أرى الطرح كله صوريا ومصطنعا، لكني هنا ألزم بكر بمنطقه هو. فإذا أصر على أن التغيير ممكن من الداخل، بل مجرد أن يقر للداخل بدور في التغيير، فإنه يفتح ثغرة واسعة في حجته الرئيسية، وثغرة لا تبيح النظر إلى تاريخنا من وجهة نظر مبادرات الداخل، المتعثرة كثيرا أو قليلا، بل وتندب إليه. وهذا يجعل الاعتراض على تحقيبات محلية، لكن تعي معاييرها، نافلا وغير ذي موضوع؛ وهذا سواء كان ثمة تحقيبات كونية فعلا مبنية على إدراك بكونية التاريخ وتشابكه وتركيبه واندراج التواريخ المحلية في تاريخ عالمي أوسع، أو كانت التحقيبات الكونية هذه محض فراغات خطابية على غرار ما هي في تعقيب بكر.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This