تعقيب على تعقيب زهير الشرفي: حضر الحجاب والغرب وغاب الدستور والديموقراطية

قرأت تعقيب السيد الشرفي (تعقيبا على بكر صدقي: الدستور في خدمة الحجاب ) مرتين متتاليتين، في محاولة لفهم “لغته”، عنيت المنطق الذي ينظم خطابه، وأعترف بأنني وجدت صعوبة في ذلك، ربما بسبب تجنبه بلورة فكرة متماسكة عما يأخذه على مقالتي مما يعدّه أخطاء. لكن الثابت أن السيد الشرفي لديه هواجس غير محددة من عاملين أو خطرين، هما الولايات المتحدة، ومن ورائها الغرب؛ والإسلام السياسي. وإذا كانت هواجسه بصدد الخطر الأول غائمة تماماً، كالقول بأن الولايات المتحدة والغرب “يخططان لمستقبل تركيا”، فإن مشكلته مع الإسلام السياسي أكثر وضوحاً. وحتى لا نبتعد كثيراً عن موضوع المقال والتعقيب، سنكتفي بالقول إن السيد الشرفي يحمّل هذا الإسلام السياسي مسؤولية حرمان الفتيات المحجبات من التحصيل العلمي، بدلاً من الدولة التركية، فضلاً عن تحميله المسؤولية للفتاة نفسها، التي فضلت، برأيه، التمسك بالحجاب على حقها في التعليم.

الفكرة الرئيسية، هنا، هي: من يملك الدولة ومؤسساتها، ويقرر ما هي الفئات التي من حقها الاستفادة منها، ومن هم المنبوذون الذين يجب حرمانهم منها. الجواب على هذا السؤال محسوم، منذ قيام الجمهورية التركية، من وجهة نظر الطبقة الحاكمة التي وجدنا أفضل تحديد لها لدى المفكر الماركسي التركي باسكن أوران، في تسمية تلك الطبقة بـ”لاهاسوموت” وهي الأحرف الأولى من (التركي المسلم السني الحنفي العلماني). ويسميها آخرون بالأتراك البيض، وهو توصيف شائع في الرأي العام التركي يحيل إلى التمييز العنصري. أستغرب أن السيد الشرفي لم يقرأ في مقالتي تحليل المفكر شريف ماردين للصراع السياسي في تركيا بين المركز والمحيط، وهو تنويع آخر على الفكرة نفسها: ثمة طبقة تدعي ملكيتها الحصرية للدولة وتعد نفسها وصية على المجتمع، تحدد له قيمه، وتقرر له المسموحات والمحظورات، هي بيروقراطية عسكرية – مدنية تركية مسلمة سنية حنفية الانتماء علمانية العقيدة. هذه الطبقة، ككل طبقة حاكمة، ليست “منذورة لتحقيق غاية التاريخ” كما يمكن لها أن تزعم في خطابها الإيديولوجي، بقدر ما هي تجسيد لمصالح دنيوية. ومثله “الإسلام السياسي” في تركيا (وأضعه بين مزدوجين لأن هذا المفهوم لا يعبر بدقة عن الظاهرة الإسلامية في تركيا) الذي يعبّر أيضاً عن مصالح اجتماعية مهمشة في النظام السياسي القائم. هذا هو، إذن، الأمر الجوهري الذي بتغييبه لا يمكن فهم المشهد السياسي التركي. أما إزاحة النقاش إلى الحجاب أو الصراع بين الإيديولوجيات، فلا يفيد غير في حجب المشكلات الحقيقية.

أنطلق، في تحديد انحيازاتي، من أن الجامعات التركية بنيت ويتم تمويلها من جيب دافع الضرائب التركي، الذي لا يقتصر على العلمانيين والسافرات؛ ومن حق المحجبات والملتحين الاستفادة من خدماتها التعليمية، مثلهم مثل زملائهم “العصريين”، ما دام هذا الفريق أو ذاك لا يعمل على فرض قيمه على الفريق الآخر، في الملبس أو السلوك. من الواضح أن السيد الشرفي الذي أخذ عليّ تغييبي لعاملين جوهريين في رأيه (الغرب والتراث الإسلامي المشوّه أصولياً، وفقاً لتعبيره) لا يهتم بهذه الفكرة، فلم نعثر في تعقيبه، بالمقابل، على كلمة الديموقراطية، مرة واحدة، ناهيك عن إزاحته جانباً للنقاش الحاد والصاخب معاً الجاري اليوم في تركيا حول استبدال الدستور النافذ الذي وضعه انقلابيو 12 سبتمبر 1980، بدستور مدني.

ليس معنى هذا أن النقاش حول الحجاب ليس هاماً، بل فقط أن فتح هذا الملف في تركيا اليوم، له وظيفة سياسية، يقف وراءه فاعلون سياسيون ومصالح اجتماعية. وقد انتقدت حزب العدالة والتنمية الحاكم لاختياره السياق (النص الدستوري) والتوقيت (الإعداد لمسودة دستور جديد، والأيام الأولى من حكم الحكومة الجديدة) غير المناسبين لفتح النقاش حول الحجاب، لأنه أعطى خصومه، بذلك، المبادرة لتمييع النقاش حول الدستور، ودفع الجو السياسي إلى التوتر مجدداً، بعد أن بددته أجواء ما بعد الانتخابات النيابية الأخيرة وانتخاب عبد الله غل لرئاسة الجمهورية.

الواقع أنه ثمة مشكلة حقيقية حول موضوع الحجاب، يحددها كل فريق، في الصراع السياسي في تركيا اليوم، بطريقة مختلفة: فأنصار الإيديولوجيا الكمالية (وهي مزيج من علمانية ونزعة قومية متشددتين وتقديس للدولة) يرون في إلغاء حظر الحجاب في الجامعات أو المؤسسات الرسمية عموماً، تهديداً للقيم العلمانية، وخطوة نحو تحويل تركيا إلى دولة إسلامية معتدلة، الأمر الذي يحقق، في رأيهم، الرغبة الأميركية في العثور على إسلام معتدل مقابل الإسلام المتشدد. أما حزب العدالة والتنمية الحاكم، والقوى الداعمة له، وهي من مشارب مختلفة بما فيها تيارات علمانية ديموقراطية (أبرزها تيار الجمهورية الثانية)، فيريان المشكلة من منظور الغبن اللاحق بالمحجبات ممن حرمن من حقهن في التحصيل العلمي، وضرورة حل هذه المشكلة من منظور إعادة الحق لأصحابه، بغض النظر عن رأيهم في الحجاب سلباً أو إيجاباً. ثمة، في تركيا، بطبيعة الحال، تيارات إسلام سياسي تنظر إلى المسألة من منظار رمزية الحجاب، وسوف ترى في رفع الحظر عنه في الجامعات انتصاراً لقيمها وأهدافها السياسية على العلمانية. هذه التيارات هي خارج حزب العدالة والتنمية، وهي قوى هامشية لا تتمتع بنفوذ كبير، وقد حصل أبرز تمثيلاتها السياسية الشرعية، حزب السعادة الذي يقوده رجائي كوتان، ويدين بالولاء للأب الروحي للإسلام السياسي التركي نجم الدين أربكان، في الانتخابات النيابية الأخيرة على نسبة 2.6في المئة من أصوات الناخبين ولم يدخل البرلمان. هذه الملاحظة تقودنا إلى التساؤل عما هو حزب العدالة والتنمية، ما هي هويته الإيديولوجية، وأية مصالح اجتماعية يمثل؟

الحق أن ظاهرة حزب العدالة والتنمية قد حيّرت المراقبين داخل تركيا وخارجها، ويتفق الكثير من المراقبين الأتراك من خارج الحزب على أنه حزب بلا هوية، وربما يعاني من أزمة هوية. لقد ولد هذا الحزب على أنقاض حزب الرفاه الإسلامي بقيادة نجم الدين أربكان الذي حظرت السلطة نشاطه. وفي المؤتمر العام الذي عقد في العام 2001، انشق إلى حزبين: العدالة والتنمية بقيادة الثنائي أردوغان وغل اللذين يمثلان التيار المعتدل والمنفتح؛ والسعادة بقيادة كوتان المدعوم من أربكان الذي حافظ على الهوية التقليدية للحزب. النواة المؤسسة للحزب الجديد، إذن، هي من مدرسة أربكان الإسلامية. من جهة أخرى حدد الحزب هويته بعبارة “الديموقراطية المحافظة” أي سعى إلى جمع الديموقراطية السياسية إلى إيديولوجيا محافظة (إسلامية) وفي ذهنه نموذج الديموقراطية المسيحية في أوروبا. أما من جهة التمثيل الاجتماعي، فقد سعى الحزب إلى استقطاب شرائح وطبقات متنوعة تتراوح بين سكان أحياء البؤس الهامشية في المدن الكبرى، والطبقة الرأسمالية الجديدة في مدن وبلدات الأناضول، التي نمت في العقدين الأخيرين، بعيداً عن مراكز النفوذ في الدولة وامتيازاتها. وكان لافتاً في الانتخابات الأخيرة أن الحزب تمكن أيضاً من استقطاب أصوات الناخب الكردي في جنوب شرقي البلاد، متغلباً بذلك على الحزب الذي يطمح إلى التمثيل السياسي لأكراد تركيا (حزب المجتمع الديموقراطي)؛ كما دعمته قوى ومنظمات من المجتمع المدني التي لا تتعاطى السياسة بصورة مباشرة، فضلاً عن تيار من المثقفين الليبراليين، يطلق عليهم تيار الجمهورية الثانية، لعبوا دوراً مؤثراً في ارتفاع التصويت لصالح الحزب الحاكم إلى نسبة 47 في المئة.

إن ما دفع هذه الفئات المتنوعة إلى دعم هذا الحزب هو الإجراءات السياسية في فترة حكمه الأولى، والتي تمثلت، اقتصادياً، في خطين: الليبرالية الاقتصادية، أي التخلص التدريجي من دور الدولة الاقتصادي، وتشجيع رأس المال المنفتح على الخارج، في إطار اندفاعه نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؛ والسياسات الاجتماعية، أي العمل على الخفض من الغبن الاجتماعي الواقع على الطبقات الدنيا. هذان وجهان متناقضان للسياسة الاقتصادية، وجه ليبرالي ووجه اشتراكي ديموقراطي، يرى الدكتور إبراهيم كالن بحق، أنه لا يمكن الجمع بينهما إلى النهاية، ولا بد من تغلب أحدهما على الآخر. أما في الجانب السياسي، فقد عمل الحزب أيضاً على القيام بإصلاحات تدريجية على النظام القائم باتجاه أكثر ليبرالية، أي نحو تقليص دور الوصاية العسكرية على الحياة المدنية. في هذا الإطار، علينا أن نقرأ مشروع الحزب الحاكم لتغيير الدستور.

في عودة إلى موضوع الحجاب، يمكن القول إن السيد الشرفي ينطلق من مفهوم يشبه إلى حد كبير مفهوم النخبة الثقافية العثمانية – التركية التي بشّرت، في مفصل القرنين التاسع عشر والعشرين، بعالم “عصري” يسود فيه العلم، وتنتفي فيه الحاجة إلى الدين. وبما أن تحقيق هذه الفكرة يعتمد على “تنوير الشعب”، وبما أن أغلبية الشعب رفضته، كان لا مفر أمام النخبة الثقافية المذكورة، من اللجوء إلى فرض قيمها “العصرية والعلمية” بالقوة، على مثل إعطاء الدواء للطفل المريض بالقوة. لكن التاريخ الواقعي أثبت عدم نجاعة كلا الوسيلتين، التنوير والقوة معاً، وظلت نسبة النساء المحجبات، على سبيل المثال، في تركيا أكثر من ستين في المئة، في العام 2007. بذلك تحدد مصير المشروع التنويري العلماني في أن يبقى خيار نخبة أقلية في المجتمع، وأن تفرض تلك الأقلية قيمها بوسائل استبدادية.

أما أي الخيارين هو “الأصح” أو “الأفضل”، عنيت القيم التقليدية أو الحديثة، فهذا ما يحدده كل شخص لنفسه، السيد الشرفي مثلاً، من أنصار الاحتكام إلى القرآن، في موضوع الحجاب. معنى ذلك أن “الصحيح” أو “الجيد” أو “العصري” مع نقائضها، هي مفاهيم نسبية تخضع لأحكام الزمان والمكان والتفضيلات الشخصية. ثمة، مثلاً، طراز حديث وشائع من التستر النسائي، يقتصر على إخفاء الشعر، ويكشف الوجه المزوّق بأحمر الشفاه والكحل والتظليل، وفي نماذج فرعية منه يكشف العنق وجزءاً من الصدر أيضاً، في حين يغطي بقية الجسم البنطال الضيّق والبلوزة الملتصقة. ترى هل نسمي هذا الطراز عصرياً أم تقليدياً؟ في هذا السياق، ثمة فائدة من الإشارة إلى سبر اجتماعي، نشرت نتائجه في الصحافة التركية الأسبوع الماضي، قامت به مؤسسة A&G التركية، وهي التي أصابت استقصاءات سابقة لها في معرفة نتائج الانتخابات العامة والمحلية، في الأعوام 1999، 2002، 2004، و2007 بدقة عالية. وكان السؤال الرئيس الذي يدور حوله السبر هو: هل يتجه المجتمع التركي إلى مزيد من المحافظة؟ وكان الانطباع العام السائد لدى جميع المراقبين، يجيب على السؤال بالإيجاب، في حين جاءت النتائج معاكسة. فقد سجلت نسبة المحجبات في المجتمع التركي، كمؤشر هام، تراجعاً بمقدار 2.8 في المئة، مقارنة مع العام 2003. ويفسر رئيس المجموعة التي قامت بالسبر هذه النتيجة بالكلمات التالية: “على النقيض من الانطباع السائد، ثمة تراجع في التستر أو التديّن. إن ما يرتفع هو التستّر الظاهر. فثمة ارتفاع في مشاركة وظهور النساء المحجبات في الميدان العام. النساء المحجبات اللواتي اعتدنا على رؤيتهن في وسائل النقل العامة فقط، يخرجن اليوم في سياراتهن الخاصة من أحدث الموديلات للتسوق في الأحياء الراقية. ليس ثمة زيادة في النسبة، بل زيادة في الظهور”. سأضيف هذا التعليق الوجيز: زيادة ظهور النساء المحجبات، يعني اجتذاب أنماط السلوك الحديثة لهن، وهذا “لصالح” الحداثة والعلمانية، لا لصالح المحافظة والتديّن.

يعود موضوع الحجاب، في جذره، إلى أن النخبة العلمانية في تركيا قد فهمت بالحداثة “العصرية”، وهذه تحيل إلى نمط السلوك والملبس أكثر مما تحيل إلى وجوه الحداثة الأكثر أهمية، وهذا ما حوّل، برأيي الحجاب إلى رمز تدور حوله معارك إيديولوجية، أكثر مما فعل الإسلام السياسي. لا أعني بذلك التقليل من أهمية نمط السلوك والملبس، فهما، بمعنى ما، وجه الشخص ويشيان بالكثير من مضمونه. المشكلة هي في اختزال كل من الشخص والحداثة إلى المظهر ونمط السلوك. ليس ثمة ما يمنع أن تبلغ امرأة محجبة أعلى درجات التخصص في العلوم الحديثة، وأن تجمع ذلك مع سلوكها المحافظ، إلا الاستبداد باسم العلمانية الذي يمكن أن يقطع عليها الطريق أمام تحصيلها العلمي، أو الاستبداد الآخر باسم الدين الذي يمنع على المرأة الارتقاء في موقعها الاجتماعي. وإذا تجاوزنا ظاهر النتاقض بين التشددين الديني والعلماني، نحو العمق سنرى أنهما وجهان لعملة واحدة استبدادية، تسعى إلى فرض قيمها على المختلف عنها بالقوة. والحال أن أي تمسك بالعلمانية، بما يتجاوز حياد الدولة نحو مختلف المعتقدات الدينية وغير الدينية، يحولها إلى إيديولوجيا للاستبداد والطائفية معاً. فـ”العلمانيون” الذين تحولوا إلى أقلية داخل مجتمع إسلامي، يسلكون كطائفة تحدد هويتهم ومصالحهم، إزاء الأكثرية؛ وبعدما تخلوا عن الدور التبشيري لأسلافهم، باتوا أكثر حرصاً على الانغلاق وعدم قبول منتسبين جدد في النادي العلماني.

عليّ أن أقول شيئاً عن “الدور الأميركي” أو الغربي المفترض في تعقيب السيد الشرفي. النخبة العلمانية (والأصح طبقة اللاهاسوموت، وفقاً لباسكن أوران) نفسها قام جناحها العسكري بانقلاب العام 1980، تحت شعار أن الإسلام في خطر، وذلك في وجه المد اليساري الصاعد في السبعينيات، وشجع قائدها كنعان إيفرين الظواهر الدينية، وكانت تربطه شخصياً علاقة قوية بأحد قادة الطرق الإسلامية، وأدخل في دستوره، النافذ إلى الآن، مادةً تفرض تدريس الديانة في المدارس (مسودة دستور حزب العدالة والتنمية، التي يدور النقاش حولها اليوم، تجعل، في المقابل، مادة الديانة، في المدارس، اختيارية). وإذ أجهز النظام على اليسار بالبطش، وأكملت عليه تطورات التسعينات بعد سقوط النظام السوفياتي، وصعد بالمقابل نجم الإسلام السياسي في التسعينات، تحول الشعار إلى “العلمانية في خطر”.

إذن لدينا نخبة حاكمة تقضي على التيار الأكثر انسجاماً في علمانيته (اليسار الماركسي) وتشجع التأسلم؛ ثم تصرخ مستنجدة أن العلمانية في خطر. ومعروف أن انقلاب الجنرال إيفرين، وجميع الانقلابات العسكرية في تركيا، قد تم وتمت بمباركة أميركية كاملة، وهل نذكّر بعضوية تركيا في حلف شمالي الأطلسي؟ الجديد الآن أن طبقة اللاهاسوموت إياها تتهم حزب العدالة والتنمية، فعلاً، بالعمالة لأميركا! ومن جهة أخرى، يذهب أركان هذه الطبقة وممثلوها إلى الولايات المتحدة ليحرضوا الإدارة الأميركية على حزب العدالة والتنمية بدعوى أنه “إسلامي”، مستثمرين المناخ السيكولوجي في أميركا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أي مناخ الحرب على الإرهاب، في فهم يربطه بالإسلام. واقع الحال أن حزب العدالة والتنمية لا يخفي انحيازه إلى العولمة، بمعنى الاندماج الأقصى بالاقتصاد العالمي. ومن جهة أخرى، لا يخفى على المراقب فتور العلاقات التركية – الأميركية، منذ العام 2003، على أرضية رفض تركيا المشاركة في غزو العراق. أما الفكرة التي يشيعها ممثلو الطبقة الحاكمة، خاصة في الإعلام، عن خطر تحويل تركيا إلى دولة إسلامية معتدلة، فتعود مرجعيتها إلى تصريحات لريتشارد هولبروك، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق، في شهر أغسطس الماضي، يدعو فيها الإدارة الأميركية إلى تشجيع الإسلام المعتدل، لأنه الوحيد القادر على وقف المد الأصولي، وقد ضرب مثالاً على الإسلام المعتدل، كلاً من ماليزيا، بقيادة مهاتير محمد، وتركيا بقيادة أردوغان.

في عودة أخيرة إلى موضوع الحجاب، لا يوجد في القوانين التركية ما يحظر ارتداء الحجاب، لا في الجامعة ولا خارجها. الحظر المعمول به، يتم بناء على قرار إداري اتخذته الهيئة العليا للتعليم العالي، أي للجامعات، استناداً إلى ما يدعى بثورات أتاتورك (تلك المتعلقة بالملبس العصري) وإلى اجتهادات قضائية في حالات معينة. والهيئة المذكورة تم إنشاؤها، بعد الانقلاب العسكري في 1980، بهدف تأمين سيطرة النظام على الجامعات التي كانت الميدان الأبرز للنشاط السياسي، واليساري منه خاصةً؛ ويعين رئيس الجمهورية أعضاءها؛ وقد وقفت دائماّ إلى جانب النظام ودافعت عنه. وقد شكلت مع الهيئة العليا للقضاء ورئاسة الجمهورية (في عهد أحمد نجدت سيزر) وحزب الشعب الجمهوري والجيش، وعدد من منظمات “المجتمع المدني” (كذا!) التي يقودها جنرالات متقاعدون، أركان “الجبهة العلمانية والمعادية للإمبريالية (!)” في الصراع السياسي في الأشهر الأربعة التي انتهت بانتخابات الثاني والعشرين من يوليو الماضي.

أخيراً ثمة تعليق من قارىء على مقالتي “الدستور والحجاب” وقع باسم “شريف”، يسألني فيه لماذا أنتقد العلمانيين فقط في كتاباتي. الصحيح أنني أنتقد النمط الشائع من العلمانيين، الذين حاولت أعلاه أن أصف جوانب من عقيدتهم، وممارستهم السياسية – الثقافية. واقع الحال أن من يشددون على المكون العلماني في فكرهم، ويعلون من شأن الصراع ضد الإسلام السياسي، على حساب الصراع ضد الاستبداد الحاكم (فقط في السودان يتطابق الاثنان)، هم النموذج الشائع من العلمانيين عندنا، ويكاد هؤلاء يشكلون صورة طبق الأصل عن زملائهم الأتراك، ربما مع فارق مهم، هو أن العلمانيين الأتراك يصدرون عن مصالح محققة يدافعون عنها، في حين أن عشيرتنا العلمانية تصدر عن مخاوف أكثر مما عن مصالح محققة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق