تعقيب على مقالة “نمذجة تاريخية مقترحة للنظم السياسية المشرقية”

يستخدم الأستاذ ياسين الحاج صالح في مقالته المنشورة بموقع “الأوان” معياري الوطنية (الاندماج الوطني) والديمقراطية لبناء نماذج للدول المشرقية يمكن أن تتوزع عليها. تواجه هذه النمذجة مجموعة إشكاليات، أولاها أن أحدها (الديمقراطية الوطنية) هو نموذج افتراضي غير موجود.

أيضا العلاقة بين هذه النماذج غير محددة. هل هي تعاقبية أم متجاورة، فالديكتاتورية الطائفية لحقت الديكتاتورية الوطنية.أما الديمقراطية الطائفية فاختص لبنان بها، دون إن نعرف إن كانت مشروطة بعلاقة ما مع النماذج الأخرى.

الإشكالية الأهم التي تواجه هذه النمذجة هي عدم استغراقها لكافة الدول المشرقية. فليس من الواضح مكان العربية السعودية في هذه النمذجة والمرة التي تذكر فيها يوصف نظام حكمها بالقبلية الدينية، بالرغم من أن إيديولوجيا النظام الحاكم تتقاطع كثيرا مع تعريف الطائفية الذي يسوقه الحاج صالح: انغلاق النخبة. بل هي تستند، أكثر من النظم الأخرى فإنها إلى إيديولوجيا طائفية مصرح عنها، فالسني فوق الشيعي والوهابية (بما تفرضه من تراتبية) إيديولوجيا مشرّعة والتراتبية العشائرية تلعب دورا هاما. لكن على الرغم من هذا فإنها لا تشبه العراق الذي يمثل الديكتاتورية الطائفية في هذه النمذجة.

هذا الإشكال يستند إلى المعنى المزدوج للطائفية، فعلى الرغم من التعريف الواضح للطائفية الذي يقدمه الأستاذ حاج صالح، انغلاق النخبة،إلا إن التعريف ذاك يزيد اللبس أكثر مما يوضحه. فانغلاق النخبة -الحزب الشيوعي- كان سمة مميزة للمجتمعات الاشتراكية السابقة بالقدر الذي كان عليه تقريبا في العراق، وهو لا يرتبط بميزات خارجية (طائفية أو عشائرية). انغلاق النخبة لا يستدعي تلقائيا إيديولوجيا طائفية تبرره وأحيانا يتم على الضد منها. الطائفية في العراق ليست إيديولوجيا رسمية، بل كانت ممنوعة ومدانة علنا، وإن شكلت الأرضية التي عمل من خلالها النظام إلى حد ما في فترته الأخيرة من خلال ضعف الحضور الشيعي (وليس غيابه، فهناك عدد من القادة العسكريين والحزبيين الشيعة) مقابل الحضور السني الطاغي (البعثي حكما).

الإيديولوجيا المشرعة في العراق هي الإيديولوجيا القومية (شرعت تراتبية إثنية) وترتبط بالدولة القوية والدمجية، واستمرت هذه الإيديولوجيا كخطاب شرعية معلن حتى سقوط البعث.

هذا التداخل سبب ازدواج اللغة كما الوعي في الحال العراقية فيما يتعلق بالطائفية والعلمنة، ولكنه بالمقابل لا يعني تماثلا مع الحالة السعودية.
الحالة العراقية تمثل حالة هجينة تختلط (وبشكل مميز في الفترة الأخيرة من عمر النظام) فيها الطائفية مع النومكلاتورا. النخبة البعثية غير منغلقة تماما على أرضية طائفية، وفي الآن ذاتها غير متعلقة بالأرضية العقائدية (التي تؤسس شرعيتها على أساسها) تماما.

هذا التهجين يدفع -ربما- إلى المساواة بين الطائفية (بالمعنى المتداول) وانغلاق النخبة، ودمغ النظام الهجين بالطائفية الكلية. وهو ما يدفع إلى استبعاد نظام طائفي من هذا النموذج، أو عدم الوضوح في آليات اشتغال الطائفية في الحالتين. التهجين سبب لكن هناك سببا لا يقل أهمية وهو الرغبة باشتقاق الطائفية من السياسة كما مارستها النظم المشرقية في فترتها الأخيرة.

اعتبار الوقائع الطائفية (الطوائف) محايدة بذاتها ولا يمكن تحويلها إلى طائفية، إلى طوائف واعية بذاتها، إلا عبر ممارسة النظام السياسية. هذا الاشتقاق ممكن على مستوى النقاش السياسي والنفعي، من حيث الرغبة بإدانة ممارسات سياسية وافتراض حسن النية لدى المجتمع. تحرير المجتمع من السلطة هي الغاية الضمنية لهذا التحليل. لكن بالمقابل فإن الطوائف ليست وقائع محايدة، فالانتماء الطائفي ليس معطى بيولوجيا، بل هو معطى اجتماعي، يحيل إلى الهوية والذاكرة والموقع الاجتماعي. الطائفة حصيلة التاريخ وواقع تقاسم السلطة والثروة.

التمايز السني- الشيعي أقدم من النظام البعثي، والشروط غير المتكافئة اجتماعيا لكل منهما واقعة سابقة على الدولة العراقية الحديثة ورافقتها طيلة مراحل عمرها. المدينة السنية المستغلة للريف الشيعي ( أو الأقلوي في الحالة السورية). كذلك يمكن أن تظهر وقائع طائفية دون أن تكون مقصودة بذاتها كما حصل مع تطور وضع التكارتة في الجيش العراقي في بداياته أو تضعضع الوجود السني في الجيش السوري حتى لحظة الوصول إلى سنة 1963.

الوقائع الطائفية، غير المحايدة، أعادت إنتاج نفسها في بنية السلطة. الريف الأقلوي أمام المدينة السنية. في البدء رأوا أنفسهم كريف (ثوري، اشتراكي، تقدمي…) بمواجهة مدينة (تقليدية، كومبرادورية، رجعية…) وفيما بعد تطورت العلاقة لتأخذ منحى مختلفا، في وقت بدأت بوادر فشل المشروع الذي حملته الثورة والعجز عن تأسيس شرعية جديدة، ليتبلور بوضوح أكبر الوعي الطائفي.

هذه التحولات رافقتها تحولات في الإيديولوجيا المشرّعة. فعراق الملكية اعتمد على ديمقراطية محدودة، طائفية إلى حد ما. ثم إنه إيديولوجيا شعبوية قومية معلنة، لتصبح فيما بعد متضمنة لمعنى طائفي ضمني ولازدواجية في الوعي واللغة.

بالتأكيد لا يمكن إنكار الدور الهام الذي تلعبه الأنظمة في تنشيط الطائفية أو تثبيطها، ولكنها لم تؤسسها ولم تلغها في الآن ذاته. لا يمكن لنا أن نعتبر الوقائع الطائفية وقائع محايدة، وقائع لا تؤثر على الشروط الابتدائية أو لا تفرض حدودا عليا على المنتمين إليها من الصعب عليهم أن يتعدوها.
القسم الثاني من المقالة، مع المجموعة الأخيرة من مقالات الحاج صالح، يمكن اعتبارها كسرا أو مساسا بالمقدس الديمقراطي الحالي.

ففي مقالته السابقة (ديمقراطية، علمانية، أم عقلنة الدولة؟ (الحياة، 8/4/2007) يرى تضاربا بين استخدامات الديمقراطية والعلمانية مع بعضهما وأيضا مع المحتوى التقدمي الذي تحملانه، حيث تنتهي الديمقراطي إلى الدلالة على هيمنة سنية، بينما العلمانية تحيل إلى إقصاء السنة (والعكس للأقليات). طبعا من السهل الإحالة إلى تعريف الديمقراطية والعلمانية وربطهما بالمواطنة ولكن عندها ستبقيان في إطار نظرية لا تراعي واقعها، بقدر ما إن الوعي يجب أن يكون أيضا باستخداماتهما. وهذا ما يتجاوزه الحاج صالح لمقاربة تأخذ الواقع بعين الاعتبار.

لكن هنا تأتي مشكلة الديمقراطية، فالحل الذي يطرحه الحاج صالح هو الحكم الوطني العقلاني. لكن ما الذي يعنيه هذا تماما في مجتمع انحلت فيه الوطنية إلى وطنيات، أما العقلانية وهي “عملية بناء الدولة كسلطة سيادية ممأسسة متعالية على حيثيات الحاكمين وعصبياتهم، ومضادة للامتيازات والاستثناءات التي تنخر الدولة وتجوف الوطنية وتفرغها من مضامينها التحررية والمساواتية”، فإنها لا تحيل إلى القوة التي ستجعلها واقعا معاشا. هذا الحكم الوطني العقلاني ربما ينزلق عندها إلى الديكتاتورية، التي تقوم على عدم أهلية الشعب. لكن الحاج صالح يقطع صراحة مع مثل هذا الاحتمال وبلا لبس. الديكتاتورية قدمت تجربتها وانتهى عهدها والعهد الذي كان من الممكن تشريعها فيه.

على الرغم من الرفض الحاسم، إلا إنه يعود ليفكر بلحظة قصيرة من هذه الديكتاتورية، كإجراء وليس كنظام حكم.

إنها الإجابة ذاتها التي قدمها النهضويون العرب: المستبد المستنير، الذي يؤدي وظيفته التاريخية ويغادر المسرح بهدوء بعدها. ليست الديكتاتورية ما يُدافع عنه، إنما ضرورتها الوظيفية ولزمن قصير. لكن من أين لنا بهذا المستبد المستنير، وما الذي يضمن عدم بقائه بعد استتباب الأمور له؟
ثم على أية عصبية سيقوم هذا الاستبداد المستنيرة الاجرائي؟

أليست العصبية الاجتماعية الحالية، والتي لا نملك غيرها، هي العصبية الطائفية؟

الحاج صالح يفكر بالهيمنة منذ مقالات متعددة ولكن المشكلة انه يتحدث عن مجتمع لا تهيمن عليه إلا الطوائف ولا توجد حتى الآن قوة قادرة على بناء هيمنتها وتأسيس مشروعيتها (وهو يسأل هذه الأسئلة في نهاية مقالة ديمقراطية، علمانية، أم عقلنة الدولة؟) ولهذا ينتهي إلى ما يعترض عليه، أي إغفال الواقع.
اللبس المقصود -أو غير المقصود- يدخل عندها في مجال السياسة، السعي إلى بناء همينة. إن تحليل الطائفية عنده يدخل في هذا الباب، تحليل موضوعي لكنه في الوقت ذاته يسعى إلى تأسيس رواية لها وظيفة سياسية، وستكون عندها مثل أي رواية لها انحيازاتها وتشويهها وما تنساه.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق