تعقيب على ملفّ “الرسوم المسيئة للرسول” “التجربة الدانماركية”.. المسيئة

كانت فكرة التوجّه إلى نخبة من الكتّاب العرب بأسئلة تتّصل بمسألة”الرسوم المسيئة”وخلفياتها وعواقبها وتداعياتها محلّ نقاش في هيئة تحرير” الأوان”. لم يكن ذلك من باب الاستهانة بالمسألة، ولا من باب التعالي الفارغ عن المشاغل اليومية للإنسان العربي بدعوى أنّ الموقع فكريّ لا ينبغي له أن ينفتح على اليوميّ السياسيّ المباشر. كان التردّد لدى بعضنا مبنيّا على تخوف له مبرّراته وشرعيّته : أن المثقّف العربيّ في ما يتعلّق بالتعامل مع الآخر الغربيّ بقي في الغالب الأعمّ سجين رؤية ضيّقة لا تبتعد عن منطق أنّ الآخر يستهدف رموز ثقافتنا وهويّتنا انطلاقا من مركزيّة أروبية تجد جذورها في ما سميّ بالحروب الصليبيّة، وكرسها الاستعمار المباشر، ثم ثبّتها تزامن انبثاق الدّول الحديثة مع تأسيس الكيان الإسرائيلي برعاية وحماية من المستعمر القديم لم تخفيا على أحد.

وإن ابتعدنا عن هذا المنطق بما فيه من إسقاطات، فإنّ العديد منّا لا يستطيع الانفلات من هوس الثنائيّات والمقابلات بما فيها من تعميم مجحف وتسطيح للمفاهيم والمقاربات. والمثقّف العربيّ المتّسم عادة بالعقلانية، المتسلّح بالمناهج والآليات الحديثة كثيرا ما ينكص ـ إذا كان الدّين في قلب الجدل ـ إلى متحدّث باسم الجموع ومبرّر للعنف بأشكاله ومتصدّر لوهم الحفاظ على هويّة مهدّدة. سلوك ملحوظ في صفوف المثقّفين قد لا يكون صادرا على الدّوام من البحث عن “التحام” موهوم بالجماهير وهموم الجماهير، وقد لا يكون صادرا عن فصام ولا عن بحث عن “السّلامة” في زمن صارت المواقف فيه مدفوعة الثّمن بالدّماء على قارعة الطريق ( فرج فوده ـ نجيب محفوظ ـ حسين مروة ـ جورج حاوي ـ تسليمة نسرين، سلمان رشدي..) أو عرضة للمحاكمات والملاحقات الأمنيّة والقضائيّة، بل صادرا عن قناعة وطيدة بأنّ الآخر ـالغربيّ المسيحيّ اليهوديّ تحديداـ يترصّد بنا ويتأبّط كل شرور الدنيا كي يقضي على ما نعتبره خصوصيّات ثقافيّة وحضاريّة لينعم بالسّيطرة على العالم كما يحلو له..

لم أكن متحمّسا لإثارة هذا الموضوع لاعتبارات هذه بعضها، ثمّ لأنّ بعض الأطراف السياسيّة العربيّة، في الحكم أو في المعارضات الدينيّة وحتى العلمانيّة أرادت أن تدلي بدلائها في المسألة من باب المزايدة والتّجييش وإثارة النّعرات وتأبيد مقولة إنّ الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا، ومن باب تدعيم الشّرخ (الذي يعتبره المفكر جورج قرم أسطوريا) بين الشّرق والغرب.. ولأنّ القضيّة شابتها شوائب عدّة، وصارت لدى البعض فرصة لتأكيد “نفاق”الغرب وكساد بضاعته وفسادها : بضاعة تبدأ من حريّة التّعبير ولا تنتهي عند الدّيمقراطية. وكأنّه لا يوجد في “الغرب” من يحترم الأديان، أو كأنّ معارضة الحرب على العراق عندنا أشدّ مما نراه في لندن وواشنطن، أو كأنّ معارضة الاحتلال الصّهيونيّ والتّنديد بجرائمه حكر على أهل دين أو منتمين إلى عرق،أ و كأنّ عربيّا يفجّر نفسه في عاصمة غربيّة أو حتّى في تلّ أبيب أو القدس أكثر خدمة للشعب الفلسطيني من الفتاة الأمريكية ذات الثلاثة والعشرين عاما “راشيل كوري” الّتي ضحّت بحياتها وهي تتصدّى لجرّافة إسرائيلية بجسمها النّحيل الأعزل دفاعا عن بيت فلسطينيّ في مدينة رفح.

جاءت ردود الكتاب لتؤكّد مخاوفي في قسم منها وتخيّبها في قسم آخر. كتّاب عرب لم يقرؤوا سلمان رشدي مثلا، وإن فعلوا ففي ترجمة رديئة، يعتبرون أنّه كاتب من الدرجة العاشرة..

وكتاب عرب ما زالت فكرة المؤامرة في منزلة الحقيقة الراسخة لديهم، يعتبرون أنّ إعادة نشر هذه الرسوم عمل مقصود من قبل جماعات عنصريّة، وكتّاب عرب يتحدّثون عن القادة السّياسيّين لدول غربيّة ـ وهم محلّ احتجاج متزايد من شعوبهم ـ باعتبارهم قادة حضارات تتبنّى القتل والدّمار في العالم. بل إنّ أحد الكتّاب المنافحين عن العلمانيّة يستغرب إعادة نشر الرّسوم الدانمركية وعدم نشر الرّسوم الإيرانيّة، وكأنّ رفضنا للرّسوم الدانماركية مهما كان منطلقه يفترض أن نؤمن بأنّ المحرقة اليهوديّة كذبة أو دعاية من صنع صهاينة ؟؟

إنّ هذا الملفّ المنشور في “الأوان”يحتاج قراءة معمّقة، وبحثا في فهم المثقّف العربيّ الذي يصنّف نفسه في خانة العقلانيّة والعلمانيّة والدّفاع عن قيم الحداثة للتحدّيات المطروحة عليه. والملفّ إلى ذلك إضافة هامّة نجدها في مساهمات مختلفة لعديد الكتاب تحسب للأوان وكتّاب “الأوان” في نضالهم المتواصل من أجل نشر ثقافة الاختلاف. كما أنّ تعدّد الرّؤى والمقاربات وإن جنّح بعضها أو اغترف، إن قليلا أو كثيرا، من مقاربات أبعد ما تكون عن العقلانيّة، فإنّ ذلك في إطار الاختلاف الذي لا بدّ أن ننافح عن الحقّ فيه لأنّه لا تطوّر ولا تقدّم للفكر خارج إطار الجدل والتثاقف والاختلاف.

لا بدّ أن يبقى “الأوان” فضاء للتعبير الحرّ وملتقى للحوار بين كلّ الحريصين على تصالح الفكر العربيّ مع العصر، مع مراعاة الاختلاف بين هؤلاء وتفاوت ما يقدّمونه في هذا المجال. ولا شكّ أنّ ملفّات أخرى هي أجدر ـبحكم الظرفية التاريخية وخصوصياتها ـ بأن تكون مثارا للجدل والحوار من مسألة الرّسوم الدانماركية، وهي في رداءة الشّكل الذي كانت فيه ردود الأفعال عربيّا وإسلاميّا، وفي رداءة المقترحات وخاصّة مسألة نفي المحرقة، لا تتجاوز رداءة شريط عادل إمام “التّجربة الدانماركية” وما شابهُ من ارتجال في النصّ وغياب جمالية في التّصوير وتهريج في التّمثيل…. ونجاح رغم ذلك جماهيريّ.

{{عادل الحاج سالم}}

{هيئة تحرير الأوان}

{{انظر هذا الملف :}}

الحلقة 1 : حميد زناز

الحلقة 2 : محمد صدام، أيمن رمزي نخلة، محمد كوحلال

الحلقة 3 : هاشم صالح، غسان المفلح

الحلقة 4 : حسين عجة، فريد العليبي، عمار ديوب

الحلقة 5 : خالد السليكي، عفاف مطيراوي، عماد يوسف

الحلقة 6 : ميشال شمّاس، إيدير دحماني، محمد نور الله

الحلقة 7 : يوسف محسن، يوسف سلامة، خالد غزال

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق