تعقيب على ياسين الحاج صالح: الحوار والهيمنة

في مقاله “حوار شخصي وصريح مع إسلامي سوري في شؤون الإسلام والحرية والعقل والدولة” (الحلقة 1 والحلقة 2) والمنشور على موقع الأوان تطرق ياسين الحاج صالح إلى قضية شائكة وهامة بالنسبة لنا كسوريين (وكعرب أيضا) وهي الموقف من المرجعية الإسلامية، ومن ثم الموقف من الإسلام السياسي ممثلا وبشكل أساسي بحركة الأخوان المسلمين.

إن النقاط التي أثارها هذا الحوار هي نقاط تلامس هواجس السوريين جميعا، وخاصة ما يتعلق منها بالقضايا التي تمس مباشرة شكل حياتهم الخصوصية.

إن قضية الحوار تستدعي مباشرة مسالة الإطار المرجعي، أو ما سماه الحاج صالح –مقتديا بتوماس كون- بالنموذج الإرشادي، فالحاكمية الإسلامية هي النموذج الإرشادي للإسلام السياسي بجميع نسخه، وهذه المرجعية تملك “حججا وبراهين تحرس تكاملها وتصون تماسكها وانغلاقها دون غيرها”.

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو، هل يمكن للحوار أن يتم انطلاقا من نماذج إرشادية (أطر مرجعية) مختلفة؟

إن الإطار المرجعي ليس خزان أفكار، إنما هو إطار لعملية المعرفة ذاتها وتشكيل معنى المعقولية داخله، فهو يحدد الأسئلة وأنماط البرهنة ويقدم “التاريخ القياسي” بصيغته النهائية. فنحن لا نعرف العالم كما هو، إنما عبر هذا النموذج الإرشادي الذي يقدم لنا وبشكل محدد مسبقا معنى العالم، وبهذا يكون النموذج الإرشادي مخططا هادفا ومعنيا بإنتاج المعرفة، المحدد معناها وأفقها سلفا من داخله.

بهذا الشكل يكون الذين يعيشون ضمن نماذج إرشادية مختلفة كمن يعيشون في عوالم متباينة، فإن كان الإسلام السياسي يستند إلى نموذج إرشادي، يتحرك ضمنه ويبني معقوليته على أسسه وهو نموذج تصونه مؤسساته الكثيرة التي تعيد إنتاجه كل مرة كمعرفة مؤسسية، فهل يمكن الحوار معه انطلاقا من نموذج إرشادي آخر، وهو الحداثة التي أكد الحاج صالح انتماءه إليها بدون لبس.

الحاج صالح كان على وعي بهذا الحال، فهو أثار في أماكن متعددة من مقاله مسائل تدل على اختلال المعنى بين النموذجين، فما يفهمه الطاهر إبراهيم تحت “الإسلام” ليس ذات ما يفهمه الحاج صالح، والذي يستند إطاره المرجعي على قيم الحرية الشخصية والإنسان العام -المفكر، ولهذا يكون الإسلام لديه دينا كباقي الأديان، وليس امة.

إن المعقولية التي يتحرك الحاج صالح داخلها، كما في منطلقاته وأسئلته، هي غير التي تحرك محاوره الطاهر إبراهيم.

إذا كان من غير الممكن الحوار بين نموذجين إرشاديين مغايرين، إلا توجد إمكانية للتسوية، تسوية تجد لنفسها مكانا بينهما؟

ربما يتبادر للذهن تجربة الحاج صالح الذهنية عن دولة إسلامية وحكم ذاتي للعلمانيين، أو العكس،وربما أيضا حوراته السابقة مع سلامة كيلة فيما يتعلق بالضمانات المتبادلة بين الإسلاميين والعلمانيين.

في الحالات جميعها تظهر دوما أزمة الثقة وانعدامها، ليس فقط من طرف العلمانيين تجاه الإسلاميين بل والعكس أيضا، فتجارب الإسلاميين في مصر والجزائر وغيرها لا تترك مكانا للثقة لدى العلمانيين.

غياب الثقة المزمن هذا، والذي زادت حدته مع الممارسات السياسية الأخيرة للإخوان المسلمين في سوريا تجاه عبد الحليم خدام و”إعلان دمشق” (وضمن هذا يدخل أيضا ما وجهه الطاهر إبراهيم نفسه إلى الحاج صالح وما يتضمنه من فحص للقلوب وميل إلى إصدار أحكام فيما يجوز وما لا يجوز)، يقف عائقا أوليا أمام هذه التسوية.

العائق الثاني يبدو ضمن النموذج الإسلامي ذاته، قبل أن يكون مع العلمانيين كما في تجربة الحاج صالح.

النموذج الإسلامي يقوم على التمييز بين مسلمين ومسيحيين وعلويين وغيرهم، ولكنه لا يستدعي مواطنين وهذا يعني أننا سنكون بحاجة إلى تسوية ليس وحسب مع العلمانيين، إنما أيضا مع الأقليات المذهبية والدينية الأخرى غير العلمانية هي أيضا.

بمعنى آخر وحسب منطق تلك التجربة، فإننا نحتاج إلى حكم ذاتي للعلمانيين وآخر للمسيحيين وثالث للعلويين وهكذا دواليك. يبدو هذا الأمر عسير التطبيق، ومن الخبرة التاريخية المستمدة من لبنان أساسا، لا يوجد ما يدفع المرء إلى الدفاع عنه وحتى التفكير به.

العائق الثالث أمام التسوية هو غياب الحد الأدنى من القبول بالواقع بما يمكنها من الوجود، فواقعنا ظالم بشكل متعسف ومبالغ فيه، واقع لا يمكن للأغلبية أن تتقبله ولو من باب التسوية.

سياستان أساسيتان لعبتا دورا طاغيا في إنتاج هذا الواقع وتأمين استمراره، السياسات الدولية (الأمريكية أولا) وسياسات الأنظمة العربية (والسعودية لها هنا قصب السبق) وما السياسات المعارضة وبما فيها الإسلامية إلا سياسات اشتقاقية وليست أصلية بذاتها.

التسوية المقترحة مع الإسلاميين تخرج سلفا الفاعلين الأساسيين (الأميركان والأنظمة) ولهذا تبدو بلا معنى، وان حصلت فهي نفعية تماما وبغرض اعتماد سياسة معارضة ولكنها لا تؤسس للثقة، ويبدو حاليا أن الإسلاميين فضلوا التوجه مباشرة إلى أحد الفاعلين الأقوياء (الفاعل الدولي) على تسوية مع معارضيهم العلمانيين (والذين هم أنفسهم لجأوا إلى هذا الفاعل – وإن لم يحصل ذلك في سوريا- سابقا تحت شعارات نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان)

التسوية الوحيدة التي تبدو ممكنة هي تسوية اليأس، أن نصل إلى حد من اليأس بقدرتنا فرادى على التغيير فنندفع إلى إبرام تسوية (وليس حوار أو مصالحة)، ولكن العقبة أننا نحيا في هذا اليأس، والأسوا أننا نراهن بسببه على الآخرين لإخراجنا منه وليس على الذين معنا.

في الاتساق الذاتي والواقعي
لا يمكن فهم حوار الحاج صالح –كما اعتقد- إلا بإدراجه في إطاره، أي بحواراته الأخرى مع من يسميهم بالعلمانيين الطائفيين، ما يطالب به الحاج صالح هو الاستناد إلى معايير موحدة لدى الحكم، معايير مستقلة عن هوية الفاعلين وإلا فإننا نفقد القيمة العامة للعقل.

هذا ما يسميه الحاج صالح محقا بالاتساق، ولكني سأعمد إلى الفصل بين شكلين للاتساق، فقط للتفكير بالموضوع، وهما الاتساق الداخلي (الذاتي) للمفاهيم التي تؤسس للإطار المرجعي، والاتساق الواقعي، ما تحدث عنه الحاج صالح بالحكم استنادا إلى معايير موحدة.

مسالة الاتساق الذاتي ملحة ولكنها سهلة، على سبيل المثال: الديمقراطية تعني حكم الشعب وليس أي شيء آخر، والعلمانية تعني إقصاء الدين والمشروعيات العليا… إذن العلمانية والديمقراطية متسقتان تماما، المسألة تماما بهذه البساطة (ليست اختراع طائرة على أيه حال)، هذا الاتساق الذاتي محقق في الحداثة كما هو محقق لدى الإسلاميين، واعتراضات الحاج صالح والتي أؤيده فيها ضد الطاهر إبراهيم في مسألة اعتناق الإسلام ومن ثم منع الردة وبالتالي ما ينتج عنه من غياب للاتساق هي اعتراضات محقة، بقدر ما هي من داخل الإطار المرجعي للحاج صالح، وربما بلا معنى من داخل الإطار المرجعي للطاهر إبراهيم.

المشكلة فعليا ليست في الاتساق الداخلي للمنظومة، إنما فياتساقها الواقعي. لم يعد الجميع يرون أنفسهم في إطار هوية موحدة اسمها الإسلام، ولم يعد الإسلام أمة شئنا أم لم نشأ. انعدام الاتساق هو مسألة واقعية، واقع منفصم تماما عما نرغبه.

الحال ذاته في مثال الديمقراطية والعلمانية، ويمكن لنا أن نلاحظ انعدام الاتساق في مسالة بسيطة وهي قانون الأحزاب، وهل يجوز أن يدخل الإسلاميون إلى الحلبة السياسية؟ أم أن عليهم أن يتغيروا، وبشروط من، بشروط الحداثيين.

في لقائه مع مجلة الآداب (1999/04-03) قام السيد ياسين في رده على سؤال يتعلق بالتجربة الجزائرية بالتمييز بين مستويين للديمقراطية الأول يتعلق بالقيم الديمقراطية والثاني يتعلق بالاجرءات الديمقراطية، الانتخابات تنتمي إلى المستوى الثاني والجزائريون ذهبوا إلى الانتخابات وهم لم يحسموا المستوى الأول، مستوى قيم الديمقراطية التي “تتلخص في عقد اتفاق فيه نوع من التراضي والتوافق بين الفرق السياسية كلها على قيم محددة للديمقراطية”.

والجماعات الإسلامية استخدمت الانتخابات وسيلة للانقضاض على السلطة وتحويل الدولة إلى دولة دينية، يحكم فيها الفقيه، في مجتمع ما يزال وعيه السياسي غير قادر على فهم النوايا السياسية المضمرة.

ما يقوله السيد ياسين هنا في جانب منه ليس إلا إعادة صياغة للموقف الرسمي العربي من أن الشعوب ما تزال غير ناضجة للديمقراطية، وان كان القول يأتي في سياق نقد هذه الأنظمة نفسها، إلا انه ينتهي عمليا إلى ذات النتيجة.

التناقض يبقى موجودا، ومحيرا ومتمثلا بالانتخابات التي تنتهي إلى فوز الإسلاميين، وعندها ما الذي يتوجب فعله للحؤول دون ذلك، وللإجابة على هذا السؤال ينتهي جل الحداثيين (لا يختلف في هذا الجواب المضمر للسيد ياسين، أو موقف التجمع المصري ورفعت السعيد أو من العلمانيين السوريين وصولا إلى التوانسة) إلى تبريرات نظرية تكون بالنهاية غير متسقة مع منطلقاتهم… تربيع الدائرة كما يقول الحاج صالح.

ربما يسعى البعض إلى الالتفاف حول هذه النقطة، وتحديدا بالمحاججة ضد العلمانيين الاستئصاليين فيما لا يريدونه، ولكن ما أن يبدؤوا بطرح ما يريدون حتى ينتهوا –وان باختلاف في اللغة- إلى ذات المطالب وان بصياغة أخرى، والسبب أنهم يهملون أساسا مسألة الإطار المرجعي الذي من خلاله تتحدد القيم ونظام المعنى، كما على سبيل المثال في مقال راتب شعبو (حوار علماني-علماني مغلق) والذي اتفق معه تماما.

ميزة الحاج صالح الأساسية –والتي تدفعني إلى الاستمتاع بقراءته- هي تحديدا في هذه النقطة، كيف تقدم إجابة متسقة على هذا الإشكال، ليس مفهوميا وحسب إنما أيضا واقعيا، انه يرى الخلل ولا يحاول الاكتفاء بحله داخليا، أي بناء منظومة متسقة داخليا ثم القول أن الواقع غير متسق معها وهي بريئة منه، أو الانتهاء إلى موقف طائفي (بالمعنى الذي يستخدمه الحاج صالح). إن السعي إلى هذه الإجابة المتسقة هي التي أخذته من المقدمات الليبرالية وحدها إلى مسالة الهيمنة.
في الهيمنة
إن كلا من قضيتي الحوار والاتساق هما في النهاية إشكاليات هيمنة، حيث تعني الهيمنة تحويل نظام ما للقيم والمعقولية إلى نظام عام يحدد للجميع (أو للأغلبية) نظرتهم إلى العالم والى أنفسهم، هذا النظام المهيمن يقدم القاع المشترك والذي يتم الحوار على أساس منه.

الاتساق نفسه، وإلى حد كبير هو نتاج للهيمنة، فالنظام المهيمن يحول قيمه إلى قيم عامة، ويعيد إنتاج اتساقه الداخلي على أنه اتساق مع العالم، العالم الذي يتم وعيه أصلا من داخل محددات هذا النظام.

الهيمنة تقوم بتحويل قيم نظام ما إلى قيم عامة متحررة من شرطها التاريخي والطبقي لتبدو وكأنها شرط عام، وعيا بالعالم كما هو وكما يجب أن يكون، وتنهي مهمتها بإعادة كتابة التاريخ عبر أسئلة الإطار المرجعي وشروطه، تاريخ قياسي يعيد هو الآخر التأكيد على هذه القيم والمعايير وتثبيت وجودها الدائم، واكتشافها كنواة للأحداث مرتبطة بأسبقية قيم الإطار المرجعي.

إن الإطار المرجعي يعطي للتاريخ وحدة متسقة لا تتوفر له انطلاقا من الأحداث نفسها، ولكنه تاريخ ينطلق من قيم تعيد بناه وتنسق ما لا يدخل فيها.

هذا هو حال الديمقراطية الغربية، إنها ليست أكثر اتساقا من العربية، الخلاف هو الهيمنة التي تحققت لها. فبناؤها وتحققها الفعلي لا يمكن فصله عن تغيير النظرة إلى العالم، تأسيس “نحن” قومية تقوم على المواطنين (الأمة- الطبقة الثالثة) وظهور الصحافة والأحزاب مما أتاح المجال للسياسات الجماهيرية.

إن الديمقراطية كنظرة متسقة لم تكن ممكنة إلا بتحويل المنظومة القيمية التي تستند إليها إلى منظومة مهيمنة، وهذه الهيمنة لم تتم ديمقراطيا، عبر الحوار، إنما بالقوة وبشقيها، القوة كعنف ولقوة طبقة تحمل مشروعا للعالم، تعيد خلقه على صورتها، الهيمنة سلطة وهي مشروطة (كما الإطار المرجعي ذاته) بالبنية المادية، ودون هذه البنية لا يمكن فهمها، إنها ليست مجرد تأسيس تخيلي جذري للمجتمع.

هذه الديمقراطية تطلبت شروطا محورية لاستقرارها خلال القرن العشرين، هذه الشروط التي تحققت بهزيمة كل من المشروعين المضادين والمتمثلين بالمشروع الاشتراكي الثوري ومشروع القوى التقليدية الأوروبية، هزيمة تمت بكل الوسائل غير الديمقراطية.

هذه الحداثة الأوربية ذاتها تعاني اليوم خللا في اتساقها، وهو الذي يتمثل بظهور أقليات –يتزايد حجهما- تنتمي إلى نظرة مغايرة للعالم، الأقليات المسلمة واليمين الجديد، ولا يوجد حيال هذه المشاكل موقف متسق واقعيا لحلها.

الاتساق بهذا الحال يكون نتاج للهيمنة، الهيمنة التي تبني وعينا بالعالم وتعيد إنتاجه، وليس الاتساق إشكالا معرفيا.

مشكلتنا اليوم هي غياب الهيمنة، وهي مشكلة المح لها الحاج صالح في إحدى مقالاته. الإسلاميون لا يقدرون على إنتاج هيمنة ولأسباب ذكرها الحاج صالح واتفق معه فيها، إلا أن الحداثيين أيضا غير قادرين على إنتاج هذه الهيمنة أيضا.

في النهاية تبقى الميزة الأساسية للحاج صالح رغبته بموقف ديمقراطي متسق، وهي ما يدفعه إلى طرح حواراته بصراحة وحتى النهاية، بالنسبة لي فإنني اختلف معه في البداية (وبالتالي الخاتمة)، إذ يبدو لي الموقف الديمقراطي ممتنعا سلفا، بحيث تصبح المسألة جذر المسالة الديمقراطية ، تأسيس الـ”نحن”، بناء نظرة للعالم قادرة على أن تكون مهيمنة وهذا ما يجعل من القضية –بالنسبة لي- تتمثل في بناء موقف يعقوبي متسق.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق