تعقيب على ياسين الحاج صالح: انتهت الدولة العلمانية كما انتهت الدولة الدينية

أريد قبل كل شيء أن أحيي موقف الأستاذ ياسين (مقاله المعنون “’أمتان’… حكم ذاتي إسلامي في ظل دولة علمانية، أو العكس”، الحلقتان الأولى والثانية)، موقفه الذي يعتمد منهج التجريب العقلي في علاج قضية غلب على الكلام فيها الطابع الانفعالي وتبادل التهم بين حزبي الحرب الأهلية العربية خاصة والإسلامية عامة: فهو يمتحن بالتجريب العقلي فرضيتين (=النظر في توالي كلتا الفرضيتين) للتعايش بين الحزبين الديني والعلماني في دولة واحدة (=في كل قطر عربي أو مسلم). فهذه بداية طيبة للخروج من التنافي المطلق والقبول بحل ذريعي قابل للتطبيق خاصة وقد تبين للجميع استحالة إلغاء أي من الحزبين للآخر. فاعتماد الحزب الديني على شعبية شعاراته في الداخل يعوضها اعتماد الحزب العلماني على شعبية شعاراته في الخارج. ولما كنا في عصر لم يعد فيه الفاصل بين الداخل والخارج مؤثرا بات من الواجب طلب الحل العملي لكسر الدور الفاسد.

وحتى الشرط الذي أضافه الاستاذ ياسين، الشرط الذي يبدو عمليا وكأنه يلغي إحدى الفرضيتين بمقتضى أحكام السياسة الدولية التي لن تسمح بالدولة الدينية حتى لو تضمنت الجزيرة العلمانية في داخلها فإن تحييده ليس مستحيلا. ذلك أن الاستاذ ياسين كان بوسعه تصور الحل ممكنا لو ذهب إلى غاية تجريبه العقلي فافترض التداول بين الفرضيتين: فتكون إحداها القارة والثانية الجزيرة بالتداول كما يقتضي ذلك مبدأ الأغلبية في نفس الدولة أساسا لتدوال الأحزاب على الحكم والتشريع.

عندئذ تكون البرامج السياسية علمانية أو دينية بحسب الحزب الذي يحصل على الأغلبية دون أن تفرض قيم الأغلبية على الأقلية ودون أن تحدد طبيعة الدولة بمعيار الدين إيجابا (الدولة الدينية) أو سلبا (الدولة العلمانية).

فهذا الحل كان يمكن أن يلغي الشرط المعجز الذي ذكره دون الذهاب به إلى غايته، أعني المانع الدولي لفرضية الدولة الدينية. فالدولة في هذه الحالة ليست دينية وليست علمانية بل هي إطار غير موصوف (=بلا أوصاف في الرواية المشهورة!)، إطار عام لحكم يكون تارة علمانيا وطورا دينيا من حيث المرجعية التشريعية دون أن يكون ذلك مستندا إلى مبدأ التشريع الواحد كما تصورته اليعقوبية الفرنسية.
وهنا أصل إلى أمرين كان يمكن أن يجعلا هذا التجريب العقلي مثمرا فيبلغ غاية العلاج المقصودة إن صح فهمي لمحاولة الأستاذ يلسين. ومرة أخرى فإني أحيي عملية التجريب لكني أجد فيها شيئا من عدم الإنصاف. فالعملية غير منصفة حسب رأيي لأنها:

1- استمدت فرضية الدولة الدينية من رأي الشيخ القرضاوي- ولا أنفي أن ذلك يبدو حائزا على الكثير من الوجاهة لما يمثله الرجل والتوجه الوسطي المنسوب إليه.

2- واستمدت فرضية الدولة العلمانية من فلسفة مطلقة عن حرية المواطن، حصرا للحريات في السلوك الديني.

أما كان من الواجب أن ينطلق التجريب من نفس الدرجة المرجعية: فمرجعية العلمانية لم تكن أحد المفكرين بل مبدأ الفلسفة العلمانية في علاقة الدولة بحرية المواطن. فلمَ لم تكن مرجعية التصور الديني الفلسفة الدينية في علاقة الدولة بها؟ إذا كنا ننطلق في حالة الدولة العلمانية من مبدئها العام وليس من أحد تأويلاته فلمَ لا ننطلق في حالة الدولة الدينية من مبدئها العام وليس من أحد تأويلاته ؟ وهذا الخلل في مستوى المنطلق، أعني التمايز بين المستويين المرجعيين المعتبرين في التجريب، هو الذي أدى إلى الأمر الثاني الذي يستند إليه جل أحكام العلمانيين المسبقة: فقد قابل الأستاذ ياسين بين دولة دينية يذمها لأن كل شيء فيها مقنن ودولة علمانية يمدحها لأنها تعتمد على الحرية المطلقة !

والسؤال هو أين رأى الأستاذ ياسين دولة الحرية بمعنى عدم الضوابط سواء صارت جزءا من السلوك المعتاد ففقدت طابعها القسري أو لم تصبح جزءا منه فبدت قسرية؟ أليست الدولة الحديثة مهما كانت علمانية هي أيضا نظاما من الضوابط بحيث يكون فيها كل شيء خاضعا لشبكة من القوانين تجعل سلوك الإنسان يكاد يكون عسكريا في الكثير من المجالات حتى وإن اعتبرت المجال الديني خارج تقنيناتها؟ بل أكثر من ذلك أليست الحضارة هي بمقتضى تصورها ذاته جملة الضوابط التي تنتظم بها حياة البشر في تعاملهم في ما بينهم ومع محيطهم؟

أليس عدم الشعور بوطأة تلك الشبكة الضابطة علته تحول تلك القوانين إلى تربية وتقاليد أو عوائد تجعل المرء لا يشعر فيها بالفرض الخارجي؟ لكن هل ينفي عدم الشعور الناتج عن التربية طبيعتها، أعني كونها شبكة من الأوامر والنواهي مثلها مثل فقه الدولة التي استمد توصيفها من فهم الشيخ القرضاوي للدولة الإسلامية؟ فلم لا نقترض نفس الشيء بالنسبة إلى الأوامر والنواهي الفقهية لو ربي عليها الناس تربية تجعلها من الأمور المعتادة فلا يشعر الناس بطابعها القسري؟ ألا يكون الفرق الوحيد أن فقه الشيخ القرضاوي لم يعد أمرا يربي عليه الناس فباتوا يشعرون بطابعه المفروض من خارج؟ بل أليس كل المعاناة التي نشعر بها جميعا علتها أننا موزعون بين التربيتين فأصبحنا وكأننا مصابون بفصام الشخصية ونطلب الحل بنفي إحداهما فيكون العلماني هو الذي يفضل التحرر من شخصية التربية الدينية والأصلاني هو الذي يريد التخلص من شخصية التربية العلمانية؟ وإذن فالمشكل ليس في الدولة فحسب بل هو أيضا في الشخصية الفردية لكل واحد منا؟!

ومعنى ذلك أن نسبة الدولة العلمانية إلى القوانين التي تضبط سلوكهم لا تختلف في شيء عن نسبة الدولة الدينية إلى الشرائع التي تضبط سلوكهم حتى وإن كنت لا أنكر أن سلطان النمط الجديد من الحياة يجعل التناسب بين التشريعات الحديثة أكثر ملاءمة لمتطلبات الحياة الحديثة: لكن ذلك يتعلق باختلاف الوظيفة وليس باختلاف الطبيعة. وإذن فالفرق الوحيد هو في الشعور بها قبل التربية أمرا خارجيا مفروضا عليها والشعور بها بعدها أمرا ذاتيا مقبولا بحكم العادة والتربية.

فكل إنسان من العالم الثالث يشعر بالاختناق لما يزور الغرب ويعيش فيه من دون أن يكون قد ربّي على تقاليده: فهو يختنق لفرط ما يراه من تقنين في حياة الغربيين وهذا الشعور لا يختلف عن شعور أي علماني أمام فقه القرضاوي. يكفي مثال قطع الطريق عند أي مواطن من العالم الثالث: فهو يعتبر انتظار النور الأخضر واحترام الممرات المؤشرة من الأوامر والنواهي القسرية التي لا يطيقها ويريد جزيرة في الدولة الغربية تسمح له بالسلوك المتحرر من قانون الطرقات !

لكن المهم هو الأمر الأول لأنه هو الأصل الذي يحول دون رؤية وجوه الشبه: عدم الإنصاف في اختيار مستوى المرجعية. فلست أشك في أن الأستاذ ياسين وهو يتصدى لهذا الأمر الجلل قد كلف نفسه بمنطق طالب الحقيقة والباحث النزيه العودة إلى المرجعية التي هي بالنسبة إلى الدولة التي يسميها دينية وراء فهم الشيخ القرضاوي لها مثلما فعل عندما عاد إلى تعريف عام لمرجعية الدولة التي يسميها علمانية وراء فهم معين لدكتور علماني. فلو انطلق الأستاذ ياسين في تجريبه العقلي من نفس المستوى المرجعي لأنصف أولا ولوجد ربما حلا أفضل مما وجد عند تصور فهم القرضاوي ممثلا للمرجعية: فقد يتبين أن الصراع بين العلمانيين والأصلانيين في الحضارة العربية الإسلامية لا معنى له وأنه تقليد لمعركة غربية ما كان لها أن تحصل لأن شروطها منعدمة على الأقل من حيث المبدأ.

فالآية 48 من سورة المائدة تبين له أن القرآن حدد الحكم الذي يضمن حرية العبادة وتعدد أنظمة التشريع في الدولة الواحدة دون حاجة إلى المقابلة بين قارة وجزيرة، بل هي تنفي أي إمكانية لوحدة التشريع وتجعل التعدد شرط تحقيق القيم في التاريخ: “وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ومهيمنا عليه. فاحكم بينهم بما أنزل الله. ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق. لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا. ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة. ولكن ليبلوكم في ما آتاكم. فاستبقوا الخيرات. إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون”. فالاعتراف بتعدد الشرائع والحكم بمقتضاها في نفس الدولة من حيث المبدأ-إذ إن النقاش مرة أخرى ليس في ما حدث في التاريخ بل بما ينبغي أن نحترمه لتصحيح أخطاء التاريخ السياسي عندنا- ليس هو أمرا مستحبا فحسب بل هو واجب في هذه النظرة لأن تعدد الشرائع اعتبر هنا السبيل الوحيدة للاستباق في الخيرات واعتبر حسم الخلافات في المعتقدات أمرا مرجئا إلى يوم الدين.
.

والمعلوم أن الفارق بين المبدأ والتاريخ الفعلي من السمات الكلية في الممارسات السياسية للمبادئ إذ يكفي مقارنة برامج الأحزاب عند الحملة الانتخابية وممارساتها بعدها. فمن حيث المبدأ يفرض القرآن على الدولة الإسلامية أن تعترف بدينين منزلين ودينين طبعيين وصنف يشمل كل ما عدا ذلك هو صنف المشركين (الحج 17) وتكليف الدولة الإسلامية بتمكين أصحابها من ممارسة طقوسهم وتطبيق شرائعهم حتى إن الأمر بالجهاد عُلل بحجتين إحداهما هي حرية العبادة لغير المسلمين (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع)!

الوهم العلماني حول الدولة ذات التشريع الواحد-والمعتقد الواحد حتى وإن لم يكن ديينا، معتقد العلمانية- هو إذن أساس الخطأ في هذا التجريب العقلي: فالأمر بالحكم بالحق أو بما أنزل الله لا يعني وحدانية التشريع في هذه الآية بدليل الاستدراك بذكر تعدد الشرعات وقصد الحفاظ على التعدد بوصفه سبيل التنافس في تحقيق القيم موقف يتجاوز الأحكام العلمانية المسبقة.

أما الوهم العلماني حول المقابلة بين شبكة الأحكام في الدولة الدينية وخلو الدولة العلمانية منها فعلّته أن العلمانيين يفرضون أمورا لا يقرها عقل ولا نقل ولا تؤيدها تجربة ثم يتهمون من ليس بعلماني بأضدادها: فلا وجود لنظام سياسي بدون شبكة من الأوامر والنواهي ومن ثم فهي ليست أمرا تختص به الدولة الدينية ولا وجود لدولة مهما كانت شمولية تخلو من مجال حرية مطلقة مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الدولة العلمانية في مجال المعتقد الديني، مساعدة منا على صحة هذا الزعم (رغم ما ينفيه في سلوك الغرب تعبيرا عن الخوف من الإسلام).

الفرق لا يتعلق بوجود الأوامر والنواهي وعدم وجودها بل باختلاف مجالات التشريع أولا وبكونها صارت من العادات أو لم تصر. كما أنه لا وجود لنظام يخلو من أمور مستثناة من الأحكام الصريحة لمجرد كون الأحكام متناهية وأمور البشر لامتناهية: لما كان اللامتناهي يتجاوز المتناهي بما لايتناهي فإن المستثنى من الأحكام هو دائما أكثر من المضمن فيها. لذلك فوهم الشبكة الشمولية في الدولة الدينية هو أيضا وهم كاذب بل هو فضلا عن ذلك شعار دعاية نفسية أميركية بالأساس لصدوره عن فرضية تسويق الاستعمار الثقافي الموطد للاستعمار الاقتصادي باسم الحرية: مساحة الحرية في الوجود الإنساني إذا عرفت بما ليس فيه أحكام أو دينيا بالمباح هي الأكبر سواء كانت الدولة دينية أو علمانية.

وينبغي لأي علماني أن يعترف بأمر لا يمكن تصوره في الدولة العلمانية: الدولة الإسلامية رغم كونها دينية لا تفرض عليه مذهبا قانونيا بل هي تترك له الخيار بين أحد المذاهب -وهي كثيرة وعلى كل أكثر من واحد هو في الدولة العلمانية إرادة الأغلبية التي بيدها سلطة التشريع- في حين أن الدولة العلمانية تفرض عليك قانونا واحدا فرضته الأغلبية لما وصلت إلى الحكم. والدولة الإسلامية رغم كونها دينية لا تفرض عليه عقيدتها-على الأقل مبدئيا- لكن الدولة العلمانية تفرض عليه عقيدتها مبدئيا: فلا بد أن يتعقد أن الدين من خاصة الفرد وليس من هموم الجماعة في حين أن الدولة الدينية لا تفرض عليك العكس ومن ثم فهي لا تخضع الحياة لمبدأ الثالث المرفوع بل هي تقول بالقيم الخمس وبالمذاهب القانونية المتعددة التي يختار بينها المواطن فضلا عن تعدد الشرائع بحسب المعتقدات الدينية كما أسلفنا.

وماذا لو قلنا إن الدولة العلمانية انتهت يوم انتهت نظرية الثوابت العقلانية الواحدة (إيديولوجية الحداثة) كما انتهت الدولة الدينية يوم انتهى القول بالثوابت الدينية الواحدة (إيديولوجية ما قبل نزول القرآن) وعوضتهما الدولة التي ليس لها وصف محدد بل هي متلونة بحسب المجالات: فتكون دينية في مجال ولا دينية في مجال آخر وجامعة بينهما في مجال ثالث وليست أيا من ذلك في مجال رابع إلخ… لكن ما الفائدة في الإطالة إذا كان القصد هو فقط تحية هذا الموقف الجديد في علاج المسألة بالمنطق العقلي وليس بتبادل التهم. إذ القصد هو الخروج من مأزق الحرب الأهلية بين الحزبين في العالم الإسلامي خاصة وقد أصبحت حربا عالمية بسبب ما يمثله العالم الإسلامي من أهمية في المعادلة الدولية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق