تعقيب على ياسين الحاج صالح “هل العلمانية ممكنة في بلد واحد؟”

يحلو لي أن أشبّه أسلوب الأستاذ ياسين في عرض أفكاره الجميلة والهامة، كمن يرمي حجراًَ كبيراً في بركة ماء ويتبعه برمي حجارة أصغر، الواحد تلو الآخر بتواقت مدروس، فتعزز كل موجة متشكلة قوة سابقتها حتى تصل إلى هدفها كموجة عملاقة. فهو في سياق مقالته يطرح حجره الكبير في العنوان ويبدأ بعدها سوق أفكاره وأيضاً في سياق مدروس ومتواتر حتى تتشكل هذه الموجة العملاقة والتي تفضي إلى النتيجة.

{{هل الإسلام نظام دولي بالمعنى “الجيو-ديني-ثقافي”؟}}

أعتقد أن الإجابة تنوس بين السلب والإيجاب، فهي تقترب من نعم عندما يكون الأمر متعلقاً فقط بسؤال “الهوية-الأمة” وتبتعد كثيراً عنها في باقي المسائل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والفكرية وغيرها.

فهل إسلام أفغانستان وباكستان يشبه نظيره في دول البلقان في أوروبا الوسطى أو حتى في دول الاتحاد السوفياتي السابق القريبة منه جغرافياً؟

وهل المنجز الاقتصادي والسياسي والعلمي لمسلمي جنوب شرق آسيا وماليزيا وأندونيسيا أكبر بلد إسلامي، يقارن بما أنجزناه في منطقتنا العربية؟

وهل المؤسسات الدينية الإسلامية الموجودة في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية تشابه أو تحاكي مثيلاتها في مناطق أخرى ومنها منطقتنا العربية؟

يبدو المشهد الآن أشبه بأرخبيل كبير متعدد الجزر والكتل وكل جزيرة تختلف عن غيرها بتاريخها ونظامها الاجتماعي والاقتصادي وبيئتها الثقافية وتراكمها السياسي.

ويأتي التباس الإجابة عن السؤال السابق من عاملين لهما علاقة بردود الأفعال والضخ الإعلامي المكثف. فردود الأفعال الغاضبة العابرة للقارات تجاه أمور تتعلق بالهوية الإسلامية وقداستها مثل قضية الكاتب سلمان رشدي والرسوم المسيئة للرسول ومسألة الحجاب في فرنسا أثارت جدلاً واسعاً في أوساطنا الإعلامية والإسلامية.

وثانيها الضخ الإعلامي المكثف والموجه للصراع الذي تخوضه التنظيمات الأصولية الإسلامية مع الإدارة الأميركية ومن والاها من الدول. أو ليست هذه الآلة الإعلامية الكبيرة هي التي أدخلت مصطلحات مثل “الحرب على الإرهاب” و”محور الشر” و”منابع الإرهاب” إلى قواميسنا اليومية، مع قناعتنا التامة بأن ظهور الحالة الجهادية الإسلامية وتناميها المتسارع يحتاج دراسة وبحثا وتدقيقا لتبيين أسبابه ومفاعليه بعيداً عن نظرية المؤامرة وبمعزل عن إدارة المحافظين الجدد.

{{هل يبدو حسم المسألة مهماً بعد الذي سبق؟}}

دعونا نستطرد في حديثنا وننقل السؤال إلى عالمنا العربي ونزج به في واقعنا العربي الذي يمور بكثير من التعقيدات والتناقضات، ولنر إمكانية صموده أو تراجعه وانحساره أمام مشاكلنا الأخرى.

تبدو مشاكل العالم العربي كثنائيات متداخلة فيما بينها بقاسم مشترك أكبر، وربما تحتاج لحلها إلى مضاعف مشترك أصغر حسب الصيغة الرياضية.

أولى هذه الثنائيات المشكلة الغربية (والتوصيف هنا للأستاذ ياسين في مقالة سابقة) وتتمثل في الصراع “العربي- الإسرائيلي” والذي قادته الإيديولوجيا القومية العربية لفترات طويلة قبل أن تأتي الحزيرانات النكسوية وما تلاها، لتنقل قيادة الصراع إلى مكان آخر وتضعها في أيدي الإسلاميين، فبدا وكأن هذا الصراع أصبح بين عالمين أو هويتين (إسلامية /غربية).

وثانيتها، مشكلة الدولة وعلاقتها بالديمقراطية، والتي أوصلت الإسلاميين في أكثر من مكان إلى سدة الحكم، لكن مع اهتزازات عنيفة كادت أن تودي بكيان الدولة ذاته، تذكر ما جرى في الجزائر أو ما يجري الآن في فلسطين والعراق ربما يكون مفيداُ في فهم هذه المشكلة.

وثالثتها، مشكلة الدين والعلمانية والتي تمثل قمة جبل الجليد العائم فقط والذي يخفي تحته انقسامات وتناقضات دينية ومذهبية وطائفية كثيرة ومتنوعة والتي بدأت تنتج بنيات وأشكال دينية ومذهبية غير معزولة عن الصراعات الإقليمية والدولية في المنطقة.

ورابعتها، مشكلة الثقافة الوطنية أو القومية مع العولمة والتي جُيرت بفعل الحالة الإسلامية المتصاعدة إلى صراع هويات (شرق – غرب)، (إيمان – كفر) بدلاً من أن تكون حوار أو تثاقفاً أو تلاقحاً أو سمها ما شئت.

وأمام هذه التعقيدات الجذرية يغدو السؤال أسئلة، والمشكلة سلة مشكلات.

وبقناعتنا أن من يريد التصدي لحل سلة المشكلات هذه عليه أن يأخذها مجتمعة ومترابطة كما هي أو على الأقل يضعها جميعها في طريق الحل، وبالتأكيد لا نقصد أننا نبحث عن خلطة سحرية تكفينا عناء البحث، أو سلم أولويات نختلف فيه على تراتبية الحلول.

وبذلك نخلص إلى قول مفاده التالي: إذا قامت علمانية (أو حتى ديمقراطية) في بلد دون حل المشاكل الأخرى فلن يحتاج سقوطها إلى عوامل دولية وإقليمية سواء إسلامية أو غيرها، وبالمقابل قد يفعل هذا البعد الجيو-ديني-ثقافي فعل الحدود الطبيعية ويحميها من الهزات في حال قدمت حلولاً لجملة المشاكل وربما يسرع وتيرتها ويقوي عودها.

{{نحو انعطاف ديني سياسي}}

يقدم الأستاذ ياسين تصوره لحل ممكن لهذه المشكلة والمستند إلى انعطاف ديني سياسي ويتكلم عن تشكل حركة اجتماعية قوية تتكون حولها أكثرية جديدة مهيمنة بنموذجها المتفوق ويكون حل المشكلة الدينية السياسية نابعاً من تكوينها وتعريفها.

ويورد في مقالة سابقة التالي: بأن الحل الوحيد لمشكلات الطائفية المهددة للمشرق العربي برمته هو العمل على تكون أكثريات وطنية جديدة، وهذا شيء مختلف عن الأكثريات الأهلية التي لا يضمن وصول نخب متحدرة منها إلى السلطة حل المشكلة الطائفية.

ويقول في مقال آخر: الواجب الاعتقادي لا يوافق الواجب الوطني إلا حين تكون الجماعة الوطنية مطابقة للجماعة الاعتقادية، وهذا نادر في مجتمعاتنا المركبة والمتعددة الأديان والمذاهب والإيديولوجيات، وأخلاقية الاعتقاد ترفع الحماية الأخلاقية عن كل من هو من غير جماعتها (أي دينها وطائفتها).

ربما تجعلنا هذه المقولات، إضافة إلى ما سبقها، نتلمس ملامح هذه الحركة الاجتماعية المستندة إلى أكثرية جديدة وتنقلها إلى مستوى أوسع بحيث تستجيب ضمناً لحل المشكلات الأخرى.

أول ملامح هذه الحركة أنها وطنية جامعة تحتوي تحت خيمتها كل التيارات والإيديولوجيات الدينية والمذهبية والعرفية وغيرها وهي بذلك تشبه في تكوينها الاجتماعي زمرة الدم (AB+) المسماة الآخذ العام التي يستطيع صاحبها أن يأخذ من جميع الزمر دون أن يتأثر. لكنها في الوقت ذاته وعلى صعيد فكرها وممارستها السياسية تشبه زمرة الدم (O-) المسماة المعطي العام الذي يعطي جميع الزمر دون أن تكون هناك أفضلية لزمرة على أخرى.

هل يعني هذا قطيعة نهائية مع تاريخنا الديني السياسي وارتباطه الطويل الأمد بالدولة؟ قد لا يكون هذا هو السؤال المهم.

لكن من الضروري نزع القداسة عن هذا التاريخ، حينها من الممكن أن يكون شيئاً من القطيعة وارد الحدوث وربما بمسميات جميلة وبراقة ترضي غرور هذا التاريخ والمتنطحين للدفاع عنه وبدون أن يكون لهذه القطيعة ذلك الأثر السلبي الذي يُخشى منه.

وثانيها أنها لا تعمل على خلق حالة اعتقادية تميزها عن غيرها أو تتجمع حولها وإنما ما يجمعها هو الأهداف التي تعمل على تحقيقها وأخلاقيات المسؤولية التي تتحلى بها حتى تصل لأهدافها، وهي بالتالي لا تفترض صراعاً مع الغرب وإسرائيل إلا في ضوء عودة الأرض والسلام وتقرير المصير.

ربما ما يسهل الأمور أو يعقدها في الآن ذاته هو غياب مرجعية إسلامية واحدة، ونتيجة لتكوين هذه الحركة الاجتماعي والديني المتنوع، فبإمكانها استلام زمام المبادرة وتفتح الباب لحوارات جادة بشأن الإصلاح الديني والذي أشك بأن يكون عابراً للحدود والأقاليم تلقائياً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق