تعليق حجابي… بين الرواية والسفور

طلب منّي أحد الأصدقاء، إعادة نشر مادّتي عن الحجاب، في موقع دروب، وهي مادّة منشورة سابقا في الأوان.

تلك المادة هي في الأساس مشروع لعدّة مقالات، أو ربما كتيّب صغير، عن تجربتي مع الحجاب. إلا أنّي ولانصرافي إلى انشغالات كثيرة أهمّها انهماكي بكتاباتي الروائية، التي تحتلّ لديّ الأولوية المطلقة، فقد أجّلت فكرة سلسلة الموادّ عن تجربتي ” الحجابية “.

مع أهمّية الموضوع بالنسبة لي، إذ لا يزال الحجاب يشكّل أحد الرموز الخفيّة التي تشتعل بداخلي، وتصيبني بحالة من الذهول والفصامية، كلما نظرت إلى تاريخي الذي خلّفته ورائي ـ كما أعتقد ـ ولكنه لا يزال يشغل قسما كبيرا من انفعالاتي، في المرحلة التي كان الحجاب فيها أرقا حقيقيا، بل ومعركة كنت أخوضها يوميا دون هوادة، وبين وضعي الحالي، حيث تنتشر صوري، كما سخر مني أحد المقربين منتقما، من انتشار صوري الانترنتية، وهو ما لا أراه عيبا، بل تبدو تلك الصور كما لو أنّها جزء من شخصيتي، أو كتاباتي.

ولأنّي أحاول الخروج من أيّ شكل من أشكال ” الديكيّة ” ، فإنّي لا أنوي هنا مديح صوري، بل أرغب في تقديم الحالة الفصامية، التي تنبّهت لها حين إعادة نشر المقال، والتي لم أنتبه إليها، أو لم تنتبني، حين تمّ ذلك في موقع الأوان.

لأنّ موقع الأوان موقع عقلانيّ، ويتّسم ببعض الصرامة أحيانا، تلك القادمة من المنهجية أو ربما الأكاديمية، فهو لا ينشر صور كتّاب المقالات، ولكنّ موقع “دروب” الذي أعاد نشر المادّة، مع صورة حديثة لي، دون حجاب، قد أصابني بالحالة الانشطارية التي أتحدّث عنها.

قد يبدو الأمر نكتة في بدايته، وهذا ما أحسست به، أني أكتب عن الحجاب كـ ” قطعة قماش كانت تثقل على عنقي” ـ وللأمانة فإنّ هيئة تحرير الأوان هم من وضعوا العنوان، مقتطعين إيّاه من جملة وردت داخل نصّي ـ فإنّ تلك العبارة، أو العنوان، يتناقض مع صورة الفتاة “السافرة” المنشورة إلى جانب المقال. و”السافرة” هذه، لفظة استعملها أحد كتاب المدينة الكبار في توصيف نزعي للحجاب.

اعتاد الكاتب الكبير، سنّا فقط بالنسبة لي، رؤيتي بالحجاب، وعبّر عن دهشته الفرحة وهو يراني أدخل مكتبه بشعر مقصوص على الموضة “كانت موضة البيرمانات، أو التجعيد” ، وكان شعري طويلا، يصل إلى منتصف ظهري، فضحك الرجل وقال “ما هذا السفور؟”، وطبعا الكلمة صحيحة لغويا ولا تحمل أية مسبّة أو انتقاص، فالمرأة السافر، هي المرأة التي لا تضع حجابا.

مع أني وجدت لدى البحث عن كلمة سفور في بعض القواميس، أنها لا ترتبط بالحجاب بل بالنقاب، حيث السفور لغويا، حسب “لسان العرب”:

وَسَفَرَتِ المرأَة وجهها إِذا كشف النِّقابَ عن وجهها تَسْفِرُ سفورا.
وسَفَرَتِ المرأَةُ نِقابَها تَسْفِرُهُ سفورا، فهي سافِرَةٌ: جَلَتْه.

وأنا أظن أنّه لا يمكن للسفور بهذا المعنى اللغوي، أن يصدر إلا عن امرأة، أي لا أعتقد بوجود رجل ” سافر”، بالمعنى الوارد هنا، والمتعلق بالنقاب.

المهمّ أنّني ما أن لمحت مادّتي، منشورة للمرّة الثانية بجانب صورتي، حتى تبادر إلى ذهني السؤال التالي، بتلقائية “ماذا لو رأى أبي المقال؟ ” .

باعتبار أبي رجلا نصف أمّيّ، قادر على فكّ الحروف، وليس قادرا على قراءة مادة أدبية أو حتى خبر طويل في جريدة، فإنّ رؤيته للمادّة في موقع الأوان لن تقدّم ولن تؤخّر بالنسبة له، إذ أنّه لا يفقه تماما معنى أن يكون أحدنا كاتبا، ولا يهمّه الأمر بتاتا.

ولن يختلف ردّ فعل أبي كثيرا، إن تبرّع أحد أبناء الحلال فشرح له ما كتبته في مادتي، عن ممارساته المتناقضة نحوي، من ادّعاء للعلمانية من ناحية، وإرغامي على الحجاب من ناحية أخرى. بل لضحك ملء شدقيه ساخرا مني، مستمتعا بأدائه لواجبه الأخلاقي كأب، يطبّق قواعد المجتمع، مما يجعل منه، رجلا محترما … ولكن إذا رأى أبي الصورة!

أقولها ثانية: إذا رأى أبي الصورة!

هنا تكمن الفضيحة … فإنّ كلّ ما سوف يهمّ أبي، ويقلب ردّ فعله الهازئ إلى قلق، وغضب ربما، هو أن يرى صورتي منشورة دون حجاب، إذ أنّي لم أكتفِ، بالنسبة له، بخلع حجابي وتحوّلي لامرأة سافرة، بل وها أنا أشهر فضيحتي التي تفضحه قبلي، بأني أخرج على الملأ بشعري الذي كان يجب أن يظلّ مختبئا خلف ” قطعة قماش ” ما…

لن أتحدّث هنا عن مراحل “كفاحي” لخلع الحجاب، وقد تمّ على دفعات، لأنّ هذا سيرد في المشروع الذي تحدّثت عنه آنفا، ولكن لا بدّ لي من التنويه بأنني كنت أعتبر خروجي في الشارع دون حجاب انتصارا وتحقيقا لأحد أحلامي ” الثورجية “، التي كان الحجاب يقف دوما سدّا حائلا بيني وبينها، من المدرسة، إلى الجامعة، إلى تجربتي الثورية المتطرّفة في المسرح، الذي ينظر إليه أهلي كدعارة، إلى الكتابة الإيروتيكية، التي كانت أحد أشكال نزقي، للخروج من حجابي الذهني، وكانت تجربة فعلا استفزازية لا أكثر، متأثرة بالأفكار النسوية الطازجة آنذاك… ولكنّ شكلي بالحجاب، وأنا أكتب القصص “لم أكن قد اتّجهت للرواية بعد “، وأحضر بروفات المسرح، متناقض تماما، معمّقا حالة الفصام التي كنت أعيشها، بين عوالم أدخلها، فأنزع فيها الحجاب، وعوالم أظهر فيها، محجّبة.

بقيت نقطة غامضة، أترك للمختصين السيكولوجيين في عالم الكتابة تفسير مثيلاتها، بأني لا أعرف الرابط بين “نزع الحجاب” و”تطوري الإبداعي”، إذ أنّ اتّجاهي إلى الرواية، التي وجدت فيها ملاذي الأخير منذ صدور روايتي الأولى عام 1995، وحتى اللحظة، كان في الفترة التي عشت فيها متعة “سفوري”، فما العلاقة يا ترى، بين الرواية والسفور؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق