تـاريــخ اللــــه

 

(( تـاريــخ اللــــه ))

الكاتب: مجهول

ترجمة: رياض الروضان 

 

 

 

مقدمة :

 

من وحي هذا الكتاب ( تاريخ الله ) لكارين أرمسترونغ تمّ كتابة هذا البحث لصاحبه المجهول الهويّة والذي ترجمته مع بعض نقاط التّوضيح إذ رأيت من الأجدر إضافتها وعدم إهمالها لتسهيل مهمّة فهم هذا النصّ لقارئه إن لم يكن ملمّا بتاريخ تأسيس الأديان…

 

الهدف من هذه الدّراسة والتي أجريت على تاريخ ما قبل 4 آلاف سنة من الميلاد الكشف عن فكرة نشوء دين التّوحيد وولادة إله الأديان الثّلاثة إله اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام…

 

فإنّي آمل أن يلقى هذا الجهد رضا القارئ الباحث عن حقيقة يجهلها مليارات من البشر…

 

المترجــم

 

 

(( تـاريــخ اللــــه ))

 

الإله الذي نعرفه إله عالم الشّرق الأدنى والغرب إله اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام… له تاريخ !!

الأدلّة الحديثة تشير إلى أنّك إذا قرأت الكتاب المقدّس كما هو مقدّم حاليّا من قبل الدّين الحديث خصوصا إذا كنت تقرأ النّسخة المترجمة إلى الإنجليزيّة والعربيّة فأنت لا تقرأ القصّة الحقيقيّة وما تقرأه هو نسخ منقّحة من ذلك التّاريخ مع إضافات وتعديلات تطرح القصّة بطريقة مختلقة عمّا تشير إليه الأدلّة أنّه حدث بالفعل…

وفقا للكتاب المقدّس فإنّ هذا الإله كان موجودا ولم يسبق البشر وحسب بل سبق الكون نفسه !! وكما سنعرض لاحقا أن هذا الإله بدأ بالتطوّر من أفكار إنسانيّة صرفه منشؤها 14 ألف سنة مضت ولم يصبح الإله الواحد للأديان التوحيديّة إلا بعد 2600 سنة… تحديدا في عام 600 قبل الميلاد، وإذا أردت أن تعرف القصّة التي تقدّمها الأدلّة المدعّمة من قبل أغلب علماء الدّين الأكاديميين وعلماء الآثار وعلماء الأنثروبولوجيا فمكان البدء ليس الكتاب المقدّس بل
 (( إنوما إليش )) …

 

(ألواح إنوما إليش)

 

قصّة الخلق البابليّة التي تمّ اكتشافها من علماء الآثار في مكتبة آشوربانيبال وتمّ تأريخ أصلها على أنّها كتبت حوالي سنة 1750 قبل الميلاد، حيث قصّة الخلق هذه جمعت أصولا من جميع ديانات بلاد ما بين النّهرين في ذلك الوقت بشكل متقارب حيث كانت تلك الشّعوب تعبد عدّة آلهة ولا يوجد أي أثر ليهوديّة توحيديّة في ذلك الزّمن.

 

في إنوما إليش مردوخ كبير الآلهة البابليّة هزم التعامة وهو إله الفوضى على شكل التنّين وبعد ذلك أنشأ الإله البابلي هذا الكون.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مردوخ يقاتل التعامة

 

 

 

 


وفي قصّة الخلق البابليّة يوصف العالم الأول بأنّه فوضى وفراغ، ومن ثمّ يتمّ خلق الشّمس والقمر والسّماء والأرض والبشريّة وفق نظام، وهذه التّفاصيل مهمّة كما سوف نرى بعد 1150 سنة عندما نفي بني إسرائيل إلى بابل حيث يتمّ إضافتها وتعديلها في كلّ من سفر أشيعاء وسفر التّكوين كأوّل فصل من التّوراة العبرانيّة والإنجيل المسيحي.

هناك نقطة أخرى والتي يجب أن نسلّط عليها الضّوء وهي الدّيانة الكنعانيّة والتي أعاد اكتشافها علماء الآثار من ألواح طينيّة وجدت في أوغاريت تقع على شمال السّاحل السّوري وتبعد 15 كيلو متر شمال مدينة اللاذقيّة، ( المترجم ) وهي ميناء قديم لمدينة قديمة في سوريا والقصص التي وردت في تلك الألواح تمّ تأريخها أنّها كتبت أصلا قبل 1200 سنة قبل الميلاد.

 

وكان الكنعانيون يعبدون آلهة متعدّدة أيضا كما فعل البابليون ومن بين تلك الآلهة العديدة التي عبدها الكنعانيون ثلاثة آلهة مهمين لبقيّة البحث وهم ( العليون ) وهو الله العلي والذي كان يعتقد بأنّه أب كلّ الآلهة الكنعانيّة و( أشيرة ) زوجة العليون و( بعل ) إله الخصوبة والعواصف، ولا يوجد أي أثر في الدّيانة الكنعانيّة لـ ( ألوهيم ) إله بني إسرائيل في السّجل الأثري الكنعاني.

ولكن في وقت ما خلال السّنوات الـ 500 القادمة تطوّرت ديانة بني إسرائيل لأنّه في هذا الوقت من سنة 950 و850 قبل الميلاد بدأ بنو إسرائيل بكتابة حساباتهم المستقلّة من تاريخهم والتي سوف تدمج لاحقا في قصّة واحدة بداية من سفر التّكوين الفصل الثاّني، ولا شيء من كتابات بني إسرائيل توافق مع تسجيلات البابليين ولا الكنعانيين الذي سبقت كتاباتهما كتابة بني إسرائيل بمئات السّنين.

وبسبب طبيعة القصص فإنّ الاستنتاج الأكثر منطقيّة على ما يبدو أنّها قصص أسطوريّة استخدمها بنو إسرائيل لتفسير العالم من حولهم وإيجاد معنى في مناخها الثقافي ولكن كل هذا تغير في سفر التكوين الفصل الثّاني عشر من قصّة إبراهيم ، حيث هنا نجد صلة بين دين بني إسرائيل ودين الكنعانيين وهنا يمكن أن نرى في النّسـخة العبـريّة من التّوراة ذكرت بأنّ إبراهيم
 عبد ( الشداي ) وهو اسم لأحد أسماء الإله الكنعاني العليون، يقول القدّيس الأنبا تكلا في
 موقعه : الأسماء الوصفيّة: لتمييز “إله إسرائيل” باعتباره أسمى عن كلّ الآخرين المدعوين آلهة، كثيرا ما تضاف ألقاب وصفيّة، “فإيل عليون” يشير إلى إله إسرائيل الأعلى بين الآلهة (تك14: 1820)، وهكذا “ياه عليون” الرب العلي (مز7: 17) و”عليون” (العلي) فقط يتكرّر كثيرا في [المزامير->http://st-takla.org/pub_oldtest/19_psalm.html] وفي [إشعياء->http://st-takla.org/pub_oldtest/23_jesa.html] (14: 14)[.->http://st-takla.org/] وإيل شداي فقط، مصطلح يترجم بناء على تقليد قديم “الله القدير” ولكن اشتقاقه ومعناه غير معروفين تماما. ( المترجم ) 

وإبراهيم يتفاعل مع العليون بطريقة شخصيّة جدّا وهذا يعكس الدّيانات الوثنيّة الأخرى في ذلك الوقت فعلي سبيل المثال في سفر التّكوين الفصل الثّامن عشر يزور العليون إبراهيم بصورة إنسان وتحدّث معه شخصيّا : (( ظهر له الرب عند بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمة وقت حرّ النّهار )) .الإصحاح 1 ( المترجم ) .

 

يجدر بنا أيضا أن نشير إلى أنّ يعقوب والذي هو من نسل إبراهيم حدثت له نفس التّجربة ففي سفر التّكوين : الفصل الثّامن والأربعون : (( قال يعقوب ليوسف الله القادر على كلّ شيء ظهر لي في لوز في أرض كنعان وباركني )) الإصحاح 3 ( المترجم )، وتحدث مع العليون أيضا في المنام ففي سفر التّكوين الفصل الثّامن والعشرون : ((فاستيقظ يعقوب من نومه وقال حقّا إنّ الرب في هذا المكان وأنا لم أعلم )). الإصحاح 16 ( المترجم ).

ولاحقا يعقوب يتصارع مع العليون وهو على هيئة إنسان في سفر التّكوين الفصل الثّاني والثّلاثون : ((فبقي يعقوب وحده وصارعه إنسان حتّى طلوع الفجر… وقال ( ليعقوب ) أطلقني لأنّه قد طلع الفجر فقال ( يعقوب ) لا أطلقك إن لم تباركني… فقال ( الرب ) : له ما اسمك فقال ( يعقوب ) : يعقوب… فقال ( الرب ) : لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل لأنّك جاهدت مع الله والنّاس وقدرت… فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل قائلا لأنّي نظرت الله وجها لوجه ونجيت نفسي )). الإصحاح 24 و 26 و 27 و 28 و 30 ( المترجم )

ونرى استنادا على هذه الوقائع أنّ يعقوب حول العليون الخاصّ به إلى ألوهيم وهو مصطلح من الدّيانة الكنعانيّة ويعني أن يعقوب جعل العليون إلهه الرّئيسي والطريقة الوحيدة لفهم معنى هذا المصطلح هو أنّ يعقوب كان يؤمن أنّ العليون إلها واحد من آلهة عديدة وأن يعقوب كان ملزما بهذا الإله بالخصوص من أجل الحصول على حماية خاصة وبعبارة أخرى أصبح واضحا من المصطلح المستخدم والآلهة التي عبدوها أن إبراهيم واسحق ويعقوب كانوا يعبدون عدّة آلهة وكانوا أيضا وثنيين كبقية الأقوام في كنعان وبابل.

عبادة العليون تبدأ بالتّلاشي من النصّ العبري حين الدّخول لسفر الخروج حيث حل مكانه
 ( يهوه ) الذي يقال عنه إنّه أنقذ اليهود من العبوديّة في مصر كما ذكر في سفر الخروج الفصل الثّامن عشر : (( قال يثرون مبارك الرب الذي أنقذكم من أيدي المصريين ومن يد فرعون الذي أنقذ الشّعب من تحت أيدي المصريين )). الإصحاح 10 ( المترجم ). 

 وقصـة سفر الخروج بالتّحديد تفسيرها من فيلم الرّسوم المتحرّكة ( أمير مصر ) وهو فيلم من إنتاج شركة والت ديزني ( المترجم ) حيث يصوّر المصريين القدماء بأنّهم سافلين استعبدوا عرق كامل بشراسة لغرض بناء الصروح العملاقة فقط لتمجيد أنفسهم وعلى الرغم من أنّ القصّة مؤثرة للانتصار والخلاص مع القمع والعبودية على المستوى التّاريخي إلا أنّها تتناقض مع الأدلة الأثريّة الحديثة التي لدينا عن الأعمال الداخلية للحضارة المصريّة القديمة خاصة بممارستهم المتعلقة بملكية العبيد ، فالأدلة الأثرية الحديثة تؤكّد أن العمال الذين بنو جميع المعالم والصروح في مصر من الأهرامات إلى أبي الهول كانوا مواطنين مصريين يصرف لهم المال ومنحوا مساكن جيّدة وتغذية جيدة ورعاية طبية جيدة وكذلك دفنوا بشرف.

كمثل العديد من الحضارات القديمة امتلك المصريون عبيد لكن ليس هناك دليل على أنّهم ملكوا هذا الحجم الذي ذكر في الكتاب المقدس أو أنّهم استعبدوا عرقا بأكمله بينما يبدو سفر الخروج أسطوري إلى حد كبير ففي الفصل الأول : (( فاستعبد المصريون بني إسرائيل بعنف )) الإصحاح 13 ( المترجم ) ، إلا أنه يخبرنا ويكشف لنا توجهات تعدد الآلهة لبني إسرائيل بعد أن أنقذ يهوه العبرانيين من المصريين ونرى حتى في الترجمات الإنجليزية لسـفر الخروج أنهم يترنمون
فمن مثلك يا رب الآلهة ” ، وأيضا ” واعلم أنا الرب أعظم من جميع الآلهة “.

وسفر الخروج أيضا أسس يهوه على أنه إله الحرب لبني إسرائيل ووصفه بأنّه محارب عظيم جلب لهم النّصر على مصر في حين تواصل التّوراة طبيعتها التعدّدية للإلهة كما ذكر هذا في الفصل الخامس عشر : (( الرَّبُّ رَجُلُ الْحَرْبِ الرَّبُّ اسْمُهُ )) الإصحاح 3 ( المترجم ).

بعد الوصول إلى أرض الميعاد لم يعد هناك حاجة لمساعدة إله الحرب، ورغب بنو إسرائيل بدلا من ذلك الازدهار في سلام بني إسرائيل، بدؤوا مرّة أخرى في عبادة الآلهة الكنعانيّة للخصوبة بعل وأشيرة، وقبل قراءة كتاب “تاريخ الله ” لكارين أرمسترونغ لم يكن هناك أي معنى لمثل هذه الإصحاحات بالنّسبة إلى ترجمة الانجليزيّة للكتاب المقدّس.

العبرانيون اختاروا بعل وأشيرة !!! كيف يمكن أن يكون اليهود حمقى بهذا الشّكل ؟

 لماذا لا يعبدون الإله الواحد خالق جميع الخلق ؟ الصّورة تبدو مختلقة عندما يكون الإله الذي من المفترض أن نعبده هو يهوه ( سايبوث ) إله الجيوش، بدأ يهوه أساسا كنسخة من إله الإغريق آريس، ولا عجب إن كان مهووسا بالحرب والموت في العهد القديم وهذا كان سابقا حينما كان لا يزال مجرّد إله حرب لهم.

 

 

 

 

أريس إله الحرب الإغريقي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الآن أصبحت الصورة واضحة ولها معنى، على غرار الإغريق القدماء كان لليهود أيضا مجموعة من الآلهة يعبدونها على الأقل يهوه، بعل، وأشيرة ومع الأدلة الأثريّة التي تشير إلى تعدّد الآلهة في بدايات ثقافة بني إسرائيل في واحدة من أقدم التّحف الأثريّة من إسرائيل منذ 1000 سنة قبل الميلاد.

عبادة الآلهة المتعدّدة انفصلت عن مجتمع بني إسرائيل على الرّغم من عبادتهم التعدّدية، كان لبعضهم توجّه وتفاني قويّ بشكل غير معتاد على عبادة يهوه على وجه من الخصوص والذي سنشير له الآن باسم ياهوسيس، في وقت السّلم لم يكن هناك حافز كبير يجعل بني إسرائيل يعطون وزنا لآراء متطرّفة مثل آرائهم في الثّقافة العبريّة.

بعد وفاة الملك يريعام الثّاني ملك المملكة الإسرائيلية الشماليّة ( المترجم ) حوالي 750 قبل الميلاد كانت المملكة الإسرائيليّة الشماليّة في حالة فوضى وعلى رأس ذلك كان من المعروف أن الآشوريين كانوا يرغبون في السّيطرة على إسرائيل عند ضعفها، ومن حالة الاضطراب هذه نشأة ثلاثة أنبياء وهم : أشعياء، عاموس وهوشع، وهؤلاء الثلاثة دعوا إلى عبادة الآلهة الأخرى، ومن نبوءاتهم تستطيع أن ترى كل نسخة من الإله يهوه أنشئت على صورهم.

فأشعياء هو عضو في العائلة المالكة كان يرى يهوه على أنّه ملك ففي سفر أشعياء الفصل
الثّاني : ((
ويدخلون في مغاير الصّخور ووفي حفائر التّراب من أمام هيبة الرب ومن بهاء عظمته عند قيامه ليرعب الأرض )) الإصحاح 19 ( المترجم )، وعاموس كان راعيا قد نسب تعاطفه مع معاناة الفقراء ليهوه ففي سفر عاموس الفصل الخامس : (( لذلك من أجل أنكم تدوسون المسكين وتأخذون منه هديّة قمح بنيتم بيوتا من حجارة منحوتة ولا تسكنون فيها

 وغرستم كروما شهية ولا تشربون خمرها )) الإصحاح 11 ( المترجم )، وهوشع الذي كان يعاني من مشاكل الزّواج رأى يهوه كزوج مهجور يشعر بالحنان ويتوق لزوجته إسرائيل ففي سفر هوشع الفصل الرابع عشر : (( أكون لإسرائيل كالندى يزهر كالسوسن ويضرب أصوله
كلبنان ))
الإصحاح 5 ( المترجم )، وفي نهاية المطاف دعوتهم لم تنقذ قبائل الشمال، وفقد سقطوا بيد الآشوريين في عام 711 قبل الميلاد، ولكن كلماتهم عاشت في الكتاب المقدس العبراني وفي المخيلة العبرانية.

عبادة يهوه الرب تلقت دفعه أخرى خلال حكم الملك يشوع وفي عام 622 قبل الميلاد خلافا لأسلافهم الذين رحبوا بالوثنية، يشوع كان يعبد ياهوسيس ( يهوه ) ( أنظر صفحة السابقة كما أشرنا ) بكلّ إخلاص وتشدد وكبقية الأنبياء قبله كان يشوع مقتنعا بأنّ معاناة اليهود الاجتماعيّة سببها عدم الإخلاص والتّفاني لعبادة يهوه وفي وقت تجديد بناء المعبد اكتشف الكاهن الأعلى “حلقيا” القانون المفقود الذي زعم أنّه من تأليف النبي موسى وهذا الكتاب هو سفر التثنية، نظرا لاكتشافه في الوقت الملائم فضلا عن ميزاته اللغوية اتفق علماء الكتاب المقدّس مثل ريتشارد إليوت فريدهان أنّه مزور، وفي سفر التثنية عقد صارم لعبادة يهوه كذلك الرّفض الكامل لأي آلهة أخرى وفيه أمر لليهود بهدم المذابح وتحطيم الأصنام للآلهة الأخرى كما ورد في الفصل السابع : (( وَلكِنْ هكَذَا تَفْعَلُونَ بِهِمْ: تَهْدِمُونَ مَذَابِحَهُمْ، وَتُكَسِّرُونَ أَنْصَابَهُمْ، وَتُقَطِّعُونَ سَوَارِيَهُمْ، وَتُحْرِقُونَ تَمَاثِيلَهُمْ بِالنَّارِ )) الإصحاح 5 ( المترجم )... والفصل الثاني عشر: (( وَتَهْدِمُونَ مَذَابِحَهُمْ، وَتُكَسِّرُونَ أَنْصَابَهُم وَتُحْرِقُونَ سَوَارِيَهُمْ بِالنَّارِ، وَتُقَطِّعُونَ تَمَاثِيلَ ِآلهَتِهِمْ ، وَتَمْحُونَ اسْمَهُمْ مِنْ ذلِكَ الْمَكَانِ ))
 
الإصحاح 3 ( المترجم ).

 وكردة فعل سفر التثنية شرع ليشوع وحاشيته بتنفيذ الإصلاحات التي تؤسس رسميا الإله يهوه كإله رسمي لبني إسرائيل، والإصطلاحيون أيضا أعادوا كتابة تاريخ بني إسرائيل والكتب التاريخيّة ليشوع، وتمّ تنقيح سفر القضاة وسفر صموئيل وسفر الملوك وفقا للعقيدة الجديدة، وأضاف معدلي الأسفار الخمسة في وقت لاحق تفسيرا من سفر التثنية لقصّة سفر الخروج إلى القصص القديمة التي كتبها بنو إسرائيل ففي سفر التثنية الفصل الأول : ((الرب إلهكم السائر أمامكم هو يحارب عنكم حسب كل ما فعل معكم في مصر أمام أعينكم )) الإصحاح 30 ( المترجم )، وكراهيّة يهوه العميقة للآلهة الأخرى تمّ ترسيخها في تاريخ بني إسرائيل المعدل إذ حولوا الإله الدموي يهوه إلى إله أكثر دموية حيث أنه يأمر يشوع بالقيام بإبادة جماعية لسكان بني كنعان لعبادتهم آلهة أخرى ففي الفصل الثالث من السفر نفسه : (( وأمرت يشوع في ذلك الوقت قائلا عيناك قد بصرتا كل ما فعل الرب إلهكم بهذين الملكين هكذا يفعل الرب بجميع الممالك التي أنت عابر
إليها ))
الإصحاح 21 ( المترجم )، وأيضا (( لا تخافوا منهم لأن الرب إلهكم هو المحارب عنكم )) الإصحاح 22 ( المترجم ).

من المثير للاهتمام على الرّغم من تطبيق هذه العبادة الصارمة ليهوه فإنّ التّوحيد لم ينشأ بعد والأدلة من إصحاحات سفر التثنية تشير إلى ذلك مثل ما ذكر في الفصل الخامس : (( لا يكن لك آلهة أخرى أمامي )) الإصحاح 7 ( المترجم ) تدل على أن يشوع لا يزال يعتقد في وجود آلهة أخرى ومازالت تعدديّة الآلهة قائمة وإنّما يهوه مجرّد نموذج لعبادة إله من ضمن آلهة متعدّدة بشكل حصري وترفض بشدّة عبادة أية آلهة أخرى حيث أن تهيئة الأجواء للتوحيد لم تكن متوافرة (المترجم ).

في عام 604 قبل الميلاد وصل الملك نبوخذ نصر الثاني إلى السلطة في بابل وكان معروفا في ذلك الوقت أن نبوخذ نصر أراد احتلال القدس (أورشليم ) وحينما اجتمعت جيوشه تم الاستعداد لهذا الاحتلال، وفي هذه الأثناء ظهر نبي آخر يدعى إرميا يدعو إلى عبادة يهوه وحده ورفض أية آلهة أخرى وأن هذا هو الحل الأمثل لمشاكل بني إسرائيل ففي سفر أرميا الفصل الحادي
عشر : (( فقال الرب لي ناد بكل هذا الكلام في مدن يهوذا وفي شوارع أورشليم قائلا اسمعوا كلام هذا العهد واعملوا به )) الإصحاح 6 ( المترجم )… وأيضا (( قد رجعوا إلى آثام آبائهم الأولين الذين أبوا أن يسمعوا كلامي وقد ذهبوا وراء آلهة أخرى ليعبدوها قد نقض بيت إسرائيل وبيت يهوذا عهدي الذي قطعته مع أبائهم )) الإصحاح 10 ( المترجم )، غير أن هذا النبي الجديد إدعى أن الوقت فات لإصلاح الأمر وأن يهوه استخدم الجيش البابلي ليلقن اليهود درسا وكما تنبأ إرميا ففي سفر إرميا أن سقوط القدس بيد بابل لا مفر منه الفصل الحادي عشر:
 (( لذلك هكذا قال الرب ها أنا ذا جالب عليهم شرّا لا يستطيعون أن يخرجوا منه ويصرخون إلي فلا أسمع لهم )) الإصحاح 11 ( المترجم ).

 

وكانت القوات البابلية ضخمة جدا والقدس في حال ضعيفة ودمر المعبد ونفي العبرانيين من أرضهم ليعيشوا في بابل.

 

 

 

 

 رسم لسبي اليهود إلى بابل ويظهر المعبد محترقا

 

 

 


وبدأ المنفى البابلي، وكان إحساسهم بالهزيمة مريرا.

الآلهة القديمة في بلاد ما بين النّهرين يرتبط كل منها بمكان وبأرض محددة، عندما نفي اليهود إلى بابل شعروا أنّهم لم يعودوا متصلين بيهوه ” كيف نشدو بترنيمة الرب في أرض غريبة “.

حزقيال، هو النبي الذي ظهر بين اليهود في المنفى كما ذكر في سفر حزقيال في الفصل الأول : (( أنا بين المسبيين عند نهر خابور أن السمـاوات انفتحت فرأيت رؤى الله )) الإصحاح 1
( المترجم )،
وأعرب كيف أصبح العبرانيون غرباء وأن الرب يعاقبهم على خطاياهم ففي السـفر نفسه الفصل الرابع : (( هكذا يأكل بنو إسرائيل خبزهم النجس بين الأمم الذين أطردهم إليهم )) الإصحاح 13 ( المترجم )... كما أنّه بدأ يعنفهم على ما اقترفت أيديهم حتى وإن أنجاهم وخلصهم كـما ورد في الفصل السادس : (( الناجون منكم يذكرونني بين الأمم الذين يسبون إليـهم إذا كسـرت قلبهم الزاني الذي حاد عني وعيونهم الزانية وراء أصنامهم ومقتوا أنفسهم لأجل الشرور التي فعلوها في كل رجاساتهم )) الإصحاح 9 ( المترجم )، هو أيضـا اتهم العبرانيين بتقصيرهم في عبادة يهوه وأن هذا هو سبب محنتهم في وقت كان فيه بنو إسرائيل متهاونين في وقت بدا فيه أن عبادة الرب يهوه ستموت.

بالتّأكيد حصل شيء فعلته جميع الدّيانات عبر التّاريخ لكي تنجو وتبقى على قيد الحياة، تمّ تغيير التوراة وأنشأوا المؤلف الجديد، والذي يطلق عليه الأكاديميون سفر أشعياء الثّاني والحق كلماته كتلك الواردة في سفر إشعياء الأول في الفصل الرّابع والأربعون : (( هكذا يقول الرب ملك إسرائيل وفاديه، رب الجنود: أنا الأول وأنا الآخر، ولا إله غيري )) الإصحاح 6 ( المترجم ).

نشأ التّوحيد من هذه الثقافة التوحيديّة الجديدة ثم تمّ إعادة كتابة تاريخ بني إسرائيل مرة أخرى وإعادة كتابة سفر الخروج لينصص على أن “الشداي” الذي عبده إبراهيم والرب الذي عبده موسى هما نفس الإله يهوه، وشرحوا أن أية إشارة إلى العليون إنّما مجرد اسم آخر ليهوه ففي سفر الخروج الفصل السادس : (( ثم كلم الله موسى وقال له أنا الرب )) الإصحاح 2 ( المترجم )
 وأيضا… (( أنا ظهرت لإبراهيم واسحق ويعقوب بأني الإله القادر على كل شيء وأما باسمي يهوه فلم أعرف عندهم )) الإصحاح 3 ( المترجم ).

وقاموا بتأليف سفر اللاويين، كما وضعوا سفر التّكوين كنسخة معدلة من أسطورة الخلق البابلية.

وإشعياء الثّاني أعاد كتابة الأساطير البابلية المنسوبة لمردوخ مثل هزيمته للتنّين التعامة
( الفوضى ) أنظر الصفحة 3 من البحث ( المترجم ) ونسبها إلى يهوه في سفر إشعياء الفصل الواحد والخمسين : ((استيقظي استيقظي إلبسي قوة يا ذراع الرب استيقظي كما في أيام القدم كما في الأدوار القديمة ألست أنت القاطعة رهب الطاعنة التنين )) الإصحاح 9 ( المترجم ) وأيضـا…
 (( ألست أنت هي المنشفة البحر مياه الغمر العظيم الجاعلة أعماق البحر طريقا لعبور
 المفديين ))
الإصحاح 10 ( المترجم )، غيرت التوراة لتبدو أكثر توحيدية.

 

 

 

وفي عام 600 قبل الميلاد ولد الإله التّوحيدي للعالم إله اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام.

في اللحظة التي عرفت فيها هذا، تغير تصوري بالكامل للكتاب المقدس، إصحاحات غير منطقيّة وغير مفهومة أصبح لها معنى الآن، كان هذا موت التوحيد بالنسبة إلي، إنّه ليوحي بأن يمكنني أن التقط واحد من ملايين الأناجيل في أمريكا من غرف الفنادق أو في محال بيع الهدايا وأرى الوثنيّة تقطر منه، استطعت أن أرى بأم عيني كيف للبشريّة أن تلد الإله الواحد.

كلمة الختام :

هذه نهاية رحلتنا مع تاريخ الله إله الأديان الثلاثة ورأينا كيف تطورت فكرته من أساطير وآلهة أخرى، وأنّي لأرجو من خلال هذا البحث الذي أرهقني كثيرا برغم صفحاته القليلة فلم أتمكن من إنجازه إلا بعد قراءة الكتاب المقدّس بالكامل قراءة نقديّة بطريقة تختلف تماما عمّا كنت أقرأه في السّابق فقط لأتمكّن من استخراج الشّواهد والنّصوص التي تتوافق مع مادة البحث وليسـهل على القارئ فهمها بكلّ سلاسة دون تعب أن يجد ثمرته في العقول الباحثة عن الحقيقة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق