تفاقم الظواهر الإجرامية… مسؤولية مشتركة

أصبحت الظواهر الإجرامية في السنوات الأخيرة تشكّل إحدى أخطر وأهم المواضيع التي تثير اهتمام الحكومات وأهل الاختصاص، بعد أن ارتفعت نسب الإجرام في مختلف أنحاء العالم، فقد أكدت إحصائيات الأمم المتحدة على أن زيادة حجم الجريمة كل عام بلغت نسبة 5% وهي تفوق بكثير نسبة زيادة عدد السكان(1) . كما تفاقمت ظاهرة العود للحياة الإجرامية والسجنية بشكل مخيف في أغلب المؤسسات السجنية، الشيء الذي جعل العديد من البلدان تفكّر بجديّة في إيجاد حلول بديلة للعقوبات السجنيّة، إذ ” تصل في بعض الدول العربية إلى 24% وفي أمريكا 54.5%… وفي امارة دبي في الفترة من 1996 الى 1998 تراوحت ما بين 33.19% الى 61.9%… وفي دراسة أجراها الدكتور عبد الله عبد الغني على بعض الدول العربية تونس والأردن ومصر توضح أن متوسط العود بين نزلاء السجون في هذه الدول قد بلغ 24% من المودعين في سجونها عام 1993 وأوضحت دراسة اجريت في الكويت ان نسبة العائدين عام 1980 قد بلغت 22.5% وفي مصر بلغت عام 1969 حوالي 27.5%(2). وأشار تقرير وزراء الداخليّة العرب منذ سنة 1994 إلى أنّ نسبة العود في البلدان العربيّة وصل في بعض البلدان العربيّة إلى حوالي 70%…
ومن جهة أخرى، أكدت تقارير الأمم المتحدة أن تجارة المخدرات تحولت إلى ظاهرة عالمية تمس أكثر من 170 بلدًا وإقليمًا من بينها تونس وتديرها شبكات عالمية، وتساهم هذه التجارة بأكثر من 8% من مجموع التجارة العالمية مع أن الكمية المضبوطة مقارنة بما يتم تهريبها تشكل نسبة ضئيلة جدا، مما يؤكد مدى خطورة هذه الظاهرة. أشارت تقارير ديوان الأسرة والعمران البشري والدراسة الأخيرة للمعهد الوطني للصحة التي شملت 500 شابا إلى أن نسبة استهلاك المخدرات لدى شباب تونس بلغت حدود 10% ، وأن نسبة المواظبين أو المدمنين تجاوزت الـ3% حسب دراسة إحصائية لفئة شبابية تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة. وأثبتت دراسة أخرى شملت 367 مدمنا أن 93% من المدمنين هم من فئة العزاب وأن 78% استخدموا المخدرات قبل سن العشرين وأن 63% تراوحت أعمارهم بين 15 و20 سنة .

هذه الأرقام المفزعة تجعلنا نتساءل عن الجهات المسؤولة عن تفاقم الظواهر الإجرامية، خاصة وأن الشخص المجرم شأنه شأن بقيّة أفراد المجتمع، كائن اجتماعي يعيش وسط مناخ اجتماعي، ويتفاعل سلبيّا وإيجابيّا مع مؤسسات المجتمع بمختلف أنواعها وأشكالها. وهذه المؤسسات يمكن أن تلعب دورا مزدوجا، فمن جهة أولى يمكن للمؤسسات الاجتماعيّة أن تساهم في نحت ملامح الشخصيّة “الانضباطيّة” والشخصيّة “السويّة” الرافضة لكل أشكال الممارسات الإجراميّة والانحرافيّة، ومتقيّدة بصفة طوعيّة أو إجباريّة بالمعايير والقيم الاجتماعيّة… ومن جهة أخرى، يمكن أن تلعب هذه المؤسسات الاجتماعيّة دورا معاكسا ومتعارض مع الضوابط الاجتماعيّة، لتكون أحد العوامل الداعمة للسلوك الإجرامي والانحرافي.
ورغم تعدد المؤسسات الاجتماعيّة التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بظاهرة العود والظاهرة الإجراميّة بشكل عام، إلاّ أنّنا سنحاول الاقتصار على ست مؤسسات تناولتها بعض الدراسات المختصة ف هذا المجال وهي:
– مؤسسة الأسرة.
– المؤسسة التعليميّة.
– المؤسسة الإعلاميّة.
– المؤسسة الأمنيّة.
– المؤسسة القضائيّة.
– المؤسسة السجنيّة.

{{مؤسسة الأسرة}}

الأسرة هي المؤسسة الاجتماعيّة الأولى التي يتفاعل معها الفرد ويتأثّر بها، ويصنّفها بعض المفكرين ضمن ما يسمى بالوسط الاجتماعي المفروض، أي الوسط الذي يفرض على الفرد ولا يساهم في اختيارها. ويفرّق تشارلز كولي بين الجماعات الأوّلية والجماعات الثانويّة لذلك يصنّف العائلة ضمن “الجماعات الأوّلية الأساسيّة التي ينتمي إليها الأفراد تلقائيّا… أمّا الجماعات الثانويّة فهي الجماعات الكبيرة التي يطلق عليها اسم المنظمات الاجتماعيّة كالجيش والقوات المسلحة، الجامعة والمصنع الكبير.” وتتحدّد خصائص الجماعات الأوّلية حسب تشارلز كولي بكونها “جماعة صغيرة الحجم تتميّز بعواطف وعلاقات اجتماعية متماسكة، وهي الجماعة التي تزرع المقاييس الأخلاقيّة والقيمية الأساسيّة عند أعضائها وتلعب دورا كبيرا في صب سلوكهم وأخلاقهم وايديولوجيتهم في قالب معيّن. كما تساعد على إرساء قواعد الاستقرار والطمأنينة في المجتمع من خلال سيطرتها على وسائل الضبط الاجتماعي التي تدفع الأفراد على الالتزام بالقواعد السلوكيّة التي يقرها ويلتزم بها المجتمع”(3).
والسؤال الذي نطرحه هو كيف يمكن لمؤسسة العائلة أن تساهم وتغذي السلوك الإجرامي لدى الفرد؟
يمكن للمؤسسة العائليّة أن تكون تشكّل عاملا مشجّعا ودافعا للإجرام من خلال الحالات التاليّة:
أوّلا، سوء معاملة الوالدين للولد:

من الأمور التي يكاد يجمع علماء التربية عليها، هو أن الطفل إذا عومل من قبل أبويه المعاملة القاسية، وأدّب من قبلهم بالضرب الشديد، والتوبيخ القارع، والتشهير والسخرية، فإن ردود الفعل ستظهر في سلوكه وخلقه، وإن ظاهرة الخوف والانكماش ستبدو في تصرفاته وأفعاله، الأمر الذي قد يؤدى به إلى ترك المنزل نهائياً تخلصاً مما يعانيه من المعاملة الأليمة، وهكذا قد يتعرض إلى حياة التشرد والجريمة.(4)

ثانيا، تخلى الأبوين عن تربية الولد:
من العوامل الرئيسة التي تؤدى إلى انحراف الطفل هو تهاون الأبوين وتخليهم عن تربيته التربية الصحيحة. وعدم القيام بواجب المسؤولية تجاه من ترعاهم، وتقوم على تربيتهم. فإذا قصّرت الأم مثلا في واجبها التربوى لسبب من الأسباب، وإذا أهمل الأب مسؤولية التوجيه والتربية نحو أولاده لانشغاله بمطالب الحياة أو غيابه المستمر عن المنزل أو لانصرافه وقت الفراغ إلى اللهو والسهر مع الأصحاب… فلا شك أن الأولاد سينشئون نشأة اليتامى، ويعيشون عيشة المتشردين، بل سيكونون سبب فساد وأداة إجرام للمجتمع بأسره “.(5)

ثالثا، التنشئة الاجتماعيّة وتوريث الإجرام:
إذا كانت التنشئة الاجتماعيّة تعني جعل الفرد مناسبا للحياة في المجتمع. وأنّ وظيفة العائلة ترتبط بمقولة التنشئة الاجتماعيّة التي هي “عمليّة التثبيت التي تستمر طوال الحياة كلّها، حيث يتعلّم الفرد القيم والرموز الرئيسيّة للأنساق الاجتماعيّة التي يشارك فيها، والتعبير عن هذه القيم في معايير تكون الأدوار التي يؤدّيها هو والآخرين…” (6)، فإنّ العديد من الأفراد يجدون أنفسهم داخل وسط عائلي يشجعهم على الدخول إلى عالم الإجرام والجريمة منذ مرحلة طفولتهم.

{{المؤسسة التعليميّة}}

مثلت علاقة المؤسسة التعليميّة بالظاهرة الإجراميّة موضوع اختلاف بين علماء الإجرام الذين انقسموا بدورهم إلى اتجاهين:
يرى الاتجاه الأوّل أن التعليم من شأنه أن يخفّض من احتمال ارتكاب الشخص للفعل الإجرامي، ويخفض من نسب الإجرام، وذلك من خلال صقل شخصيّة المتعلّم بالقيم والسلوكيات التي يوافق عنها المجتمع. ويعلّم الشخص الانضباط واحترام القوانين، كما يجعل الفرد قادرا على ضبط نفسه وعدم الاندفاع إلى طريق الإجرام. إضافة إلى كل ذلك فترة الدراسة الطويلة ترتبط بالمراحل الأولى من حياة الإنسان التي تتشكّل فيها شخصيته وتنمو فيها معارفه وخبراته وتبعده عن الاحتكاك بأوساط اجتماعيّة سيئة… (7)

أمّا الاتجاه الثاني، فيرى أن التعليم لا يؤدّي إلى انخفاض الظاهرة الإجراميّة، فالمدرسة الوضعيّة مثلا وعلى رأسها “لمبروزو” ترى أن التعليم لا يقلّل من نسبة الإجرام “بل يتيح له على العكس من ذلك إتقان الشر وتطويره لأنّه يزوّده بفيض من الأساليب والوسائل ينهل منها فيصبح إجرامه أحكم تدبيرا وأدقّ تنفيذا ولهذا كان لمبروزو من المعارضين لفكرة تعليم المجرمين في السجن. (8)

كما أن انخفاض نسب الأميّة وتشجيع المؤسسات التعليميّة في السنوات الأخير وعدم تأثيره على نسب الإجرام والجريمة جعل أنصار هذا الاتجاه يؤكّدون مبرراتهم…
هذه عموما بعض الاتجاهات التي تناولت قضيّة العلاقة بين المؤسسة التعليميّة والظاهرة الإجراميّة، أمّا بالنسبة لنتائج بحثنا، واحتكاكنا بالمجتمع المدروس فإنّنا نسجل النقاط التاليّة:

– النقطة الأولى، تؤكّد نتائج البحث موافقة جزيّة للاتجاه الأوّل (القائل بأنّ التعليم من شأنه أن يخفّض من احتمال ارتكاب الفعل الإجرامي، ويخفض من نسب الإجرام)، فجلّ أفراد العينة المدروسة والمجسّدة لظاهرة التعوّد على الحياة الإجراميّة والحياة السجنيّة غادروا الحياة الدراسيّة في سن مبكّر، كما أن احترافهم الإجرامي بدأ مباشرة بعد الابتعاد عن المدرسة.
– النقطة الثانيّة، هو أنه قد يكون للتعليم تأثير إيجابي على ظاهرة التعود على الحياة الإجراميّة والتعوّد على الحياة السجنيّة، بمعنى التخفيض من نسبة التعوّد، ولكن هذا التأثير لا يمكن أخذه بشكله التعميمي، لأنّه يرتبط بالأساس بجرائم محدّدة أو ما يطلق عليها بعض علماء الإجرام بالجرائم التقليديّة كجرائم العنف بمختلف أنواعه وجرائم السرقة (سرقة مجرّدة وسرقة موصوفة). أمّا بالنسبة للجرائم الأخرى فقد نلاحظ وجود تأثير سلبيّ للتعليم بمعنى ارتفاع ما يسمى بالجرائم الماليّة وجرائم الياقيات البيضاء.

وما تجدر الإشارة إليه في هذا الموضوع هو أنه من الصعب توجيه اتهامات أو تبريرات للمؤسسات التعليمية في حد ذاتها لأن الظواهر الإجرامية والانحرافية بشكل عام تتحكم فيها العديد من المتغيّرات مثل البطالة والتنشئة الاجتماعية والدور الذي تقوم به مختلف المؤسسات الاجتماعية.

كما تشير الإحصائيات الرسميّة إلى وجود نوعا من التغيير في الجرائم المرتكبة، حيث عرفت الحياة الإجرامية نقلـة نوعيـة في السنوات الأخيرة فمثـلا بعـد أن كانت جرائم السرقة والاعتداء على المكاسب و الأشخاص تحتل صدارة الاحتراف الإجرامي، برزت في السنوات الأخيرة نوعية أخرى من الاحتراف الإجرامي وهي الجرائم المالية و التدليس و… ولهذا التغير في نوعية الجرائم دلالات وتأثيرات هامة على الحياة الاجتماعية للمواطن التونسي وعلى الحياة السجنية، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار طول فترة إيقافهم و طول العقوبة السالبـة للحرية لهذا النوع من الجرائم، وهكذا تصبح قضـية الاكتظاظ ليست مجرد قضية ظرفية أو مؤقتة بل مرض مزمن تشكوا منه كل السجون التونسية، وإحدى أهم عراقيل الإصلاح والتأهيل.

وما تجدر الإشارة إليه في هذا المجال هو أنّ مرتكبي هذه النوعيّة من الجرائم يتميّزون بجملة من الخصائص، أهمّها:
– معدّل السن لهذه الفئة يتراوح بين الـ25 و 45 سنة
– الانحدار من أوساط اجتماعيّة متوسطة أو فوق المتوسطة
– المستوى التعليمي: ثانوي أو جامعي…

{{المؤسسة القضائيّة}}

تعتبر المؤسسة القضائيّة إحدى أهم المؤسسات الاجتماعيّة التي يمرّ بها الشخص العائد أو المتعوّد على الحياة السجنيّة والإجراميّة، وترتبط بشكل مباشر بظاهرة العود، إذ يوكل المشرّع لهذه المؤسسة وظيفة تجريم الفعل المرتكب، ووظيفة الإدانة أو البراءة للمتهم، ووظيفة العقوبة المناسبة للشخص المجرم، كما قد يوكل لها أحيانا وظيفة العفو والسراح الشرطي.

وعلى إثر ربط المؤسسة السجنيّة بوزارة العدل عوضا عن وزارة الداخليّة عبر العديد من المهتمين والمختصين في هذا الميدان عن بوادر الانفراج و السير نحو إيجاد الحلول الكفيلة بتجاوز العديد من المشاكل الناتجة عن العقوبات السجنيّة كالاكتظاظ وتفاقم ظاهرة العود و… إضافة إلى إحداث ما يسمّى بقاضي تنفيذ العقوبات، والذي يعني أن المؤسسة القضائيّة لا تنتهي مهمتها بإصدار الحكم بل تمتدّ إلى مرحلة تطبيق العقوبات.. ولكن رغم كل هذه التغييرات التشريعيّة والمؤسساتيّة إلاّ أنّنا لا نكاد نلاحظ أي تغيير في مستوى الحد من ظاهرة التعوّد على الحياة السجنيّة بشكل خاص والحد من الظاهرة الإجراميّة بشكل عام. فقد بقيّة عقوبة السجن تحتل صدارة العقوبات الصادرة عن المؤسسة القضائيّة وازداد تفاقم أزمة الاكتظاظ داخل السجون. وسبق للأستاذ ساسي بن حليمة تناول هذه المسألة ضمن التقرير التمهيدي الذي قدّمه ضمن الندوة العربيّة الإفريقيّة حول “العدالة الجنائيّة والإصلاحات السجنيّة”، حيث تناول في تقديمه مسألتين أساسيتين لهما علاقة مباشرة بموضوع بحثنا:
وتتمثل المسألة الأولى في “تلافي السجن”، ويتم ذلك عبر “إخراج بعض الأفعال من ميدان تدخل القانون الجنائي ومن الأمثلة التي من الممكن إعطاؤها لتجسيد هذه النزعة إقصاء الأحداث أو المصابين بإخلال في المدارك العقليّة من الاستهداف إلى السجن. وكذلك الشأن بالنسبة إلى التشرّد Vagabondage الذي أضحى في بعض البلدان لا يعتبر جريمة يعاقب بالسجن.. وكذلك بالنسبة إلى تعاطي المخدرات الذي لا يستهدف إلى عقاب جزائي وإنّما عناية اجتماعيّة وطبيّة…”(9)

كما تحدّث الأستاذ بن حليمة أيضا على أشكال أخرى لتفادي السجن مثل الإعفاء المؤقتة من السجن كتجنّب إصدار بطاقة الإيداع ضد المضنون فيه وذلك في انتظار الحكم النهائي الذي سيصدر من المحكمة المختصة بالنظر، أو تأجيل التنفيذ البسيط Sursis simple أو تأجيل التنفيذ المقترن بمدة اختبار Sursis avec mise à l’épreuve…

أمّا المسألة الثانيّة فتتمثل في الحد من السجن، والتي منها ما يرتبط بمرحلة ما قبل صدور الحكم مثل الحد من مدة الاحتفاظ ومن مدة الإيقاف التحفظي.. ومنها ما يرتبط بمرحلة ما بعد صدور الحكم كالعفو والسراح الشرطي و… والذي يصبح ضمن مهام قاضي تنفيذ العقوبات (أي امتداد للمؤسسة القضائيّة التي أدانت وحكمت على المتّهم).

{{المؤسسة السجنيّة والعقابيّة}}

لا يمكن دراسة ظاهرة التعوّد على الحياة الإجراميّة والتعوّد على الحياة السجنيّة دون التطرّق إلى المؤسسة السجنيّة، ودون الرجوع إلى مقولة الدور (الذي تقوم به هذه المؤسسة أو الدور الذي ينتظر أن تقوم به) …. والدور حسب معجم علم الاجتماع هو “مصطلح علائقي، لأن المرء يؤدّي دورا في مواجهة دور شخص آخر مرتبط بوضع مضاد. فالطبيب يلعب دوره كطبيب بالنسبة لدور المريض …” (10) وبمعنى آخر حين نتحدّث عن دور المؤسسة السجنيّة فذلك يعني فهم هذه المؤسسة ضمن جملة من العلاقات الاجتماعيّة كعلاقتها بالشخص المجرم وعلاقتها بالمؤسسات الاجتماعيّة الأخرى وعلاقتها بانتظارات المجتمع…

وتجدر الإشارة إلى أن مقولة “دور المؤسسة السجنيّة” عرف العديد من التطوّرات والتغييرات مفرزة بذلك أنظمة سجنيّة مختلفة بحسب الدور المحدد لهذه المؤسسة والهدف السجني.

قبل ظهور المؤسسة السجنيّة كمؤسسة عقابيّة عرفت البشريّة أنواطا مختلفة من العقوبات لعلّ أبرزها العقاب المشهدي الذي يمارس فيه الحاكم قتل وتشويه الخارج عن القانون (قانون الحاكم ) أمام الناس ليكون عبرة للآخرين، والعقاب المشهدي(11) لا يهدف فقط قتل أو إنهاء حياة المخالف وإنما بشكله يعتبر وسيلة رادعة لمشاهدي هذا العقاب بهدف عدم تكرار الحدث نفسه، ويتضح ذلك لنا من خلال القصة التي ذكرها مشيل فوكو واصفا هذا النوع من العقاب المشهدي بما حدث لداميانDamiens في آذار من عام 1757 الذي تم سحبه وجره بالخيول ،وتقطيع أوصال جسده أمام الجمهور ،ثم حرقه على جريمة قتل أبيه.(12)

وفي مرحلة ثانية اعتبرت السجون كوسيلةً رادعةً، وعقاباً أليما لكل من يتمرد ويثور ويخرج على نظام وتقاليد القبيلة أو الحاكم، أو الدولة (السلطة ) منذ القدم ، فاعتبر المس بمصالح هذه السلطة والخروج عليها تهديدا لها ولأمنها ، ويعاقَبُ مرتكبوه بالقتل ،أو النفي، أو العزل داخل السجن. وشهدت أدوات العقاب تحولات مختلفة نتيجة التغيرات والتحولات التي حدثت في نمط العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية … وهذا التحول في أشكال وسائل العقاب مع الانتقال إلى العصر الحديث وتحولها من وسائل مشهدية أمام الناس إلى مؤسسات مختصة يمارس فيها مجموعة من الأنظمة العقابية بشكل منظم وممنهج من خلف عيون الناس, وأصبح ما يحدث داخل هذه المؤسسات العقابية هو فقط من شان القائمين عليها دون أن يكون للناس أي اهتمام حول تفاصيل وأشكال التعذيب الممارسة على السجناء .وهذه المؤسسات هي السجون التي شكلت نظاما من الأساليب القهرية اليومية للسجناء من حيث تحديد وقت الصحوة والنوم ونوع الأكل وكميته وساعات عمل السخرة …..الخ (13)

وفي مرحلة ثالثة، أدت التحولات في النظم الاجتماعية للمجتمع الأوروبي الحديث إلى إدخال تحولات وتغيرات في أدوات العقاب التي تستخدم بحق الخارجين عن نظام الدولة وقوانينها. فقد أصبحت السجون تمارس سلطاتها الانضباطية للسجناء ضمن هيكلية مبرمجة، وفي هذا الاتجاه يرى فوكو أَنَّ المؤسسات العقابية تفرض نظما وإجراءات تلزم السجين القيام بها ، فالسجن له طريقته وهيكليته المتعلقة به وحده ، كما لو كان سلطه مضافة إلى الدولة أو المجتمع ، وهو صورة أو وجه مركزي صارم لكل أنظمة الانضباط.(14)

وكنتيجة لإشراف مؤسسات تشريعية وحقوقية على المؤسسة السجنيّة وقعت تحولات وأدخلت بعض التحسينات على شروط الحياة لنزلائها. ولكن رغم هذه الصفات القهرية للسجون في المجتمعات الحديثة ، إلا أنها تعتبر شكلا متطورا ومتقدما عن مثيلاتها التي بنيت في المستعمرات ، ذلك لأن الحدث ( السجن) لا يمكن أن يكون الحدث نفسه في حال تكراره بل يعاد إنتاجه بطرق مختلفة.(15)

ولو نظرنا إلى الصورة الحقيقيّة للمؤسسة السجنيّة وللدور الذي تقوم به فإنّنا نلاحظ أن عجلة الإجرام والجريمة أصبحت تدور حول نفسها ويتكرّر المشهد الإجرامي عبر هذه المؤسسة، فالسجون تغذي الجريمة والجريمة تغذّي السجون…

{{المؤسسة الإعلاميّة}}

– علاقة المؤسسة الإعلاميّة بالمؤسسة السجنيّة:
من بين المؤسسات الاجتماعيّة التي رأينا في هذا البحث ضرورة التركيز عليها نظرا لعلاقتها بالظاهرة الإجراميّة بصفة عامة وبالمؤسسة السجنيّة بصفة خاصة هي المؤسسة الإعلاميّة. هذا الكيان الاجتماعي الجذّاب والمؤثّر على مختلف الفئات العمريّة المكوّنة للمجتمع، وذلك لما لها من سلطة مباشرة وغير مباشرة على سلوك الأفراد والجماعات، وأيضا للدور الذي أصبحت تقوم به خاصة مع انتشار وتطوّر الوسائل الإعلاميّة في مختلف أقطار العالم في السنوات الأخيرة. إضافة طبعا للأهميّة المادة الإعلاميّة التي تتناول عالم الإجرام والجريمة، والتي أصبحت تطغى على أغلب وسائل الإعلام. كما احتلت المؤسسات الإعلاميّة صدارة اهتمام المختصين في علم الإجرام و علم النفس الجنائي وعلم الاجتماعي الجنائي و…

وتشكّل وسائل الإعلام من منظور سوسيولوجي “ظاهرة اجتماعيّة يمكنها أن تؤثّر في الظواهر الأخرى، كما يمكنها أن تتأثر بهذه الظواهر.”(16) . كما ترى أن علم الاجتماع الإعلامي هو: “العلم الذي يدرس وسائل الإعلام كظاهرة اجتماعيّة، دراسة وصفيّة، أي دراسة الواقع الفعلي لهذه الوسائل، أو بأسلوب آخر، دراسة ما هو كائن وليس ما ينبغي أن يكون.” (ص32) كما تحوّلت الجريمة إلى مادة إخبارية هامة يمكن من خلالها دراسة الشعوب والمجتمعات، وظهر ما يسمى بالإعلام القضائي أو الإعلام الإجرامي الذي يحاول تعقّب الجرائم والإجراءات القضائيّة المتّصلة بها.

كما أثيرت قضية تأثير وسائل الإعلام على الرأي العام بشكل جدي في السنوات الأخيرة، ومركز اهتمام العديد من الباحثين في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، واحتلّت صدارة المؤسسات الاجتماعيّة التي تمّ اتهامها بتدعيمها للسلوك الإنحرافي والإجرامي. ويقول أحد الأطباء الأمريكيين في جامعة كولومبيا: “أنّه إذا صحّ أن السجن هو جامعة الجريمة، فإنّ التلفزيون هو المدرسة الإعداديّة للانحراف”، بعد أن أصبح هناك اتفاق على أن لهذه الوسائل أثرها الفعّال في تشكيل القيم والاتجاهات المناهضة للجريمة، والمساعدة على إقرار الأمن وفي المقابل، هناك اتفاق مماثل على أن هذه الوسائل قد تنحرف أحيانا عن القيام بدورها المطلوب، بل تؤدّي إلى تأثير معاكس يشجّع على الانحراف ويعزي بارتكاب الجريمة من خلال ما يعرض بالسينما والتلفزيون أو ما ينشر بالصحف والمجلاّت”.(17)

وتتم عمليّة تأثير وسائل الإعلام على انتشار الظواهر الإجراميّة عبر ثمانية طرق (انظر مقالنا محاولة في سوسيولوجيا الإعلام الإجرامي: حادثة “سليمان” نموذجا، نشرت بموقع الأوان الجمعة 7 آب (أغسطس) 2009، ).
وتتمثل هذه الطرق في:
التعليم، فعبر الأشرطة والأفلام المستوحاة من قصص واقعيّة أو خياليّة.. يمكن للفرد تعلّم “أساليب ارتكاب الجرائم وأنماطها عن طريق ما تنشره من وسائل سرقة السيّارات، وإخفاء معالم ملكيتها، وكيفيّة تزوير الوثائق، ووسائل الغش التجاري وغيرها من أساليب الانحرافات السلوكيّة”(18) ، وقتل الاشمئزاز والاستنكار من الجرائم، وجعل الجريمة مرغوبة، لتصبح بذلك الحياة اليوميّة للمجرمين جذّاب، إضافة لما يسميه قابريال تارد التقليد والمحاكاة، وفقدان الأسرة لمكانتها وللدور الذي كانت تقوم به في السابق، وفقدان الاستقلاليّة عند تقبّل الفرد للرسالة الإعلاميّة، وخاصة عندما يتحوّل هذا الجهاز إلى مصدر تعليم وتوجيه ومصدر انصياع من قبل المتقبّل، فـ “مع دخول التلفزيون إلى البيوت، أصبح الأطفال خاضعين إلى تأثيرات كثيرة. وعندما يصبح التلفزيون أداة اجتماعيّة، فذلك يعادل ظاهرة على مستوى كبير من فقدان الاستقلاليّة المعروفة في علم النفس المتعلّق بنمو الطفل في البداية حالة الالتحام مع العائلة، ثم يكبر بعدها ويقول “أنا” ويعارض. وهذا ما يعرف بالتفرّد أو التميّز عن الآخرين، لكن التلفزيون يخلق حالة التحام جديدة لا يستطيع الكفل فيها أن يقول “أنا” أو “لا” لأنّه في موقع المسيطر عليه”(19) . كما تحدث أهل الاختصاص أيضا عن ظاهرة قتل الإحساس جرّاء مشاهدة برامج العنف وغيرها من المظاهر الإجرامية.

وهكذا يتضح أن معالجة تفاقم الظواهر الإجرامية لا يجد أن تقتصر على معالجة الشخص “المجرم”، وأن مسألة التأهيل والإصلاح لا تتوقف فقط على المؤسسات العقابية بل يجب أن تشمل مختلف المؤسسات الاجتماعية بدءا بالأسرة ومرورا بالمؤسسات التعليمية والتربوية، وصول للمؤسسات القضائية والعقابية.

{{الهوامش:}}

1- محمد محيي الدين “الاتجاهات الحديثة في السياسات العقابيّة ومدى انعكاساتها في العالم العربي” – المجلة العربيّة للدراسات الأمنيّة والتدريب- العدد 21 ماي 1996 ص16.

2- جريدة البيان السبت 27 ربيع الاول 1420هـ الموافق 10 يوليو 1999 – الندوة التي نظمتها شرطة الشارقة بالمركز الاعلامي حول (العود الى الجريمة) شارك فيها الدكتور عبد الله عبد الغني من مركز البحوث والدراسات بشرطة الشارقة والنقيب عادل حديد مدير فرع السجن الاحتياطي بالمنشآت الاصلاحية والعقابية بامارة الشارقة وقدم للندوة النقيب محمد سعيد بوزنجال مدير فرع التوجيه المعنوي وحضرها عدد من منتسبي اكاديمية الشارقة للعلوم الشرطية.

3- البروفوسور دينكن ميتشيل ترجمة إحسان محمد الحسن ” معجم علم الاجتماع” دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت الطبعة الأولى 1981 ص109.

4- ورقة عمل مقدمة لندوة المجتمع والأمن المنعقدة بكلية الملك فهد الأمنية بالرياض من 21/2 حتى 24/2 من عام 1425هـ.

5- ورقة عمل مقدمة لندوة المجتمع والأمن المنعقدة بكلية الملك فهد الأمنية بالرياض من 21/2 حتى 24/2 من عام 1425هـ.

6- الد. عبد الهادي الجوهري “معجم علم الاجتماع” المكتب الجامعي الحديث الأزاريطة – الاسكندريّة 1998- 1999 ص66.

7- السيد محمد عتيق وأشرف تةفيق شمس الدين وابراهيم طنطاوى “مبادئ علم الإجرام وعلم العقاب” دار النهضة المصريّة 2002- ص254.

8- السيد محمد عتيق وأشرف توفيق شمس الدين وإبراهيم طنطاوى “مبادئ علم الإجرام وعلم العقاب” دار النهضة المصريّة 2002- ص255.

9- ساسي بن حليمة “العدالة الجنائيّة والإصلاحات السجنيّة: تقرير تمهيدي” – أعمال الندوة العربيّة الإفريقيّة حول “العدالة الجنائيّة الإصلاحات السجنيّة” التي نظمها المعهد العربي لحقوق الإنسان والرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان والمنظمة الدوليّة للإصلاح الجنائي- تونس 29 نوفمبر / 2 ديسمبر 1991- منشورات المعهد العربي لحقوق الإنسان 1996 – ص20.

10- د. عبد الهادي الجوهري “معجم علم الاجتماع” المكتب الجامعي الحديث الأزاريطة – الاسكندريّة 1998- 1999 ص94.

11- فوكو ، ميشيل ،1981. المراقبة والمعاقبة ولادة السجن.الكويت: مركز الإنماء العربي. ص48.

12- فوكو، ميشيل ،1981. المراقبة والمعاقبة ولادة السجن.الكويت: مركز الإنماء العربي.

13- فوكو، ميشيل ،1981. المراقبة والمعاقبة ولادة السجن.الكويت: مركز الإنماء العربي.50.

14- ميشيل فوكو، “المراقبة والمعاقبة ولادة السجن”- الكويت1981: مركز الإنماء العربي ص39.

15- منقذ محمد أبو عطوان “استغلال الأيدي العاملة الأسيره في سجون الاحتلال 1967 – 1980 – الموقع الإلكتروني لمركز أبحاث ودراسات الحركة العمالية والنقابية في العالم العربي.

16- الدكتورة انشراح الشال “دراسات في علم الاجتماع الإعلامي: مدخل إلى علم الاجتماع الإعلامي” مكتبة نهضة الشرق جامعة القاهرة 1985 ص5.

17- د. علي بن فايز: “الإعلام الأمني والوقاية من الجريمة” – أكاديميّة نايف العربيّة للعلوم الأمنيّة – مركز الدراسات والبحوث الرياض عدد 204 سنة 2000 ص134 -عن مجلّة الشرطة، الإمارات عدد 90 .

18- د. علي بن فايز: “الإعلام الأمني والوقاية من الجريمة” – أكاديميّة نايف العربيّة للعلوم الأمنيّة – مركز الدراسات والبحوث الرياض عدد 204 سنة 2000 ص155.

19- ليليان لورسا عالمة النفس في المركز الوطني للبحث العلمي، أثناء لقاء مع جان ريمي ديلياج –”مجلّة ثقافة عالميّة” ترجمة محمد قصيبات، العدد89 -1998 .ص146.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق