تفكيك التصور الشعبوي عن الخلافة الإسلامية

تستند المطالبة بعودة الخلافة الإسلامية إلى الحنين النوستاليجي الشعبوي المتعلق بفترة الخلافة الرشيدة، حيث يسود التصور بأنه طالما سادت في فترة الخلافة الرشيدة قيم العدل والخير والحرية والحكم الرشيد لدى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فإن ذلك يعني تلقائيا أن حكم الخلافة الإسلامية هو الملائم لحل كافة مشكلات النظم السياسية المعاصرة.

إلا أن هذا التصور يغفل التمييز بين القاعدة .. وبين الاستثناء.

فأصحاب هذا التصور يعتبرون الاستثناءات (وهي: أبوبكر – عمر – عثمان – علي) هي القاعدة في الخلافة الإسلامية. وهذا مخالف تماما لما يثبته التاريخ الإسلامي ولما تثبته الحسابات العلمية.

 

فالاستثناءات (وهي: أبوبكر – عمر – عثمان – علي) ليست هي القاعدة .. والممارسات التي قام بها هؤلاء الاستثنائيون (أبوبكر – عمر – عثمان – علي) لم تكن بالمرة هي الوتيرة السائدة في الخلافة الإسلامية. بل إن ما ساد كان العكس منها تماما – فيما بعد فترة خلافتهم القصيرة جدا.

 

فقد اعتمدت هذه الاستثناءات بشكل حصري على سماحة نفوس أصحابها السامية (أبوبكر – عمر – عثمان – علي)، وكانت على النقيض التام مما وقع بعدها.

ولهذا تحديدا سميت فترة الخلافة هذه بأنها الخلافة الرشيدة .. بالضبط لأنها تعني أن الخلافة التي أتت بعدهم لم تكن رشيدة.

فوجود هذه الاستثناءات العظيمة لا يدحض القاعدة .. بل فقط يثبت أن هناك استثناءات لها .. عندما يكون الحاكم في عظمة هذه النماذج.

ولقياس الأمر بالحسابات العلمية .. نضع هذه الفترة القصيرة التي حكم فيها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي .. ونقارنها بالتاريخ الطويل الذي امتدت بعده الخلافة لنطلع على مجمل الأمر كله، وحجم الاستثناء مقارنة بالسائد فيه.

 حينها سنجد أن أعداد:

 

الخلفاء الراشدين 4

الخلفاء الامويين 14

الخلفاء العباسيين 37

الخلفاء العثمانيين 40

 

ويكون المجموع الإجمالي هو:

 

95 خليفة للمسلمين

 

وهذا يعني أن نسبة الخلفاء الراشدين من مجمل الخلفاء المسلمين تعادل ..

4 خلفاء من بين 95 خليفة = (وهذا يعادل) أربعة في المائة (4%) فقط. أي أن نسبة الحصول على خلافة رشيدة من بين مجمل أعداد الخلفاء الذين مروا على العالم الإسلامي هي تقريبا أربعة في المائة (4%) فقط.

 

وواضح أن هذه نسبة ضئيلة جدا .. مما يعني أنها علميا نسبة “استثنائية” من القاعدة الكبري التي تؤكد فشل الخلافة الإسلامية (فترة ما بعد علي بن أبي طالب) والتي تمثل حوالي 96%.

 

إذن فالنسبة العلمية لنجاح الخلافة الإسلامية في تنمية المجتمع الإسلامي دون دفعه نحو الفتنة والاستنزاف الذاتي هي فقط 4%. بينما نسبة الفشل هي 96%.

 

أضف إلى ذلك القياس بالفترة الزمنية كما يلي:

 

فقد بدأت الخلافة الإسلامية بعد وفاة الرسول (ص) عام 632 ميلادية واستمرت حتى عام 1924.

 فقد انتهت الخلافة الإسلامية عندما أنهى مصطفى كمال أتاتورك الخلافة الإسلامية وطرد السلطان عبد المجيد من تركيا عام 1924.

 أي أن الخلافة الإسلامية استمرت ما يعادل 1292 سنة إجمالا. بينما عدد سنوات الخلافة الرشيدة كانت كما يلي:

 

أبوبكر 2

عمر 10

عثمان 12

علي 5

 

مجموع سنوات الخلافة الرشيدة هي 29 سنة.

نسبة سنوات الخلافة الرشيدة من إجمالي سنوات الخلافة الإسلامية (تعادل =) 29 من 1292 = 2%.

إذن النسبة التاريخية المحسوبة لسنوات الخلافة الرشيدة من مجمل سنوات الخلافة الإسلامية هي فقط (2%).

 إذن فمن الواضح أن من يراهن على نجاح الخلافة الإسلامية في إنعاش المجتمع العربي والإسلامي . إنما يراهن رهان خاسر .. لأن نسبة نجاح هذا الرهان تقع بين 2% و 4% فقط .. بل وهي تتطلب في خليفة المسلمين سمات استثنائية كتلك التي توفرت للخلفاء الراشدين حتى تنجح.

 

ومن المنطقي والعقلاني أن نفترض أن الخلافة أقرب إلى الفشل منها إلى النجاح .. فهذا الاستنتاج العلمي هو بمثابة قاعدة وقانون علمي يثبته التاريخ الإسلامي مع استثناءات طفيفة جدا.

 

بالطبع هذه نتائج مستغربة على أغلب من يشعرون بحنين نحو الخلافة الإسلامية .. وربما سيحاول أغلبهم الإلتفاف حول هذه الحقائق والأرقام .. لإثبات أنها خاطئة أو أن أسلوب القياس والحساب غير دقيق وغير هذا من المماحكات التي ترفض التفكير العلمي.

 

لكن علينا أن نفكر بشكل علمي .. وأن نفهم أن التصور المثالي عن الخلافة الإسلامية موجودة في أذهاننا فقط .. ولم يوجد في التاريخ الفعلي أو في الواقع إلا في شكل استثناءات بسيطة جدا.

 

وسبب هذا التصور المغلوط إنما يرجع إلى مناهجنا الدراسية التي ركزت على فترة 29 عاما فقط من مجمل التاريخ الإسلامي الذي يمتد لحوالي ألف وخمسمائة سنة .. والتي ركزت على أربعة خلفاء راشدين فقط من بين 95 خليفة – لم يكن أغلبهم من الراشيدن

 

للأسف .. فنحن ضحايا تصورات متحيزة ومغلوطة ومبالغ فيها بشكل هائل عن الخلافة الإسلامية.

 

فالتاريخ الإسلامي الذي درسناه في المدارس لا علاقة له بالتاريخ الإسلامي الفعلي كما حدث في الواقع.

 

ولذلك فمن الطبيعي أن ننشأ ظانين أن هذه العصور كانت عصور ازدهار ورخاء ووئام مطلق .. ولم يطالها أي مشكلات أو حروب أو فتن أو خلافات.

 

ومن الطبيعي جدا أن ينشأ لدينا حنين نوستاليجي داخلي نحو هذه الفترات التي نتصورها على هذا الشكل المغرق في الرومانسية.

 

ومن الطبيعي جدا أن نلهث وراء تحقيق وإثبات تصوراتنا المغلوطة التي تلقينها ونحن صغار قبل أن نكبر ونفهم مشكلات الواقع والتاريخ.

 

لكن من الطبيعي أيضا .. أن نكبر وننضج ونفهم الحقيقة والواقع والتاريخ بشكل علمي.

 

ومن الطبيعي أيضا أن نتخذ قراراتنا المصيرية بناء على التفكير العلمي الواقعي .. وأن نكف عن التغافل عن الواقع .. وأن نكف عن الاستهانة بدروس التاريخ الماضي .. إن أردنا أن نكبر .. دون أن نظل عيال وأطفال مدارس في التفكير والتصرف.

 

 ————–

أمير الغندور: باحث ومترجم ومحرر متخرج في كلية الاقتصاد و العلوم السياسية بجامعة القاهرة 1991

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق