تفكيك السلطة الأبوية شرط قيام المجتمع السياسي الحديث

على سبيل التقديم نود التطرق لسؤال قد يطرح جدلا، ألا وهو، ما الفائدة من هذه العودة لأسئلة البدايات، حتى أنه يمكن الادعاء بأننا حبيسو لحظة البداية، غير أن  الداعي في نظرنا إلى هذه العودة هو الحاجة إلى استنبات المفاهيم حتى تشكل بالنسبة لنا كما شكلت في سياقات تاريخية أخرى أساسا نظريا وملاذا أخلاقيا.
لماذا التوقف عند مفهوم السلطة الأبوية، وكيف تكون هذه السلطة عائقا أمام تشكيل المجتمع المدني الحديث في مفهومه السياسي وبعده الحقوقي. ربما يكون الجواب استباقيا إذا قلنا أن المجتمع السياسي يتأسس غالبا بوصفه انعكاسا للمجتمع "المدني" الذي تشكل الأسرة نواته الأصل. من ثم، فكل إعادة نظر تهدف فعل التأصيل لا بد لها أن تنطلق هذا المنطلق، هكذا تتداخل الأبعاد السياسية بالاجتماعية بالتربوية مشكلة وضعا تساؤليا بامتياز يطال كل المكونات. ولأن السؤال الكبير المطروح (وربما نجد في صفحات هذه المجلة نقاشا عن ما بعد الثورات السياسية في العالم العربي) يتعلق بمدى قدرتنا النظرية في تأصيل المفاهيم الإجرائية ذات الراهنية. إننا جميعا نطلب الديموقراطية، وهذا حق، لكن كيف هي هذه الديموقراطية المنشودة، وما مصدر هذه الحقوق التي نسعى الدفاع عنها بواسطتها، مع الحذر كل الحذر في الدخول في نقاشات ذات طبيعة خاصة تنطبق على مجتمعات بعينها ضمن سياقات تاريخية محددة.
إن الحديث عن الديموقراطية لا يستقيم دون العودة والارتكاز إلى فلسفة ترسي أسس حقوق الإنسان، بمعنى طرح السؤال عن مدى إمكان تحققها في مجتمع تحكمه منظومة أخلاقية وقيمية "أبوية" تمحق الفرد وتقصيه من كل فعل سلطة. وهل كان في الإمكان الحديث عن هذه الحقوق دون وضع اعتباري لمكانة المرأة؟ من ثم هل يمكننا الإفادة من منظورات أنتجت في سياقات تاريخية واجتماعية مباينة لسياقاتنا، في تفعيل وتخصيب رؤانا ومنظوراتنا؟

وضعية المرأة  شرط الحداثة السياسية:

سنعتمد في هذا المقال التفكيك الذي قام به جون لوك لمفهوم السلطة الأبوية، والذي أفضى به إلى ضرورة إيلاء المرأة موقعا خاصا، من ثم صار فعل تحررها شرطا وليس نتيجة. إن الانطلاق من الحديث عن وضعية المرأة ليس ترفا أو تكلفا إنه ضرورة، إذ غالبا ما يتقدم الحديث عن وضعية المرأة حديث عن الوضع السياسي الحديث وعن ما آلت إليه مختلف الوضعيات الإجتماعية في المجتمعات الغربية، بناء على تصور ينطلق من رؤية بعدية ليسقطها على واقع قائم فيعتبر الأمر كما لو أنه معطى كذلك منذ كان. إن الحديث عن وضع المرأة انطلاقا من لحظة زمنية تشبعت بقيم الحداثة والديمقراطية والممارسة السياسية التي عمادها الحريات الفردية تحت إطار كبير اسمه "حقوق الإنسان"، كل هذا لم يتأتّ للمجتمعات الديمقراطية دفعة واحدة، إنه نتاج سيرورة لم تكتمل بعد ولم تبلغ بعد ألقها الأقصى.


 يقترن الحديث عن الحداثة السياسية بالمكانة التي تحظى بها المرأة في المجتمع، هذا القرن الذي يرفض الاعتراف بأية خصوصية ثقافية أو دينية أو عرقية أو تاريخية. بل إنه قرن يرفض حتى النظريات البيولوجية التي تقارب وفق رؤية "فارقية".  غير أن الحديث عن تحرر المرأة ليس يعني بالمرة أننا إزاء مسار سلس أساسه رؤية فلسفية ثورية ونظرة أصيلة لحقوق الإنسان.


إن واقع التحرر لم يتجسد في شكله الأمثل إلى اليوم، إذ لا يزال النقاش حول وضعية المرأة مفتوحا في المجال العمومي  في أفضل الديمقراطيات المعاصرة. لأن سؤال وضعية المرأة سؤال حرج ومتوتر بامتياز، لأنه ليس فقط سؤال العدالة الاجتماعية في بعدها الأخلاقي والقيمي، إنه سؤال العدالة الأصل، في بعده التاريخي والأنطلوجي، وهو ما انتبه إليه جون لوك أثناء تأصيله لمفهوم المجتمع السياسي المدني.

السلطة الأبوية أو الإقصاء "التيولوجي"، سلطة مستمدة من الطبيعة وتحدها الطبيعة:

يرفض لوك التعبير المعتمد بـ"السلطة الأبوية"(1)  لأنه تعبير يتضمن نوعا من الميز العنصري بين الأجناس، الآباء والأمهات. متسائلا باستغراب عن مدى صحة هذه التسمية، كما لو أن الأمهات ليس لهن أي دور في إيجاد الأطفال، من ثم بالنسبة لـ لوك لكليهما نفس الحق  بالتالي  نفس السلطة، وستظهر قيمة هذا الرفض في التوظيف اللاحق لهذا التأسيس، بل يمضي هذا الرفض إلى حد اعتماد تسمية: حق الأباء وحق الأمهات، رافضا الاقتصار على نسبة هذا الحق للأباء فقط.


انطلاقا من هذه الفكرة، يفحص لوك وظائف وحدود السلطة الأبوية التي يستند إليها دعاة النزعة الإطلاقية في تأسيسهم للسلطة الملكية، ممثلين الملك بأب الشعب. إن نزعة لوك الليبرالية تتجاوز المنظور السائد في عصره، لأنه يقطع بشكل جذري مع التصور الأبوي الذي يعطي للأب السلطة العليا على كل أفراد العائلة. فبالنسبة لـه تحتل الأم والزوجة نفس مكانة الأب والزوج. ورغم تقديره لمكانتهم (الأبوين)، فإنه ينفي عنهم كل سلطة في حال تخليهم عن واجب التربية بالضرورة. وانطلاقا من واقعة أن الحرية خاصية الإنسان من جهة كونه مميزا بالعقل، فإن الأطفال يجدون أنفسهم في وضعية ارتباط وتبعية طبيعية تجاه آبائهم ما داموا لم يتمكنوا بعد من تحصيل هذه القدرة، هذه التبعية لا تتضمن البتة حرمانهم من حقوقهم.


إن السلطة الأبوية يجب أن تدوم المدة اللازمة لأي طفل حتى يصير راشدا. إن الأسرة بهذا المعنى لا يمكن أن تكون النموذج الذي على أساسه يقوم المجتمع السياسي. ورغم أن تاريخ بعض الدول قام على أساس امتداد بعض الأسر وعلى قبول الإبن للسلطة الأبوية. وفي هذه الحالة فإن الوصاية الطبيعية المخصوصة بالطفولة تعوض الرضى والموافقة التعاقديين  المفترضين ضمنيا لزعيم العائلة الممتدة. فإن السيادة بمعناها الخالص لا تجد معناها في المجتمع المدني المتحضر إلا في القانون المقبول والمرغوب بكل حرية ومن طرف الأغلبية.


إن العلاقة التي تربط الطفل بأبويه من حيث كونهما مصدر نشأته تفرض عليه واجب الطاعة لهما، كما أن القوانين الموضوعة تهدف هذه الطاعة دون أن تقيم تمييزا بين الأب والأم. وهو الأمر الذي كان بالإمكان تجاوزه لو فكرنا مليا في هذا الأمر قبل أن السقوط في هذا التمييز الذي لا معنى له، والذي أدى إلى نتيجة أسوأ وهي "السلطة المطلقة" أو "السلطة الملكية" وذلك استنادا إلى السلطة الأبوية المهيمنة. والتي خص بها الأب وحده، فلو أننا أسمينا هذه السلطة، سلطة الأب والأم لتبين لنا جليا مدى عبثية تدعيمها، ولما كنا في أية لحظة من أولئك الذين يدعمون"الملكيات" التي تركز السلطة في يد شخص واحد. واستنادا إلى التنصيص على أن الناس بالطبيعة متساوين، وإن كان ذلك لا يعني أنهم متساوون في كل الأحوال. لأن عاملي السن والفضيلة يمكن أن يجعلا البعض "متميزين" عن الآخرين بما لهم من الأسبقية، غير أن هذه العوامل لا تعطي أحدا أي امتياز على الآخرين، بالتالي لا مبرر للتخلي عن الحق الأصل في الحرية، كما لا تعني التبعية أو الهيمنة، لأن المطلوب هنا إقامة الحق في المساواة لما لكل شخص بالنظر إلى حريته، والذي يقتضي بأن لا يصادر أحد إرادة شخص آخر.

إن الأطفال لا يولدون متمتعين بهذه المساواة وإن كان يفترض أنهم كذلك، وبذلك يكون لآبائهم نوع من الهيمنة والوصاية عليهم، غير أن هذه الوصاية ظرفية، لأن عاملي السن والعقل يخلصان الأشخاص من هذه الروابط ويجعلونهم مالكين لزمام أمورهم.

لقد خلق آدم رجلا مكتملا جسدا وعقلا منذ اللحظة الأولى لوجوده، فقد كان يمتلك كل المؤهلات والقدرات التي يحتاجها للحفاظ على نفسه، وبالتالي السلوك وفق قانون العقل الذي زين بـه الإله روحه. ومنذ ذلك الحين سكن العالم أطفاله الذين يولدون ضعافا ودونما قدرة على حماية أنفسهم ودون  أي ذكاء، هكذا وبغية تجاوز النقص الملاحظ في حالة كهذه وفي انتظار أن يساعد السن على تجاوزها، كان على آدم وحواء وبعدهم كل الآباء أن يعتنوا بأبنائهم وفقا لقانون الطبيعة، ليس باعتبارهم مخلوقاتهم بل باعتبارهم مخلوقات الإله، بمعنى أن التربية والاعتناء ليسا يتمان على أساس عاطفي إنما على أساس ديني يجد مستنده في العقل بما هو سار في قانون الطبيعة.


إن القانون الذي كان يجب أن ينظم سلوك آدم هو نفسه الذي بموجبه تنتظم سلوكات ذريته من بعده، إنه قانون العقل، غير أنهم وبوصفهم "مولودي" الطبيعة، فقد ولدوا جهلة فاقدي المعرفة لكيفية استخدام العقل، وبالتالي فهم ليسوا خاضعين بالمرة لهذا القانون، لأنه لا أحد يخضع لقانون ليس له علم بـه، وبما أن قانون العقل لا يمكن أن يعلم إلا من طرف العقل نفسه، فبين أن الذي لم يتمكن من استخدام العقل بعد، لا يمكن أن يكون خاضعا له – هذا الشرط سيصبح قاعدة قانونية في القوانين المعاصرة التي تفرض إطلاع المتهم على حقوقه من جهة وعلى ما يمكن أن يترتب على أفعاله من مقتضيات قانونية من جهة ثانية، على أساس مبدأ ضرورة تحصل العقل، أي المعرفة.
إذا أخذنا في الاعتبار المفهوم الدقيق للقانون، نجده فيما يوضع لأجل الحد، بل لكي يسمح لفاعل عاقل وحر بالفعل حسب ما تقتضيه مصلحته، إنه لا يحدد شيئا إلا بالنظر إلى المصلحة العامة لأولئك الخاضعين له. لأن من الأكيد أن غاية كل قانون ليست بالمرة الحد من الحرية، بل تنميتها والحفاظ عليها، من ثم التساؤل، هل يمكن للناس أن يكونوا سعداء دون هذا القانون، وهكذا، أيا ما كانت الحالة التي يوجد عليها الإنسان فإن غابت القوانين غابت الحرية، إن القانون هو شرط الحرية المطلق. وبالتالي فإن السلطة التي للآباء  والأمهات على أبنائهم مستمدة من هذا الإكراه والإلزام الذي عليهم والمتمثل في ضرورة الاهتمام بأبنائهم طيلة المدة التي يكونون فيها غير قادرين على الاعتناء بأنفسهم، من ثم فهم ملزمون بتعليمهم وتثقيف عقولهم وتهذيب سلوكهم إلى أن يصيروا إلى سن الرشد، لأن الإله إذ مكن الإنسان من الفهم لأجل تسيير أفعاله، مكنه أيضا من حرية الإرادة وحرية الفعل بشكل مطابق للقوانين التي ينتظم تحتها.


إن ما سبق منصوص عليه في كل القوانين التي نعيش تحتها، سواء في القوانين الطبيعية أو القوانين المدنية. فما الذي يجعل شخصا يوجد تحت سلطة قوانين الطبيعة قادرا على تجسيد حريته في ظلها؟ وما الذي يعطي لهذه الحرية حق التصرف في ما يمتلكه ما دام مقيما داخل هذه القوانين؟  يكمن الجواب حسب لوك في الأتي: ما دام الشخص قادرا على معرفة هذه القوانين وبالتالي البقاء داخل الحدود التي ترسمها. وما دام الشخص عاجزا عن وضع حدود للحرية بناء على ما يشترطه العقل، فإنه لا يمكن أن يعتبر شخصا حرا، وبالتالي ما دام فاقدا للقدرة الضرورية على التمييز فإنه يبقى تحت وصاية الأب أو الوصي أو القانون. من ثم فالحق الذي يمنح الآباء والأمهات السلطة على أبنائهم لا يعدو أن يكون مؤسسا على ذلك الإلزام الذي يفرضه الإله والطبيعة على الناس كما على باقي المخلوقات الأخرى، بحفظ أولئك الذين أعطوهم حق الوجود وحمايتهم إلى أن يصيروا قادرين على تسيير شئونهم بأنفسهم.


يتساءل لوك حول وضعية يفترضها كالأتي: يقول، لنسلم أن ما يقولونه عن أن هذا الحق الموروث عن آدم صحيح، وأنه أصبح معترفا به. ونتيجة له يتربع ملك على العرش وله كل السلط التي ليس لها حدود. والتي يتحدث عنها روبير فيلمر، فإذا ما حصل وتوفي هذا الملك في اللحظة ذاتها التي ولد له فيها وريث عرشه، أليس يفترض أن ذلك المولود أكثر حرية من أي وقت مضى، بناء على واقعة الوفاة إذ أصبح الوريث لكل السلط، في حين لا يزال تابعا لسلطة أمه وفي حاجة إلى مرضعة وأوصياء إلى أن يقتدر بفضل التربية وعامل السن على أن يسلك وفق مقتضيات العقل، من ثم يصبح في إمكانه قيادة الآخرين. بذلك يتساءل مع أولئك الذين يدعمون السلطة المطلقة للحاكم بما هو وريث، عمن يمكنه أن يدعم في هذه الحالة وضعا كهذا ويجده معقولا، أو ليست هذه التبعية للأم والتي يفرضها قانون الطبيعة، لا تتوافق مطلقا مع ما له من حرية السيادة التي له بموجب القانون السائد. خصوصا وأن عليه أن يسعى إلى تخليص ملكه وسلطته من هيمنة أولئك الذين كانوا يحكمونه في طفولته.


الجواب عن هذا السؤال يفترض حسب لوك تحديد سن الرشد، أي متى يصبح الطفل راشدا؟  يقول لوك: حين يصل هذا الملك الشاب إلى السن التي يكون بمقدوره فيها الحكم، مستشهدا هنا بقول لـ  هوكر: إنه الوقت الذي يكون فيه الفرد قادرا على معرفة طبيعة القوانين، والتي بمقتضاها يكون كل شخص مطالبا بتعديل سلوكاته وفقها. من ثم فهي مسألة سهلة التحديد، بالتالي فإنها مسألة يمكن تبينها بسهولة بواسطة الحواس مما يمكن تحديده بواسطة السلطة أو بواسطة معرفة عميقة.


إن وعي المجتمعات بهذه المسألة هو ما دعاها إلى سن قانون يحدد سن الرشد، أي السن الذي يسمح للشخص بأن يسلك بوصفه شخصا حرا، ومادام الشخص دون هذه السن فلا يعتد بسلوكه وتفقد أفعاله كل قيمة في نظر القانون. إن هذه الحرية التي يسمح له بمقتضاها بالتصرف كما يحلو له، مؤسسة على استخدام العقل المؤهل بأن يسمح له بالتعرف على القوانين التي يجب التصرف وفقها وهي الامتداد الدقيق الذي تتيحه هذه القوانين للإرادة. أما إذا تركت له حرية مطلقة قبل أن يتمكن من الانقياد للعقل فذلك ليس يعني تركه للاستمتاع بامتياز الطبيعة، بل معناه وضعه في خانة المتوحشين وتركه في حالة أسوأ من حالتهم، في حالة هي أدنى بكثير من حالة الحيوانات.
يتساءل فيما بعد عن المبرر الذي يمكن أن يسمح بتحويل هذه السلطة الموكولة للآباء إلى سلطة مطلقة للأب، إن هذه السلطة التي للأباء مستمدة كما أوضحنا من فعل العناية والتربية الذي يحيل ضعف أجساد الأطفال إلى صحة، ويسمح لعقولهم بالنمو والاستقامة، غير أن للأم أيضا نصيبها من هذه السلطة، فلم خصصت للأب فقط؟
جوابا عن السؤال السابق، يرى لوك أن الأب لا يمتلك من هذه السلطة إلا القليل، بالاستناد إلى بعض حقوق الطبيعة، وهو لا يمتلكها إلا بوصفه حارسا ومدبرا لشئون أبنائه، لأنه بمجرد تخليه عن هذه الرعاية فإنه يفقد هذه السلطة، بدليل أن هذه السلطة تعود إلى الوصي على الطفل في حال فقد أباه، من ثم نفهم أن هذه السلطة التي له سلطة مشروطة. إن فعل الإنجاب يعطي للرجل سلطة هشة على أولاده، ولا تصل حد أن تكون كذلك لو لم تسند بأسس أخرى تنضاف إلى سلطة الأب ، عد هذا الحد تظهر قيمة ووظيفة هذه التعريفات وهذا البناء، إذ قياسا عليه سيفنذ مبدأ السلطة المطلقة للأمراء من أوجه، مكرسا بذلك فهما خاصا للحق.


من ثم يتساءل لوك عماذا سيحل بهذه السلطة الأبوية في مجتمعات تتخذ فيها المرأة زوجين في نفس الأن؟ أو في أمريكا(2)، حيث يمكن للرجل أن ينفصل عن المرأة، فما الذي يحل حينذاك بالأطفال. أليسوا يتركون غالبا للأم. وفي حالة وفاة الأب ألا يتركون تحت وصاية الأم وبالتالي عليهم طاعتها ما داموا قاصرين. كما لو أنهم يطيعون آباءهم؟ وهل يمكن لأحد القول بأن للأم سلطة تشريعية على أبنائها، بحيث يمكنها أن توجه وتقترح قواعد يمكن أن تكون ذات إلزامية أبدية، والتي بواسطتها يمكنها أن تتحكم في كل ما يعود لهم، والحد من حريتهم طيلة حياتهم وإرغامهم بواسطة عقوبات جسدية على مراعاة قوانينها والخضوع لإرادتها بشكل مطلق؟ لأن هذا هو ما يشكل السلطة الخاصة بالقضاة والتي لا يمثل الآباء منها سوى "الظل". إن الحق الذي للآباء بتسيير شئون أبنائهم لا يستمر في الإلزام إلا مدة قصيرة، ولا يمتد طيلة حياتهم كما لا يطال ممتلكاتهم.


إن هذا الحق لا يتأسس مدة زمنية إلا لأجل تدعيم الضعف الناجم عن سن الطفولة وإصلاح خللها، ومهما يكن فإن سلطة الأب لا تطال حياة أبنائه ولا ممتلكاتهم، كما أنه ليس لديه أية سلطة على حريتهم، هكذا إذا، فإن هيمنة الأباء تتوقف ولا يمكن أن تتحول إلى سلطة أبدية،يضيف لوك:  أكيد أنه يجب أن تكون السلطة  المسماة أبوية مختلفة عن الحكم المطلق والأبدي، ما دام أن السلطة الإلهية نفسها تسمح بأن يستقطع من هذه السلطة: إن الرجل تارك الأب والأم وملتحق بامرأته.


من البين من خلال القول المفصل  والذي يشرح فيه جون لوك وضعية الأسرة بكل مكوناتها من أب وأم (زوج-زوجة) وأطفال، أن هذا التفكيك كان يهدف سحب البساط من تحت أقدام الرجل، الذي يمثل هنا بوصفه أبا وملكا وحاكما وأميرا… رجل في كل الوضعيات. ولقد كان هذه الاستراتيجية فعالة بحيث أنها سمحت ببروز واضح لمفهوم الشخص المسئول، بناء على وضعياته الاجتماعية وبناء على أسس مستمدة من الطبيعة ومن العقل ومن الدين، غير أنه من الضروري الإشارة أن القصد من الدين هنا هو الدين  الطبيعي،بعيدا عن المرجعيات التيولوجية.

الهوامش:

1-   Locke, J, Traité du gouvernement civil, ed, GF-Flammarion, 2éme Ed. 1992 :
2-   إحالة إلى إمكانية الطلاق في أمريكا زمن لوك الأمر الذي كان ممنوعا في أوروبا.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق