تقاليد ” نوروز”.. هل حان وقت تغييرها ؟

ينتظر الكرد كل عام وبفارغ الصبر عيد النيروز، وكما أنّ لكلّ شعوب العالم أعيادها القومية فللكرد عيدهم القومي المتمثل بالنيروز، وبسبب تعطشهم لإبراز هويتهم القومية وخصوصيتهم نراهم متحمسين جدّا لهذا اليوم(21 آذار) ولعلّ حماستهم هذه تدفعهم أحيانا إلى حدّ التهور، ورغم أنهم يعملون المستحيل كي لا يعكّر احد ما أجواءهم في مثل هذا اليوم، إلا أنهم كثيرا ما يضطرون للاحتكاك والمواجهة مع سلطات بلدانهم لمجرّد رغبتهم بالخروج إلى الطبيعة، وسماع الموسيقا والأغاني الكردية بعيدا عن لغة الخطابات القومية، بسبب عزوف الكثيرين من الكرد عن الشعارات والخطابات، إذ يرى الغالبية منهم أنّ لغة الشعارات والخطابات لم يعد مفيدا خاصة في يوم كهذا اليوم. وبلغة أخرى أوسع وأشمل نجد أنّ المجتمع الكردي في الآونة الأخيرة تجاوز لحد ما مرحلة الشعارات القومية.

ومن المفيد القول إنّ الأكراد يحتفلون بهذا العيد على أنّه المعبّر عن شخصيتهم القومية، ويوم اكتشاف الهوية لديهم هذا فضلا عن انه، أي اليوم الجديد هذا، محمّل بآمال سلام جديدة. اما الإيرانيون، فينظرون غلى هذا العيد على انه يوم جديد ليس على شاكلة الأكراد، فعيد إيران الوطني هو اليوم الذي وصلت فيه نخبة الإسلاميين إلى الحكم، وحسب المخيلة الكردية إن هذا اليوم (21 آذار) هو بالفعل يوم جديد ويشير إلى مستقبل زاهر. وفي هذا اليوم تم تحرير الشعوب الكردية والفارسية من الطاغية ازدهاك بيد ” كاوا حداد” الذي كان عاملا للحدادة بسيطا وانشغل لأيام في أوضاع الناس والقمع يصيبهم بين حين وآخر إلى أن تجرأ كاوا حداد وقام بقتل ازدهاك وفي يوم 21 آذار في 612 قبل الميلاد خرج الناس للطبيعة محتفلين بيوم جديد.

وربما يستغرب البعض أن هناك من يتحدث من بين الأكراد أنفسهم ويقولون:” العالم بات يعيش مرحلة ما بعد القومية فلماذا يتنحى الكرد عن مواكبة هذا التطور العالمي وينزاحون بأنفسهم نحو الصفوف الخلفية “، طبعا لا يخلو الأمر من وجود البعض المتمسّك بالشعارات والخطابات سواء فجّة كانت أم معقولة، وفي كل الأحوال إن نيروز اليوم ليس كنيروز الأمس، إذ أن تقاليده تغيرت نسبيا. فمن يزور اليوم أماكن تجمع الأكراد للاحتفال بعيدهم هذا؛ وهو غالبا ما يكون في القرى النائية والجبال البعيدة عن صخب المدن يلاحظ ثمة تطورا ما قد حصل لدرجة يمكن معها أن تقسم هذا المجتمع – الكردي – إلى قسمين، مجتمع مخملي ومجتمع مسحوق- على الأقل هكذا يراه البعض – أما الأول وهو المخملي يذهب مثل البقية إلى أماكن الاحتفالات ويجلب معه حاجياته من مأكل و أغراض من لوازم النزهة ليحتفل بشكل مختلف عن السابق إذ يرى هؤلاء إن هذا الشكل هو الذي يتطابق مع مفاهيم ومعاني نيروز، فكل عائلة تحتفل على طريقتها الخاصة وتتبادل التهاني مع جارتها وأحيانا تستأجر الطبّال ليبدءون بالرقص والدبكات وسرعان ما تعود لتلتف نحو ” سفرة الأكل ” وهكذا تبدأ العائلات بتقليد بعضها. أما المجتمع الآخر المسحوق فقد كتب عليه أن يلتف حول المسرح المركزي الذي تديره على الأغلب الأحزاب الكردية ليستمع إلى الشعارات والخطابات، ومع كل كلمة لعريف الحفل يرفع هذا الجمهور الغفير أصابع يديه مشيرا على ” الشهادة أو النصر”. وهذا النوع من الجمهور عادة ما يحلق حول حفلات حزب العمال الكردستاني الذي يقاتل تركيا منذ أكثر من عقدين زمنيين .وفي الوقت الذي ينبذ فيه المجتمع المخملي كما أسميناه هذا النوع من الاحتفالات. يقول احد المحتفلين من جماعة المخملي:” سيبقى الأكراد هكذا بعيدين عن لغة العصر ولن يتغيروا” ويتابع” هذه نفسها شعارات الثمانينات لم تتغير -القرن المنصرم؟” وأضاف” هل بقي عدونا على حاله حتى نبقى نحن على حالنا. عدونا تغير وصار يتعامل معنا ومع العصر بشكل مختلف يجب علينا أيضا أن نتغير”. وثمة آخر يقول:” لماذا لا نحتفل مثل أكراد العراق نخرج إلى الجبال ونحتفل مع الطبيعة الخلابة نأكل ونشرب وندبك لماذا كتب علينا القدر أن نبقى أسرى ماضيّنا المرهق “. في الطرف الآخر تجد رأيا آخر من المجتمع المسحوق والملتف حول خشبة المسرح المركزي ويقول:” ثمة أناس من مجتمعنا الكردي يعزف على وتر السلطات ويريد أن يحول النيروز إلى يوم عادي وهذا ما لن نرضى به…أمامنا مشوار طويل يجب علينا أن نكون في مقام العيد ” ويتابع أليس هذا هو اليوم الوحيد لنكتشف هويتنا ونعبر عنها ونمارسها على الأرض ..”.
و الملاحظ أن ما يتردد بين الكرد خطابان؛ خطاب يريد أن يكون في الحاضر والمستقبل وخطاب متشبث بالماضي وهو غير قابل للتأقلم إلى أن يأخذ” حقوقه كاملة”.

والحق أن هذا السجال بقدر ما هو ايجابي في الوسط الكردي كحالة حوار ونقاش إلا انه يشكل نقطة سلبية على مستوى الأداء السياسي والثقافي، فعندما كان الأكراد في الماضي يلتفون حول هذه المسارح في الهواء الطلق|، ويسمعون الخطابات والشعارات|، كان هناك حاجة من طرف هذه الأحزاب كونها كانت تفتقر إلى منابر لإرسال بياناتها السياسية وخطبها باتجاه جمهورها ومناصريها|، وكان نيروز بمثابة المنبر الوحيد بالنسبة لهذه الأحزاب كي تعبئ الناس وتحرضهم على المطالبة بحقوقهم وتعريفهم بها|، عساها تشكل ضغطا وتغير شيئا من نمطية العلاقة السائدة بين السلطات والأحزاب الكردية. وكانت حاجة المجتمع آنذاك نظرا لبساطة وسائل الاتصال تلتقي مع تطلعات الأحزاب|، إلا أنها اليوم بحاجة إلى سماع مفردات جديدة|، بعدما تحول العالم إلى قرية صغيرة سهل التواصل فيما بينها. إلى جانب ذلك بات الجمهور الكردي بحاجة إلى رؤية المشاهد الفولكلورية الكردية التي تقدمها فرقهم الموسيقية والغنائية والراقصة. إما اليوم فليس الأكراد يحتاجون إلى مثل هذا الاحتفال حيث الأكراد هم خاسرون-حسب ما قال احد المثقفين الأكراد – والى جانب ذلك يقول احد حقوقي الأكراد يدعى وليد ايبوا:” حان الوقت إن تتغير تقاليد نيروز ويجب علينا الاستفادة من تجربة أكراد العراق وإيران في الاحتفال ؛ نحن أكراد سوريا نقلد أكراد تركيا إلا إن هؤلاء لهم وضع استثنائي فهم يحتفلون ويتجمعون في مكان واحد لان واقعهم يفرض عليهم ذلك فهم يشاركون في الانتخابات وهم الآن على سبيل المثال مقبلون على الانتخابات البلدية لذا يجب عليهم التجمع في مكان واحد ليعلنوا وحدة الموقف تجاه تواجد حزب العدالة والتنمية في مناطقهم ” أضاف” لذلك هم يحتفلون بهذا الشكل” ويقول صحفي كردي:” إذا كان سبب بقائنا على هذه الحال كون الكرد مضطهدين أليس كرد إيران أيضا مضطهدون مثلنا لماذا إذا يخرجون إلى الجبال ويذبحون الذبائح وتحتفل كل عائلة على طريقتها”.

إذا نيروز هذا العام كان محملا وغنيا بالسجالات بين الكرد أنفسهم و مع أنهم عاشوا يوما كاملا مثقلا بالخطابات والهتافات، فعلى سبيل المثال أكراد تركيا تجمعوا في أماكن موحدة ولعل أغلبهم كان في ديار بكر ورفعوا شعارات منددة بالسياسات التركية وطالبوا بإطلاق سراح عبد الله اوجلان رئيس حزب العمال المعتقل في سجن ايمرالي التركي. وطالبوا أيضا برص الصفوف كي يقفوا في وجه” العدالة والتنمية” في الانتخابات البلدية بعد بضعة ايام”، أما أكراد إيران احتفلوا أيضا بطريقتهم الخاصة وأقاموا الدبكات الراقصة، ونسوا اضطهادهم في هذا اليوم، وذكروا إن هذا اليوم هو يوم السلام والأخوة، في حين أن أكراد العراق طالبوا بتطبيق الفيدرالية وبإرجاع المناطق المتنازعة عليها إلى حضن إقليم كردستان، لكنه بالمقابل كان أيضا يوما مفعما بالسلام حيث شاركهم وللمرة الأولى كل القنصليات والسفارات الأجنبية وخرج الناس إلى الطبيعة ومعهم أكلاتهم و” دولاماتهم”، وهي أكلة شعبية كردية تصر كل عائلة كردية أن تطبخها في يوم العيد. أما أكراد سورية فانقسموا إلى صفين مع أنهم تجمعوا حول المسرح المركزي في كل منطقة من مناطق تواجدهم، إلا أن البعض عزف وآبى إلا إن يحتفل بطريقته الخاصة، حيث كانت له الحرية في الاختيار بين المجتمع المسحوق والمجتمع المخملي. ولن نبالغ إذا قلنا أن من يعيش مع المجتمع برهة أيا كان مسحوقا أم مخمليا يتعطش إلى أن يعيش مثلهم ويحتفل مثلهم.

النيروز هذه السنة كما أسلفنا كان مفعما بروح التغيير حيث السجالات والنقاشات التي دارت تدل على أنهم أي الكرد مقبلون نحو التغيير في الكثير من المفاهيم ليس في نمط تفكيرهم السياسي بل الاجتماعي والثقافي أيضا . والسؤال هل سيتغير الأكراد؟ هنا مربط الفرس!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق