تقلّبات خيبتنا بين حملات التّكفير والحوارات المعطّلة

يقول البعض من جنود التّفاؤل الذين يحرسون جذوة الأمل، إنّ لكلّ شعب حين يبلغ أقصى مناطق الحضيض قدرة عجيبة على الخروج من جديد إلى النّور. ولكن لماذا نشاهد عندنا العكس؟ لماذا كلّما خلنا أنّ بابا صغيرا فتح على إمكانات العيش معا تطلع لنا غيلان التّكفير والتّطرّف لتلتهم اللّغة والأرواح؟ لماذا كلّما انتظرنا حوارا لتحرير المجتمع والذّوات تعود إلينا نفس النّقاشات المتكرّرة والممجوجة التي تغلق ساحات الحوار وتهمل أسئلة الحياة، لصالح مثقّفين يتبارزون حول جثث القضايا، وحول نجوميّتهم النّرجسيّة الخاصّة؟

إنّ كائنات التّكفير أرواح ملعونة رهيبة طلعت من رحم مجتمعاتنا القاسية وغذّت جوعها عطالتنا السّياسيّة والفكريّة. كائنات ظلام تتكلّم بألسنة أناس هم نفسهم ذاقوا مرارة الإقصاء والإحباط وفقدوا إنسانية الكلام من فرط تهميشهم خارج لغات الحياة. كائنات تلبس أجساد الشّباب المؤمن بسذاجة الواثق بالأفكار المتطرّفة، وتلبس أيضا أرواح من هم أقلّ شبابا وإيمانا ولكنّ لهم خبث التّصرّف في النّفوس وقيادتها نحو خراب إنسانيتها. أرواح تلبس الجميع وتظلّ تطوف بهم في عرائنا الحضاريّ لتحرق كلّ تجربة أو فكرة يانعة.

في قرار التّكفير يتسلّح الجميع بأقصى ما لديهم من أفكار وسلوكيّات وانطباعات وأقساها. يصبح البحث عن أكثر الأشياء تطرّفا ترياقا يشفي من تعقّد الواقع الذي ما فتئ يستعصي على الإدراك. الجميع يمتلكون الحقيقة والجميع قد يقتلون من أجلها. يقتلون الحاضر والماضي والمستقبل. يقتلون باللّغة والسّياسة والإعلام والتكنولوجيا الحديثة والمال والأيديولوجيات والأسلحة.

وراء دعوات التّكفير قرار يتّخذه من وهبوا أنفسهم لنفي الآخرين ولتحقيق مصالح سياسيّة وإيديولوجية وحتّى ذاتيّة. فمن خلال إستراتيجية إسكات صوت الآخر يتوهّم البعض أنّهم يمهّدون الطّريق للسّيطرة السّياسيّة المطلقة وإقامة المجتمع “النّظيف” الخالي من الشّكّ المؤلم. ولكن هذه المقاربة تنبني على خطاب سياسيّ ساذج. فبعد السقوط المدوّي للأيديولوجيات الكليانية، فإنّ السّيطرة المطلقة على فضاءات التفكير والخطاب السياسي من طرف واحد أصبحت شبه مستحيلة. ورغم كل الدم الذي أهرق في تجارب دينية مطلقة، ورغم حبس أصوات الفنّ والثقافة والفكر بما فيه الفكر الدينيّ الإصلاحيّ، لم تنجح تجربة واحدة للحكم المطلق الديني. قد يكون للتكفير هدف للسيطرة من خلال محاصرة الفكر النقدي وإدامة فكر محافظ وسلوكيات محافظة، ولكنّ ذلك لا يمكن أن يكون ممكنا في وضع أصبحت فيه للفرديات إمكانات هائلة للتّعبير، وتعدّدت فيه انتماءات الأفراد، وازدادت استعصاء على الحصر في أمثلة جامدة. لذلك لن يخدم التكفير في النّهاية سوى مصالح قد تتلوّن بمساحيق الدّين أو المحافظة، ولكنّها تبقى في نهاية الأمر مصالح هيمنة تنتزع إٍنسانيّة الجميع.

إنّ تحلّل أسس الخطاب السّياسيّ بانحسار سلطة الأيديولوجيات المطلقة، وتراجع الاعتقاد في اليوتوبيات وأوهامها المخلّصة، وغياب وحدة الخطاب السّياسيّ التي كانت تتمحور حول كتل كبرى، سواء كانت شيوعيّة أم اشتراكيّة أم قوميّة أم دينيّة أم ليبراليّة، أدّى إلى انحسار فضاءات الصّراع السّياسيّ وانغلاقها وإلى تفتّت كتل “الحقيقة” السّياسيّة، وضياع السّياسيّ في تعبيرات متعدّدة لا تسمح ببناء وحدة الوهم المنقذ.

إنّ محاولة استعادة وحدة الوهم، وإيجاد حامل أيديولوجيّ وسياسيّ وحيد يجيب عن أسئلة عالمنا- الذي يتسارع إيقاع منجزاته العلميّة والتكنولوجيّة وتكشف فيه أسرار الذّات والمجتمعات باستمرار- هو المأزق الذي تتوالد منه جموع متطرّفة وعنيفة من كثرة بحثها عن المطلقات. جموع امّحت من ذاكرتها السّياسيّة أسباب الصّراع السّياسيّ العميقة وساحاته الأولى، وأصبحت ترى في المشكّكين في المطلقات عدوّا وحيدا أمام بناء مجتمعاتها المتوهّمة. لذلك يسعى دعاة التّكفير وخطاب الإقصاء العنيف إٍلى سجن المثقّفين النّقدييّن على اختلاف أنواعهم ،ومن بينهم حملة الفكر الدّينيّ الإصلاحيّ، في صورة وحيدة وهي صورة التّشكيك في معتقدات الجموع وهويّتهم الرّاسخة، فينزعون عنهم خصائصهم ويمحون أعمالهم النّقديّة الهامّة، وينفون إبداعاتهم من أسئلة حياة النّاس. هذه الاستراتيجيّة النّافية للآخر المختلف تنجح أحيانا في عزل المثقّفين في شباكها العنكبوتيّة، وتنقل السّياسيّ من صراع كتل المصالح والبحث عن تغيير المجتمعات حسب رؤى مختلفة إلى صراع نرجسيّات بين تكفير وتكفير مضادّ وعنف رمزيّ وعنف مضادّ.

ولعلّ المتأمّل في خيبتنا الحضاريّة يلاحظ أنّ صراعاتنا تكاد تنحصر في نقاشات متوتّرة ومملّة حول الدّين، في مظاهره الأكثر تجريدا وفلكلوريّة، من فرط إخضاع الأفكار لمصفاة التّكفير والتّخوين والعزل. لقد أصبح خطاب بعض نخبنا السّياسيّ في حالة موت سريريّ، لا تحرّكه سوى الخصومات المتكرّرة منذ ستّينات القرن الماضي حول الدّين والعلمانيّة وطبيعة الدّولة الخ… خطاب فقد روحه وجدواه وتحوّل إلى مجال لإنتاج الإقصاء المتبادل، بينما تقبع قضايا الحياة ومشاغل التّعليم والتّربية والبحث العلميّ والاقتصاد والصحّة والتّمييز والتّفقير الرّوحيّ والماديّ وغيرها، على مكاتب سياسييّن ونخب أخرى تمتلك صنع القرار وتنفرد به، بعد أن غرق بعض المثقّفين في غيبوبة القضايا ” الكبرى” وبريق الإعلام.

إنّ إقصاء قضايا الحياة من رؤانا السّياسيّة وحصرها في ثنائيّة المؤمن والكافر يصنع عالما من الظّلمات الدّائمة. ظلمات مطلقة تتوالد منها الكائنات الهشّة التي تكفّر وتنفي. هذا العالم يستقلّ تدريجيّا حتّى عن سدنته، ويتحوّل إلى آلة رهيبة تبسط سلطانها على الجميع. فلكلّ مكفّر كائن أعلى سيكفّره بدوره، ولكلّ كائن يعيش من أجل نفي الآخر قدر سينفيه ويمحو حكايته من الوجود. إنّها حلقة عنف مفرغة من معاني الحياة تملأ يوما بعد يوم بحيوات المكفّّرين والمكفَّرين المهدورة معا.
فالمكفّر وهو يصدر قرار التّكفير نفيا للآخر يفقد تدريجيّا إنسانيّته ويتحوّل عبدا لآلة الظّلمات.
ووراء قرار التكفير حيوات في قمّة ألمها وعجزها ونقصانها فقدت قدرتها على أن تحقّق ذاتها في شيء ما. إنّه الإحساس بالعجز أمام الواقع والتّاريخ يتحوّل إلى بحث عن بناء قوّة من خلال محو تاريخ الآخر/ العدوّ، وحلّ صراع الذّات مع الواقع من خلال الثّأر من الآخر المختلف، ومن خلال تغذية الانقسام الدّائم بين متديّنين وعلمانيّين وأصيلين وغرباء ووطنييّن وخونة.
إنّ نزع إنسانيّة الإنسان وتعطيل إمكانات الحوار والتّواصل بين النّاس، هو قوت آلة الظّلمات ومصدر عنفوانها المدمّر والفضاء الذي تصطفي منه المرشّحين للتّطرّف والتّكفير. كما أنّ ضرب الثّقافة والإبداع وتحويل التّعليم إلى أداة للاّمعرفة والجهل المعمّم والإقصاء السّياسيّ والاجتماعيّ وهيمنة منطق استهلاك القديم المحنّط، وسجن الدّين في شعارات “تجفيف المنابع” حينا، وتجفيف العقول حينا آخر، عوامل تديم سلطان الظّلمات وتبعدنا تدريجيّا عن الاهتمام بالبحث في أساليب تغيير المجتمعات. فلا عجب أن تعجز عزائمنا عن الإجابة عن قضايا الحياة، وأن ننام نومة الغفّل معانقين قنابل مجتمعاتنا الموقوتة، في حين نسلم شبابنا وأطفالنا إلى رعب المجهول.

هل ستحين لحظة في مسارنا الحضاريّ يملّ فيها الجميع لعبة الموت هذه؟ لحظة نرتاح فيها ولو لوهلة من خيبة تعاملنا العنيف مع بعضنا البعض.
لحظة نعلن فيها إٍيقاف العمل بعقوبة التّكفير والإقصاء مثلما أوقفت عشرات البلدان تنفيذ حكم الإعدام بغية إلغائها تماما. لحظة للتفكير في معنى العدوّ، وهل هناك من حاجة لأعداء حتى ننمو ونعيش أم نحن في حاجة لصراع مع أنفسنا من أجل بناء إنسانية جديدة.

بعد نهاية هذه الجولة من التكفير وعنف لغة الخطاب السّياسيّ وانسداد آفاق الحوار، سنكتشف مرّة أخرى – وللمرّة ما بعد الألف – أننا أضعنا وقتا طويلا في خدمة مصالح تتجاوز الدين والايديولوجيا، وسنعود لنتباكى على غياب الحوار وتردّي المشاعر الإنسانية، وسيلقي دعاة التّكفير والإقصاء أسلحتهم المادية والرمزية في ندم وتوبة ونعود للنقاش عن مآثر الحوار المتمدن وخصاله الجمّة. ولكن سنكون قد أضعنا فرصا تاريخية أخرى للعمل السلمي على تغيير المجتمعات، وستكون حاضنات عنف وإقصاء وتكفير أخرى قد اشتغلت في غفلة منّا لتخرج من بين أطفالنا دفعات جديدة من جنود ظلمات أخرى أقسى وأمرّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق