تكوينات النخب وأدوارها / سعيد حارب

تشهد المجتمعات العربية تحولات سريعة ومتلاحقة، تتواكب مع ما يشهده العالم من متغيرات على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية. وقد انعكست هذه التحولات على القوى المؤثرة، أو ما يطلق عليها قوى «الحراك» داخل هذه المجتمعات. فقد تغيّرت بعض المواقف والاتجاهات التي كانت سائدة خلال العقود الماضية حتى حسبها الناس «ضرباً لازماً» من الواقع، وتكرست فكرة أن المبادئ والمواقف لا تتغير.. ثم فوجئ العالم عند بداية نهاية القرن الحادي والعشرين أن المتغيرات التي شهدها العالم لم تتوقف على الظاهر العام للمجتمعات، بل امتدت كذلك إلى المبادئ الأساسية، بخاصة تلك المواقف التي كانت نتاج فكر إنساني، إذ بقيت المبادئ الدينية أقل عرضة للتغير نظراً لثبات واستقرار أصولها، وإن كان الفكر المستمد من هذه المبادئ قد شابه التغيير كذلك.

أما الفكر الإنساني، فقد شهد خلال هذه المرحلة جملة من المتغيرات «الجوهرية» التي عدها الناس «ردة» وتراجعاً في بعض صور الفكر الإنساني، بينما هي في واقع الأمر تشكل دليلا على حيوية هذا الفكر ومرونته وعدم جموده عند حد. ولذا نشأت مواقف جديدة كان لأصحاب التغيير والتطوير نصيب وافر منها، بينما بقي «المحافظون» أو المتمسكون بأفكارهم بعيداً عن الواقع، بل يكاد هذا الواقع يبتعد عنهم يوماً بعد يوم لتزداد الشقة بين مبادئهم والحياة. ولذا استطاع أصحاب الفكر التجديدي أو التطويري أن يواكبوا متغيرات العصر، وأن يحفظوا لأنفسهم وأفكارهم الاستمرار والعطاء والتكييف مع كل متغير. وقد قاد كلا الاتجاهين «المحافظ» و«التجديدي» شريحة من المجتمع تتولى تحريكه، وهي شريحة «النخبة»، ذلك المصطلح الذي يطلقه البعض على فئة من الناس تمارس دوراً في التغيير والتطوير، وتكون عادة، ذات تأهيل علمي متقدم أو ذات مكانة «وظيفية» عليا، أو مكانة «اجتماعية» متميزة.

ويمكن تصنيف المفكرين والأدباء والأكاديميين والكتاب وغيرهم من الفئة ذات التأهيل العلمي، وهم أكثر استمرارية وتأثيراً في المجتمع، إذ لا يتوقف دورهم على أداء «وظيفة» مهنية أو مكانة اجتماعية وإنما يستمدون صفتهم «النخبوية» من تأهيلهم وعطائهم الفكري والأدبي. وقد سجل التاريخ أسماء كثير من هذه الفئة التي كان لها الأثر البارز، لا في مجتمعاتها فقط، وإنما في مستويات عالمية، باعتبارها ذات عطاء فكري إنساني شامل. وعادة ما تكون هذه الفئة رائدة في التغيير والتطوير الذي تشهده المجتمعات، على الرغم من أن دورها لا يبدو مؤثراً بصورة مباشرة، إذ إن تأثيرها بطيء ولا تبدو نتائجه إلا بعد مرحلة طويلة، لأنها تعتمد في ذلك على التربية وتغيير الاتجاهات العامة والتحولات الفكرية التي تتسم عادة بالبطء، ومكانة هذه الفئة وموقعها من التأثير في المجتمعات مرتبطاً بالحالة العامة لأي مجتمع. فحين تسود الديمقراطية والحريات بصفة عامة، تنشط هذه الفئة، ويصبح لها تأثيرها الفاعل، بينما تخبو وتتراجع في أجواء الديكتاتورية وكبت الحريات وأوضاع الهيمنة أو شمولية الفكر وأحاديته، كما بدا ذلك واضحاً أيام الاتحاد السوفييتي السابق، وكذلك في المجتمعات التي سادتها الأنظمة الديكتاتورية والعسكرية، بينما نشطت النخبة الفكرية بصورة واضحة في المجتمعات الغربية التي تسودها الديمقراطية والحريات، بل إن بعض المجتمعات دفعت بمثقفيها ومفكريها إلى صدارة المجتمع في أثناء تحولها من الأنظمة الشمولية إلى الأنظمة الديمقراطية، مثلما حدث في رومانيا حين سقط الدكتاتور السابق «تشاوشيسكو» وصعد بدلاً منه «اليسكو» ليتولى رئاسة رومانيا في أثناء التحول الديمقراطي.. وكما حدث في جمهورية «التشيك» حين تولى رئاستها الكاتب والأديب «هافيل» بعد انتقالها من النظام الشيوعي إلى النظام الديمقراطي.

ولأهمية هذه الفئة من النخبة تحاول التيارات الفكرية «الأيديولوجية» استقطابهم من ضمن مجموعاتها المنتمية لها، باعتبارهم الأدوات التي تلج من خلالهم إلى التجمع وتؤثر فيه. ولذا فليس مستغربا أن نجد أن شريحة واسعة من النخبة الفكرية هي في الوقت نفسه «نخبة «مؤدلجة»، بخاصة حين يقابل ذلك رغبة من النخبة ذاتها في الاندماج بالتيارات الفكرية، باعتبارها معبرة عن أفكارهم واتجاهاتهم، أو أنهم يجدون فيها ميداناً لتطبيق أفكارهم ومعتقداتهم ومبادئهم، فتلتقي الرغبات ليندمج هؤلاء ضمن هذه التيارات، بل إن كثيرا من هذه النخب تتصدر تلك التيارات، باعتبارها العنصر المتميز فيها، وباعتبارها محط التأثير في الآخرين. لكن شريحة منهم تفضل الاستقلال، إما لعدم قدرة تلك التيارات على استيعابها بذلك الوصف، أو لأن هذه النخب تفضل الاستقلال بذاتها رغبة منها في عدم «التأطير» الأيديولوجي، أو لاعتقادها أن ذلك الإطار يحرمها من التواصل مع الأطراف والتيارات الأخرى، أو لأن كلا الطرفين لم يستطيعا مواصلة السير لتصادم في التوجهات، بخاصة أن بعض التيارات الفكرية تتسم بالجمود والبـطء في تغيير أساليبها وطرق تعاملها مع الآخرين، بينما تتميز النخب بسرعة التطور والقابلية للتغيير وفقاً لما يطرأ عليها من تحولات، ولما تتعرض له من متغيرات ثقافية وفكرية نظراً لأنها ذات سعة في المعرفة والاطلاع. لذا نجد أن بعض أفراد النخب الفكرية غالباً ما تفضل الاستقلال «الذاتي» دون الاستقلال «الفكري»، أي أنها تحافظ على فكرها الذي تنتمي إليه، وتغذيه وتطوره، بينما تستقل في أدائها وعطائها، بخاصة إذا وجدت معارضة أو تحجيما من التيار الذي تنتمي إليه.

ومع هذا تبقى التيارات الفكرية بصفة عامة تيارات فكرية «نخبوية»، وتبقى النخب الفكرية، سواء كانت «فردية» أم «جماعية» هي المتصدرة في ميدان التأثير والتحول في المجتمعات. لكن المتتبع لحال النخبة العربية يجد تراجعا لدور النخبة «المؤدلجة» تأثرا بتراجع التيارات الأيديولوجية. وقد بدا ذلك واضحا في الانتخابات التي شهدتها بعض الدول العربية، حيث تضاءل الحضور السياسي لهذه التيارات، وحل محلها ما يمكن تسميته بـ«النخب» الرسمية التي تتماهى مع اتجاه النظم السياسية في بلدانها، ويمارس بعضها دورا في تمرير كثير من المشروعات التي تتبناها هذه النظم، حتى ولو كان ذلك على حساب المصالح العامة، مثل تمرير بعض القوانين المقيدة للحريات، أو التغاضي عن الفساد الذي ينتشر في تلك الدول، وهذا يتناقض مع دور النخبة في أي مجتمع، باعتبارها الفئة القائدة لتطويرالمجتمعات والشعوب والمحافظة على مصالحها.

عن جريدة أوان 16/7/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق