تلازم الفكر التأمّلي مع النظرة التجزيئيّة للكون

إن التقليد الثنائي قد كان قديما في المجوسية السابقة لزرادشت  (628 – 551 ق.م ) الذي لم يفعل أكثر من تكريسه ،و إن كان قد أكد على أن النور قديم و الظلمة محدثة ، مما كان يعطي نوعا من الأمل في إنشاء حالة من الخلاص الإنساني بتأكيده عدم أزلية الشر ، و على الأقل ، بإمكانية التغلب عليه عبر نزوع الإنسان السلوكي إلى تغليب الجانب الخيّر فيه ، عبر العمل ، و ليس بواسطة التأمل أو الهروب إلى الروح القائم على أمانة الجسد . و هذا ما أتاح مجالا لتحول الزرادشتية إلى حالة شبه تركيبية ، من خلال استعمالها كدين رسمي للدولة الساسانية( 229 – 651 م) ، وإن لم تستطع إثبات فعاليتها الكبيرة في هذا المجال ، إذا قارناها باليهودية ثم بالإسلام .

 

      قدم ماني ( 214 – 276 م ) رؤية  دينية  تؤكد  على  قدم الإثنين [ ( الخير= النور ) و ( الشر = الظلمة ) ] و أزليتهما ، مما جعل المانوية (( ثَنوية )) لا علاج لها ، و هذا ما أعطاها طابعا تشاؤميا ، من خلال تأكيدها على الزهد والنسك والعبادة ، الشيء الذي أثر بالتأكيد على نظام الرهبنة المسيحية الذي   أنشأها  القديس  ( باخوميوس ) ( 290 – 345 م ) .  حيث نرى المانوية تميل للتأكيد على رفض الزواج و إماتة الجسد ، و رفض العمل الذي أعطت أولوية للتطهير الداخلي عليه , في عملية الوصول إلى الله .

 

      من هنا ، ليس صدفة تجاهل ماني لليهودية و عدائه لها ، و طموحه إلى تأسيس دين مركب يجمع الزرادشتية و البوذية و المسيحية . حيث إستطاعت المانوية ، في النهاية ، أن تتداخل في بنية كثير من المذاهب المسيحية ، سواء في الشرق الأوسط كالنسطورية[نسطور( 380 – 451 م) بطريرك القسطنطينية( 428- 431 ) ] أم في الغرب الاوروبي حيث أثرت على كثير من الحركات الهرطوقية ، كالكاتارية بالقرن الثاني عشر . بينما نجدها زمن العباسيين ، في حالة صراع شديد مع الإسلام ، و لم تستطع أن تتداخل سوى في الباطنية الشيعية و التصوف .

 

       تقدم المانوية الله في صورة ( السلب ) ، أي بلا صفات ، لا يحدّه التصور العقلي ، و لا يجوز إجراء القياس عليه من خلال استخدام المحسوسات ، و بالتالي فهولا يملك فعالية حركية كالتي تعطيها اليهودية و الإسلام له ,أي أنه ليس هوالمُدَبّر و الصانع ، و إنما هناك ( متوسطات ) هي الفلك و الأجرام التي تتولى هذا الأمر. ولا يتقرّب منه سوى الروحانيون الذين يستطيعون تطهير النفس من الشهوات والمحسوسات ، و هذا لا يتم إلا عبر رياضة روحية صراعية ضد الداخل والجسد ، تستطيع إيصالهم إلى القداسة المتجاوزة لدنس المواد المحسوسة و الجسمانية . و هؤلاء هم بمثابة      ( مُعَلِّمين ) الآخرين ، للوصول إلى تلك الحالة المتاحة للإنسان ، عامة ، مما يجعلهم ، في النهاية ، منكرين لظاهرة النبوة ، عملياً .

 

      الملفت للنظر أن تلك الثنائية التي تقدمها المانوية في السماء (النور و الظلمة = الخير والشر) ، تجد لها انعكاسا في الارض بين (الروح والمادة ) ، و بالتالي في إنشاء ثنائيات لا حل لها بين الروح و الجسد، بين الفكر و الممارسة ، بين النظر والعمل ، إلا عبر حلول تقسيمية – هروبية إلى الأعلى ، من خلال نبذ المحسوس الجسدي و المادي، للوصول إلى ( الإله المتعالي ) . و هذا لا يتم عبر العمل الذي واسطته و موضوعه هما الجسد و المادة ، وإنما عبر التأمل و العرفان المتجه إلى الأعلى ، و ليس إلى الأسفل المتمثل في الأرض.

 

 

      اعتَبرت الأفلاطونية الحديثة في شكليها الشرقي ( فيلون الاسكندري20ق م-50م +نومينيوس الأفاميالقرن الثاني الميلادي ) والغربي (أفلوطين) 204 – 269 م   أن هناك تواصلا    ( ما ) بين العالم العلوي و الأرضي ، و مَرَدُّ ذلك ما –صوره الكائن المتعالي في  (العقل) الذي عكسه في ( النفس الكلية ) التي عكسته بدورها في( الطبيعة الكلية ) . والإنسان مركب من هاتين القوتين اللتان هما في حالة تضاد بين ما تمثله الأولى من عناصر خيرة ( = المحبة ) و ما تمثله الثانية من لذات حسية . لذلك فالإنسان تعبير جزئي عن الطبيعة و تعبير جزئي عن النفس التي تتوق إلى إعادة الإتحاد بالعقل وصولا إلى الكائن المتعالي : و الوجود البشري هو تعبير عن هذا الصراع المضطرم في داخل الإنسان و هذا حلّه لايتم إلا من خلال التغلب على الجانب الطبيعي في الإنسان ، و تحويل الجانب الروحاني من نفس جزئية إلى كلية      (( مُعَادَةْ )) وصولا إلى المطلق .

 

      يلاحظ ،هنا،أن التوق إلى الله في حضارة (( ملغومة )) بكثير من العناصر المتناقضة و المتنافرة ، و المليئة بانتشار الملذات الحسية و انهيار العرف الذي كانت الأبيقورية التعبير الجلي عنه ، إضافة إلى حالات الاضطهاد السياسي العنيف الذي مارسه السلوقيون اعتباراً من أنطيوخوس أبيفانوس ( 187 – 164 ق.م ) ضد اليهود ، أثناء محاولة فرض الثقافة اليونانية التي تطورت إلى إحلال ( زيوس ) مكان ( يَهْوَهْ ) وإعلان أبيفانوس لربوبيته ، مما أدى إلى ثورة المكابيين عام ( 168 ق.م ) – قد ولد ميولا شديدة إلى الاتحاد بالمتعالي ، هربا من الأرضي ، مما جعل مشكلة ( المتوسطات ) المؤدية إليه ذات طابع ملح . كما جعل ذلك ، العقل مع محسوساته ، يتراجع إلى المكان الخلفي ، و أنشأ حالة من إنتظار ( المخلص ) . و ليس مصادفة في هذا المجال . أن تكون الإشارة الأولى إلى العالم الآخر في التوراة ، هي في سفره الاخير ، أي ( سفر المكابيين الثاني ) : حيث أن فقدان الأمل اليهودي في الأرض ، قد ولد حاجة للتعويض في ( الآخرة ) يتم فيها مكافأة الذات المؤمنة ، و معاقبة خصومها و مضطهديها،ولكن عبر المحاسبة بالآخرة على عمل العالم الحسي الذي يقوم به (المؤمن) ،وذاك الذي يقوم به(المخالف) لله .

إلا أن ما يميز التوحيد اليهودي  عن  الثنوية المانوية ،هو اعتباره العالم طريقا إلى الله , بكل ما يعنيه من مادة و محسوسات . ومن هنا تكون الإنتاجية والعمل , وبُعدهما المتمثل في السياسة التي تعني إقامة دولة الله على الأرض، هما الدين الحقيقي – وفقاً لليهودية وقبلها أيضاً التوحيد البابلي مع مردوخ- الذي يعني إتحادا بالله من خلال الأرض و السيطرة على الطبيعة و المادة ، و ليس هروبا منهما .

 

      لذلك فإن إبعاد الله عن الأرض ،  و تنزيهه  ،   و إقامة ثنائية     [= شرخ] صميمية بين المطلق ، كهدف للوجود ، و بين المادة ، كان يعني عبثية العمل و الحياة بوصف الأخيرة ممرا إلى معنى الوجود. الأمر الذي يعكس الطريق المسدود الذي ولدته الحضارة الهيلينيستية الخاضعة لسيطرة روما . و ربما في هذا المجال لم يكن بمقدور(آلهة الانتقام) أن تتيح للشرق فرصة الانتقام ، سوى في جعل تلك الأفلاطونية الحديثة هي الأيديولوجية المسيطرة على روما ، في القرون التالية ، مما أتاح تفجير الحضارة الرومانية و عجل في انهيارها عام ( 476 م ) .

 

 

     هنا، لم تستطع المسيحية تجاوز ذلك اليأس و التشاؤم الذي ساد الشرق بعد سقوطه على يدي أثينا و روما ، و الذي عبرت الأفلاطونية الحديثة بجلاء عنه ، رغم أن المسيح قد حاول تقديم حل خلاصي من هذا الوضع . و هي في هذا المجال ، قد أعطت حلا متقدما لمشكلة( المتوسطات ) المؤدية إلى ( المتعالي ) ، عبر تقديم الإله في صورة جسد طبيعي : فهي ديانة تتمحور حول (المتوسط) ، الذي هو(الإبن) ، وحول تحديد طبيعته ، هذه المشكلة الأخيرة التي على ضوء الإجابة عليها تحددت مضامين المذاهب المسيحية .

 

    إلا أن الأفلاطونية الحديثة و المسيحية قد مثلتا ، معا ، مزيجا من العناصر الشرقية و اليونانية ، و محاولة التوفيق بينهما ، إلا أن ذلك قد أدى إلى وقوعهما في ثنائية بين النظر والممارسة لا حل لها إلا بواسطة الهروب من الجسد و العمل و المادة .

 

      و هذا أدى على المدى البعيد ، إلى عدم قدرة أي من هاتين الأيديولوجيتين في أن تكون تعبيرا عن إحدى الحضارتين و لا عن كليهما معا ، الشيء الذي يفسر انقسام الأفلاطونية الحديثة بين شكلها الشرقي ( نومينيوس ) و الغربي ( أفلوطين )، و كذلك انقسام المسيحية بين تياريها الشرقي و الغربي ، وإن كان تعبيرها الغربي المركز على الثنائية ، أي الكاثوليكية البولسية المطعمة بعناصر مانوية جلبها القديس الجزائري أوغسطين ( 354- 435 او 430 م ) إليها ، قد استطاع أن يكون الأيديولوجية الرئيسية للغرب الأوروبي طوال العصور الوسطى 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق