تلاقي الأضداد: العقلانية بين الدّعوى والإجراء


 تلعب كلمة العقلانية في المجال التداولي العربي- الإسلامي الرّاهن دورا في استراتيجات الفاعلين الاجتماعيين شبيها بذاك الذي كان لعبه" قميص عثمان" في بدايات الإسلام داخل ما تسمّيه الأدبيات التاريخية بالفتنة الكبرى. فالرّهان الأعظم  بين الكتابات المتنازعة هو اكتساب مشروعيّة الحديث باسم "العقل" واحتكار سلطته الرمزيّة. ويكون ضمان هذه الرمزيّة هو وحده الكفيل بإدراج الخطاب  داخل دائرة العلم بالمعنى الحديث وما يعنيه ذلك من سلطة مرجعيّة، بل  ما يعنيه من سلطة معياريّة أحيانا. ولعلّ المسافة بين الادّعاء الذّاتي (l’auto-estimation) وبين الاعتراف الجمعي هو المجال الذي يمكن أن تتنزّل فيه المجهودات النقدية وهي مجهودات تحكمها دائرتان مرجعيتان :

– دائرة مرجعية كبرى يمكن أن نسمّيها الجماعة المرجعية الحضارية. وهي الجماعة التي يتوجّه إليها الخطاب إمّا بتأكيد نظامها الفكري أو بنقضه جزئيا أو في إطار مقاربة راديكاليّة. وهذه الجماعة المرجعية لا يمكن بحال لاختياراتها الروحية أو  المؤسساتية أو القيمية-التشريعية  أن تكون محلّ إجماع  وذلك لصدورها عمّا يسمّيه محمد أركون بنظام من العقائد- اللاعقائد التأسيسية. وهو نظام قد يسعى إلى ضرب من العقلنة و لكنّها عقلنة تظلّ مهما كانت ادّعاءاتها الكونيّة مجرّد ظهورات لعقل "ملّي" أو فرقي مخصوص.

– دائرة مرجعية صغرى هي ما يسمّى بالجماعة العلمية  أو السلطة المعرفية "المرجعية" ذات الوظيفة  التحكيمية المعترف بشرعيتها ضمن مختلف الحقول المعرفية. وبالطبع فإنّ هذه الدائرة هي أكثر وفاء بمطالب العقلانية بالمعنى التداولي الحديث وإن كنّا- كما بيّن بيير بورديو وغيره- لا نستطيع أن نفصلها عن الرهانات السياسية والاقتصادية المتحكّمة في حركة الرساميل الماديّة والرمزيّة وسبل توزيعهما داخل الفضاء العامّ، ومنه الحقول المعرفية المنتجة للعقل الحديث.           

ويأتي هذا المقال المتواضع لأننا قد لاحظنا في أغلب الردود المتوجهّة إلى الأعمال الصادرة على موقع الأوان غلبة السّلطة المرجعية للدائرة الأولى –أي الدائرة الحضارية- وخفوت صوت الدائرة الثانية.   والحال أنّ  الأصل في المحاورات الفكرية أن تحتكم إلى سلطة الجماعة العلمية مهما كانت لنا عليها من احترازات. وقد اخترنا الاشتغال على نصّ للأستاذ حمود حمود هو مقاله الأخير المنشور على موقع الأوان بعنوان"هل كان محمد عبقريا؟ نقد ظاهرة الوحي المحمّدي". وسنحاول في هذا المقال الإعراض ما استطعنا عن إشكاليات الجماعة المرجعية الحضارية وحصر التفكير ضمن شروط الجماعة العلمية وذلك لعلّتين :      
1- قصور النقد المرتبط بالاختيارات الحضارية الجمعية عن بناء خطاب "معقلن" يمكن أن يتوجّه إلى خارج الدائرة الإيمانية أو الروحانية التي يتنزّل فيها ويعمل داخلها. وهذا لا يعني غياب صفة العقلانية عنه، ولكنها عقلانية لا تتطابق بالضرورة مع متطلّبات العلم الحديث كما يفهمها الأستاذ حمود.          

2- صدور الكتابة عند الأستاذ حمود حمود من موقع معرفي يصادر مبدئيّا على اندراجه ضمن خطاب العلم لا خطاب الإيمان وروافده التراثية. بحيث لا يمكن بحال أن نحكم عليه من خارج الدائرة المرجعية التي يعلن الانتماء إليها، ألا وهي دائرة العلم الحديث.

    وسنسعى إلى تفحّص مدى صدق هذه المصادرة الكبرى أي "العقلانية" المنتجة للمعنى داخل النص "الحمودي". تلك العقلانية التي من المفترض فيها أن تكون محلّ اتفاق ولو جزئي بين المنتمين إلى "الفكر الحديث" بغضّ النظر عن انتماءاتهم الحضارية أو اختياراتهم الروحية.

وقد اخترنا الاشتغال التحليلي التفكيكي على النص المذكور أعلاه لأننا وجدناه محقّقا   لشروط "التمثيل" على نمط في الكتابة يتجاوز حدود هذا النص المفرد وذلك بمعنيين:                  

1- بمعنى أنّ هذا النص يعبّر عن اختيارات كاتبه المنهجية والمفهومية والإشكالية والمرجعية والقصديّة. وهي مجمل المستويات التي سنتناولها بالنقد. وذلك لأننا نراها ثابتا "بنيويا" في كتاباته رغم اختلاف موضوعاتها أو تباينها الظاهر. فالكل ينتمي –في تقدير صاحبها- إلى مشروع "عقلاني" واحد مداره إعادة قراءة بعض المفاهيم التأسيسية للوعي الديني من خارج المسلّمات الإيمانية التراثية.                                                                                                          

2- بمعنى أنّ نمط الكتابة فيه ليس نمطا "فرديا" بل هو يتجاوز الذوات المفردة ليشكّل  توجّها في الثقافة "العلمانويّة" الحديثة الموضوعة باللّسان العربي.

في اللّامنهج: الكتابة  العفويّة و اللّامفكّر فيه:

لمّا كان هذا المقال مجرّد مقدّمات عامة في إشكالات التعامل العقلاني مع الظاهرة المدروسة و خاصة عندما تتنزّل تلك الظاهرة في أفق القداسة الجمعيّة، فإننا لن نفصّل القول في كل المزالق المنهجية التي دخلت على الكتابة "الحمودية" في قضايا التراث. وسنحصر النّظر في قضية العدّة المنهجية التي على الباحث "العقلاني" التسلّح بها كي ينجح في مخاطبة العقل الحديث، حتى وإن بدا في موقع الضّدية المطلقة مع الاختيارات الجمعية التي قدّسها التاريخ سواء في مستوى الملّة أو الفرقة والمذهب. إنّ الوفاء بالمناهج الحديثة هو وحده الكفيل بإخراج بعض المقالات المتنازِعة من دائرة الايديولوجيا و"العقائد البديلة" إلى دائرة العلم المعترف بسلطته المعيارية. فهل استطاع الأستاذ حمود تحقيق هذا المطلب المنهجي في أدنى منازله؟

لا يختلف المشتغلون في المعرفة الحديثة على تعدّد تخصّصاتهم أنّ المقاربات الحديثة لأي ظاهرة لا يمكن أن تستغني عن اختيار منهجي أوّل  لا مندوحة عنه لأيّ كتابة تريد أن يُعترف بسلطتها داخل قطاعها المعرفي المخصوص. ومدار هذا الاختيار هو الحرص على ألاّ تنحصر المقاربة ضمن طرح أحادي  والعمل على الانفتاح على المعارف الأخرى سواء تلك القريبة بشبكتها المفاهيمية ومواضيعها أو تلك التي قد لا تبدو مفيدة إلاّ بأثرها في خلخلة السائد الإشكالي وتحريكه نحو مناطق لم تكن من المفكّر فيه داخل الحقل المعرفي. فالباحث في الإسلاميات التطبيقية مثلا- لو شئنا استعمال المصطلح  الأثير عند محمد أركون- لن يستطيع الإحاطة بموضوعه ما لم ينفتح على آخر مكتسبات العقل الحديث في الألسنية والسيميولوجيا وعلم نفس الجماعات و علم الاجتماع الديني والإناسة وغيرها. وحتى لا يُحمل كلامي على أنه ضرب من التعالم، فيكفي ما نبّهنا عليه من الضرورة المنهجية في الإفادة من العلوم الحديثة مع ترك كيفيّات هذا الانفتاح و مسالكه للتقويم المفرد تبعا لكل عمل بحثي. ولا يخفى على قارئ مقال السيد حمّود أنّ أستاذنا لم يكلّف نفسه عناء التفكّر في اختياراته المنهجية وبالتالي توضيحها للقارئ وبسطها في مدخل عمله كي يكون المتلقّي على بيّنة  من الأمر. فأيّ مقاربة ستحكم مقالته في "ظاهرة" الوحي حين ترتبط بكلمة العبقرية من أجل فهم التجربة المحمدية؟ وسنكتفي هنا بضرب مثل واحد يختزل هذه الضبابية المنهجية في العمل، وذلك بتفكيك العنوان نفسه. فالعنوان هو- كما يعلّمنا الدرس الأدبي – اختزال وتكثيف للمعاني الجزئية الواردة طيّ المتن وبالتالي فإنه ليس اختيارا اعتباطيا بل هو اختيار مقصود للكاتب يمكن انطلاقا منه تفكيك الإشكالية المركزية لمقالة الكاتب وبيان تهافتها المنهجي الناتج عن غياب ما يسمى "بالنموذج الإرشادي"( paradigm حسب عبارة توماس كون) أو "النموذج التفسيري" كما يسمّيه بيار بورديو..

"هل كان محمد عبقريا؟" هو سؤال المقال الرئيس، ولا يأتي السّؤال الفرعي"نقد ظاهرة الوحي المحمّدي" إلاّ لحصر العبقرية في إطار خاص هو "ظاهرة الوحي". ولكن ما هي القيمة العلمية "الحديثة" لكلمة العبقرية وإلى أي حقل معرفي تنتمي؟ هل السؤال عن العبقرية هو سؤال مؤرّخ، أم سؤال عالم اجتماع ديني، أم هو سؤال التحليل النفسي الفرويدي؟ لا شكّ أنّ هذا السؤال لا ينتمي "إشكاليا" ولا مفهوميا إلى أي من المعارف الحديثة وذلك لأنّ "مفردة" عبقرية غير دقيقة ولا منضبطة في استعمالاتها وليست لها أيّ قدرة وصفية-إجرائية تغري باستعمالها في المقاربات الحديثة، اللهم إلاّ في الدرس الأدبي. ومحصول القول أنّ العبقرية مفردة عائمة ذات قابلية كبيرة للأدلجة والتوظيف الضبابي ممّا يفقدها أيّ قدرة "تفسيرية" أو في أحسن الحالات يجعل تلك القدرة محلّ شكّ كبير. وقد استعملنا عمدا توصيف العبقرية بـ"مفردة" دون  تخصيصها الدّلالي بـ " مصطلح" أو "مفهوم" وذلك لأن العبقرية ليست مصطلحا علميا أو مفهوما سريريّا أو فلسفيا. فهي مشحونة بدلالات أدبية لم تتمّ مفهمتها -حسب علمنا المتواضع- لتكون أداة إجرائية ذات قدرة كشفية معترف بها.

إنّ الأستاذ حمود لم يوظّف كلمة العبقرية إلا لأنّه تابع الدكتور هاشم صالح ومن قبله الطبيب الفرنسي جون ايتيان ايسكيرول في استعمالها وغفل عمّا قد يسببه ذلك من إحراجات قد تنقض قيمة أطروحته من أساساتها. فالطبيب ايسكيرول هذا طبيب عاش في القرن التاسع عشر للميلاد (1772/1840) ولم يكن في مقاربته للنبوّة المحمدية خارجا عن  الإكراهات السياقية المتحكّمة في عمله التحليلي ما قبل الفرويدي. ويتجلى ذلك خاصة في المفاهيم الأرسطية التي ظلت حاضرة ضمن عمله. والناظر في الكتاب الذي اعتمده الأستاذ حمود- ناقلا عن الدكتور صالح-(des maladies mentales considérées sous les rapports : médical, hygiénique, médico-légal –Tome I-,librairie de l’académie royale ,paris 1838) سيجد أنّ ايسكيرول لم يذكر النبي محمدا إلا في موضعين . أما الموضع الأول فهو الصفحة 430 . وفيها يعتبر أنّ النبيّ محمّدا كان يعاني من مرض "الميلانخوليا" (السّوداء بالتّعبير القديم أو الاكتئاب بالتّعبير الحديث:انظر معجم مصطلحات الطب النفسي للطفي الشربيني-مركز تعريب العلوم الصحية و مؤسّسة الكويت التقدم العلمي). أمّا الموضع الثاني فهو الصفحة 502 ولا يأتي ذكر النبوة المحمدية إلا عند التطرّق إلى التأثير الذي تمارسه الأديان في سياقات تنزّلها التاريخي على ظهور بعض العقائد العامة مثل "المسّ" والخضوع لسلطة عوالم الجن اللامرئية.

ولا يخفى على أي قارئ عاقل أنّ ظاهرة النبوّة المحمدية تحتاج في استكناهها  إلى أكثر من هذه الطمأنينة الإيمانية التي لا تتجاوز قيمتها البعد التّوثيقي لما قبل العلم النفسي الحديث. ولن نفصّل المسألة في هذا الموضع فلنا لها عودة في نقد المرجعية المعتمدة لبناء خطاب عقلاني يحاول فهم ظاهرة الوحي الإسلامي. ولمّا احتوى العنوان في شقّه الفرعي على مفهوم" الظاهرة المحمدية" فقد انتظرنا من الأستاذ حمّود أن يجري هذا المفهوم الفلسفي من أجل عقل النبوّة المحمدية في قوانينها الداخلية و تجلّياتها الواقعية وما حكم سيرورتها التاريخية في اللحظة النبوية وفي المخيال الإسلامي. وهو مخيال لا يمكن فهم أبعاده التكوينية إلا بربطها بالحدث التأسيسي، أي بظاهرة الوحي المحمّدي وكيفيّات تمثّلها أو تحيينها في التاريخ . فماذا فعل الأستاذ حمود ؟

إنّه لم يفعل في كل ما كتبه غير أن "ميّع" مفهوم الظاهرة ليفقده كل الصرامة التي هي له حين يرتبط بخلفية فلسفية هي أساسا الخلفية الفينيمونولوجية. فالأستاذ حمود يرفض مبدئيا الطرح "الظاهراتي" كما أجراه الدكتور هشام جعيط .ولا يفهم من كلمة الظاهرة المحمّدية إلا المنجز اللغوي فيها أي القرآن. وهو اختزال غير مبرّر و لا مشروع  من جهة الدقة المفهومية، كما أنه اختيار سوف يكون علّة مركزية في التذبذب المفهومي الذي يخترق كامل النص "الحمودي" من حيث هو حركة غير مراقبة بين الإبداع بوصفه معطى لغويا صرفا وبين الإبداع " التاريخي" الذي لا يكون فيه النص القرآني إلا مكوّنا مفردا من مكوّنات نسق الفعل .و بالطبع فإنّ مفهوم الظاهرة هو ألصق بالمعنى الثاني (أي الفعل التاريخي المرتبط بما يسمى الظاهرة المحمدية التي ليس الوحي إلا بعدا من أبعادها) ولا يكون حصره في البعد اللغوي إلا إفقارا للمفهوم وخروجا به عن دلالاته الأصلية  التي أثبتت فعاليتها الإجرائية ضمن المدرسة الظاهراتية بمختلف توجّهاتها.

لقد حاول الكاتب بناء مقالة في ظاهرة الوحي المحمدي من خارج المقاربة الظاهراتية  التي هي عنده-كما تبدو في مشروع الدكتور هشام جعيط- ضربا من "الإسلاموية" التي لا تختلف كثيرا عن إسلاموية العقاد أو سعيد رمضان البوطي. وبغضّ النظر عن التهافت البيّن لهذه المقارنة، فإنّ البديل الذي يقدّمه  الدارس كان يمكن أن يعتدّ به لو صدر من أحد الفروع المعرفية الحديثة التي قد لا تشارك "الظاهراتية" مسلماتها ومنطلقاتها المنهجية وشبكتها المفهومية. كما أنّ النقد الذي وجّهه لعمل الدكتور جعيط كان يمكن أن يقبل لو استطاع  أن يبيّن بمنطق البرهان لا بآليات الخطابة تهافت المنظور الظاهراتي ومحدوديته أو احتياجه إلى إضاءات خارجية من معارف حديثة أخرى كالسيميولوجيا أو علم الاجتماع الديني أو علم النفس الديني أو المكاسب الأنتروبولوجية أو جماليات التلقي أو حتى المدارس التشكيكية الكبرى المسيطرة حاليا على بعض المدارس التاريخية كما بيّن ذلك باقتدار كبير الأستاذ نادر قريط في بعض مقالاته وتعريفاته. ولكنّ الأستاذ حمود عمد إلى اختيار منهجي مداره المدرسة الفيلولوجية. وهي مدرسة أقلّ ما يقال فيها هو انتماؤها إلى "تاريخ العلم الحديث" أكثر من تعبيرها عن المعارف المتنازعة على تشكيل المعرفة الحديثة وبناء أنساقها التفسيرية. ولا يعني ذلك أننا نبخس المقاربة الفيلولوجية حقّها أو ننكر إضافاتها الهامة إلى المعرفة الحديثة. بل كلّ ما نعنيه هو أنّ المطلب العقلاني الذي يؤسّس المقالة "الحمودية" كان يوجب عليه الالتفات إلى الوضعية الابيستيمولوجية للاستشراق في الأعمال  المرجعية الحديثة. وهي وضعية لا تحضر فيها المقاربة الفيلولوجية  إلا بما هي مدخل للبحث أو معرفة تكميلية يُحتاج إليها "موضعيا " ضمن مقاربات حديثة لا ترى في الفيلولوجيا إلا ما رآه أسلافنا في بعض العلوم التي وصفوها بـ"علوم الآلة" أو العلوم الخادمة.

إنّ الفيلولوجي المفلق- وليكن أيّ واحد من مرجعيات الأستاذ حمود الموثوقة -قد يساعدنا في فهم تاريخ النص و مفرداته و"نسابته" الداخلية أو الخارجية. ولكنّه خارج هذا البعد التوثيقي لا يستطيع إلا أن يعزل نفسه ليترك مكانه لعلوم أخرى مثل التحليل الأدبي وجماليات التلقي وعلم الشعريّة وعلم النفس بفروعه المختلفة وعلم الاجتماع بتخصصاته العديدة. فهذه المعارف هي الأكثر قدرة على تجاوز مستوى "موضعة" النص ومفرداته في التاريخ إلى مستوى "تذوّقه" بمحاولة فهم قوانينه الناظمة. ولا نعني بالتذوّق هنا تلك المقاربات الانطباعية أو الذاتية بل نعني القدرة على ولوج عالم النص وفهم قوانينه الداخلية . وقد حضرت المدرسة  الاستشراقية ذات المنزع الفيلولوجي –في هذا النص وغيره- باعتبارها المنهج الأصلح لفهم التراث الإسلامي ومفاصله التكوينية الكبرى. ولم يستطع الأستاذ حمود –و لعلّه لم يُرِد – أن يأخذ مسافة نقدية من اختياره المنهجي ولا حتّى مجرّد تعليله وبيان فائدته في مقابل المناهج" الإسلاموية" التي انتقدها –إن صحّ أن حديثه الانطباعي عنها يرتفع إلى مستوى فعل النقد- حاشرا فيها حتى مقاربة الدكتور جعيّط. تلك المقاربة التي لم يستطع الأستاذ حمود أن يرى فيها إلا اعترافا بالوحي المحمّدي لأنه عجز عن رؤية الأسباب المنهجية التي حكمت  بعض الاختيارات الظاهراتية  وجعلتها تبدو له منتمية إلى الخلفية الإيمانية. وهو ما سنفصّل القول فيه عند الحديث في المسألة المفهومية وعلاقتها بإشكالات الكتابة في التراث وقضاياها المركزية.


في تهافت المفاهيم و ضيق الاستشكال:

إنّ قارئ أي مقالة لا بدّ أن يفهم الإشكال الرئيس الذي تريد الأطروحة أن تقاربه وذلك بالاعتماد على جهاز مفهومي مخصوص. ولا شكّ أنّ الأستاذ حمود في مقاله عن العبقرية المحمدية قد حاول استكناه هذه "العبقرية" من خلال الاعتماد على "مفردة" مركزية أخرى هي الجنون. ومرّة أخرى نتحاشى استعمال تركيب " مفهوم الجنون" لأنّ الدرس التحليلي النفسي الحديث قد تجاوز هذا التوصيف المرضي وأنتج من المفاهيم السّريريّة والنظرية ما جعله في غنى عن كلمة "جنون" التي تظلّ منتمية إلى الاستعمال الشعبي العام. وهو ما تنبّه إليه الدكتور هاشم صالح في مقاله (بين العبقرية والجنون) حين أقرّ بأن أرسطو كان أوّل من نظّر للعلاقة بين العبقرية والجنون "بشكل فلسفي محكم" كما أنه قد استخدم تعبير "الرجل الاستثنائي بدل العبقري، والسوداوي بدل المجنون. والواقع انه أقرب بذلك إلى تصوّرنا الحديث. فنحن لم نعد نقبل بكلمة العبقري أو العبقرية بسهولة، وإنما نفضّل عليه تعبيرا أقل ضخامة أو أسطورية. ولم نعد نستخدم كلمة الجنون المرعبة وإنما كلمات حديثة أخرى من اختراع الطب النفسي".

يأتي هذا الشاهد من مقالة للدكتور هاشم صالح- وهو المرجع الأساسي في عمل الأستاذ حمود- ليفصح عن ميسم يطبع الكتابة عنده ألا وهو المنزع الانتقائي في التعامل مع مراجعه عند بناء ما يمكن أن نسمّيه نسق الاستدلال. فالدكتور صالح هنا يتحدّث عن محدودية كلمتي الجنون والعبقرية ويقرّ صراحة بتجاوز المعرفة الحديثة لهما. كما أنّه لا يجريهما إلا في المجال الأدبي الخالص دون تعميمهما على الدائرة الدينية على عكس ما يوهم به الأستاذ حمود. ولا شكّ أنّ الدرس الأدبي -على الأقل كما يفهمه الدكتور هاشم صالح ويعبّر عنه في مراجعاته الأخيرة للعديد من الإصدارات- يقبل من التوسّع والمجاز ما تضيق عنه المعارف الأخرى الساعية إلى بناء نماذج تفسيرية ذات توجّه علمي-وضعي. وسنفصّل القول في النزعة "الارتكاسية" ضمن المرجعية الحمودية وذلك في عنصر مستقل ننظر فيه في خصائص مدوّنته المرجعية وأنماط التعامل معها.

ماذا أراد حمود بطرح عبقرية محمد؟ ماذا تعني العبقرية عنده؟ هل استطاع أن ينتج خطابا عقلانيا في الظاهرة المحمدية يمكن اعتباره خارجا عن الأطروحات "الإيمانية" التي ينتقدها في كل كتاباته؟ وهل نجد خطابا واحدا متناسقا في عقل العبقرية في علاقتها بالجنون داخل ظاهرة الوحي المحمدي أم لا نجد إلاّ أمشاج خطابات غير نضيجة ينقض بعضها بعضا على غفلة من المؤلّف، بل على كره منه ولو أراد عكس ذلك أو خلافه؟

ينطلق حمود من قبول مبدئي وغير نقدي بمفاهيمه المركزية الثلاثة: العبقرية، والجنون، وظاهرة الوحي المحمدي، بحيث يظنّ القارئ أنّ العلاقة بين هذا الثالوث المفهومي هي علاقة بدهية لا تحتاج إلى تعليل أو تفسير. وبغضّ النظر عن هذا التلبيس، فإنّ صاحب المقال قد كان مضطرا إلى ركوب هذا الاختيار المفهومي غير الدقيق. فمن جهة أولى، كان  لزاما عليه القول بعبقرية محمد إذ هو في ذلك لا يفعل شيئا غير المشايعة غير النقدية للعديد من مرجعياته العليا التي تثبت العبقرية لمحمد، ولعلّ أقرب تلك المرجعيات هو الدكتور هاشم صالح. أمّا من جهة ثانية، فإنّ مفهوم العبقرية سيكون مدخلا صالحا "لعلمنة" مفهوم الوحي أو الإعجاز القرآني – كما نظّرت له كتب التراث- وتعويمه داخل دائرة كبرى تفقده كلّ خصائصه الذاتية. فالعبقرية المحمدية هي مظهر من مظاهر العبقرية التي تخترق كل المعارف والفنون.

ولمّا كان هذا الحدّ من التمييز للظاهرة المحمدية قد يوحي بفائض قيمة يمكن أن يسري على الشخص – أي محمد – أو قد يفهم منه بعد تقديسي للنبي، فقد توجّب على حمود أن يسارع بربط هذا البعد بـ"اللاواعي الجمعي" بحيث لا يكون محمّد إلا مجرّد مَجْلَى لقوّة كونية غير شخصية تفعل في الذوات الفردية المبدعة. أمّا إخراج مفهومي "العبقرية" و"الجنون" عن دائرة الأدب –على عكس ما فعل الدكتور صالح في مقاله الأوّل وخلاف ما فعل الدكتور برينو في كتابه عن العبقرية والجنون-، فإنّ هذا التوسّع كان يهدف إلى إنكار أي قيمة "تفاضلية" للإبداع الديني عن سائر الإبداعات الفنية والأدبية الأخرى. ولكنّ هذا الاختيار أوقع الأستاذ حمود في هنات يمكن أن نجمعها تحت اسم "الارتكاس المفهومي"، وهو ارتكاس يلازمه ملازمة شرطية نوعان آخران من الارتكاس هما : الارتكاس الإشكالي والارتكاس المرجعي.

ماذا نتج عن هذا الاختيار المفهومي والإشكالي؟ لا شكّ أنّ إدماج النبوّة المحمدية ضمن شبكة مفهومية تنتمي إلى ما قبل الدّرس الأرسطي وما قبل التّحليل النفسي الحديث من جهة أولى (مفهوم الجنون)، وإلى الدّرس الأدبي والظاهراتيّة من جهة أخرى (مفهوما العبقرية والظاهرة)، كلّ ذلك يضعنا أمام تشكيلة مفهومية "رخوة" لا يمكن الاطمئنان إلى قدرتها الإجرائيّة أو انتظار كشوفات جديدة تنتج عن زحزحة إشكاليّة أو تغيير استراتيجي في مواضع النّظر ومقاصده. ولعلّ علّة ذلك هو إسقاط الأستاذ حمود لاختيار إشكالي ومنهجي يبدو أكثر ملاءمة للموضوع المدروس. ونحن نقصد بذلك مقارنة "العبقريّات" الدينيّة. وقد كان بإمكان الأستاذ حمود القيام بذلك بصيغ كثيرة يمكن عند التعمّق فيها أن تكون إضافة حقيقيّة إلى الموروث الفيلولوجي العزيز عليه. وسنسوق أمثلة لهذه الإشكاليّات التي كانت من اللاّمفكّر فيه عند حمود في هذا النص وغيره:

– إمكانية المقارنة بين العبقريات الكتابية –أو بلغة أرسطو المقارنة بين الرجال الاستثنائيين المؤسّسين للتراثات التوحيدية- .ولا نقصد بالديانات الكتابية " الأديان الإبراهيمية" فقط بل كلّ الروحانيات التي تأسست حول كتاب مقدّس أو أكثر من مثل الصابئة والمجوس.

-إمكانية المقارنة بين العبقرية المحمدية والعبقريات " الكهانية" الجاهلية .أو المقارنة بين ظاهرة الوحي المحمدي وغيرها من النبوات المنازعة من مثل نبوّة طلحة الأسدي ومسيلمة أو سجاح . 

-المقارنة بين ظاهرة الوحي المحمدي باعتبارها تجلّيا للعبقريات السامية وبين العبقريات المنتمية إلى فضاءات روحانية وحضارية شديدة التباين مثل البوذية والهندوسية وغيرهما. 

– المقارنة بين ظاهرة الوحي المحمدي باعتباره وحيا تأسيسيّا و بين أنماط الوحي " التابع" أو"المتمرّد" داخل التراث الإسلامي الكلي مثل الأحمديّة والبهائية وغيرهما من الروحانيات الحديثة والقديمة التي وظّفت مفهوم الوحي أو الإلهام من أجل بناء مقالة "هامشية "على حد تعبير الدكتور المنصف بن عبد الجليل( في أطروحته عن الفرقة الهامشية في الإسلام). تلك المقالة التي قد تظلّ قولا معترفا به داخل الديانة أو تسعى إلى تكوين ديانة جديدة كما هو شأن البهائية في التراث الشيعي أو تبقى مرتبطة بالمذاهب السنية المعترف بها رغم إصرار ممثّلي هذا الإسلام على إنكار صفتها تلك كما هو حال الأحمدية.

لقد كانت كلّ هذه الفرضيات البحثية من اللامفكّر فيه عند الأستاذ حمود وذلك لأنّه لم يرد أن يحصر مقالته داخل الدائرة الدينية .وهو بذلك قد فوّت على نفسه وعلى قارئه مجالات بحثيّة هامة .كما أنّه أوقع كتابته في إحراجات كبرى يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

-إنّ العبقرية هي مفردة يمكن أن يكون لها بعض الفائدة إذا ما تمّ حصر إجرائها ضمن دائرة مخصوصة لا تتعدّاها. فلكلّ حقل معرفي قوانينه الداخلية المتحكّمة في معايير التميّز و" الاستثنائية" داخله على حدّ عبارة أرسطو.ولو أردنا توظيف المفاهيم الحديثة لقلنا إن لكل حقل "إبداعي" شروطه التي تحدّد الانتماء أو الإقصاء والتهميش ومعاييره التي تتحكّم في إنتاج الرّساميل المادية والرّمزية وسبل توزيعها داخله.كما إنّ لكل إبداع "قصديّة" أو غائيّة يشترك فيها مع جملة النصوص المنتمية وإيّاه إلى نفس المجال. فيكون من العبث أن نحاكم إبداع نصّ يعرّف نفسه ذاتيّا بالاندراج في مجال "القول الديني" انطلاقا من المعايير التي قد تصلح لمقاربة نصوص من مجالات أخرى. كما يكون من المبرّر في هذا المقام –على عكس ما يظنّ الأستاذ حمّود في نقده السطحي للمقاربة الظاهراتية- أن ننطلق من فهم النص من "التسليم" المنهجي لا الإيماني بما تعرّف به إلى الوعي الجمعي أو إلى ما يمكن أن نسمّيه بالمتلقّي النموذجي أو الافتراضي  الذي توجّه له  داخل مجال التداولي الأصلي.

-لا يمكن لترصيف العديد من التجارب الإبداعية المنتمية إلى سياقات تاريخية وخلفيات حضارية وعائلات لغوية متباينة  إلاّ أن ينتج "صنافة" يغلب عليها البعد المُغالطي على حدّ تعبير أهل المنطق. فماذا يمكن أن يجمع بين عبقرية فيلسوف وعالم سياسي ونبيّ وفنان ومصلح اجتماعي ينتمون إلى تواريخ متباينة و مجالات إبداعية لا رابط بينها في أدواتها ولغاتها ومعاييرها؟ هل تكفي إشارتان يتيمتان عند طبيب ينتمي إلى ما قبل التحليل النفسي وعلم النفس الحديث – وكانتا تهدفان إلى بناء نموذج تفسيري لظاهرة الإبداع "المرضي" – لأن نقول بأنّنا فعلا نقرأ "ظاهرة الوحي المحمّدي" قراءة عقلانية غير ايمانية؟ وهل مجرّد العثور على تشابهات ظاهرية في المستوى الفيزيولوجي أو الجهاز النفسي عند المبدعين كافيان للقول بأننا قد عثرنا على سرّ العبقرية ؟إ نّ الردّ لن يكون بالإيجاب إلا حين نفعل كما فعل الأستاذ حمود عندما جعل إشكاليته هي إشكالية الطب العقلي ما قبل الفرويدي ومفاهيمه هي مفاهيم الدرس الأدبي والفيلولوجي بعد أن حاول تعميم فرضياتهما البحثية بطريقة يحكمها الارتجال والاعتباطية أكثر مما احتكمت إلى مكاسب الدرس المنهجي الحديث.

-لا يمكن فصل كلّ إبداع عن الوظيفة الاجتماعية التي يتغيّاها بالقصد الأوّل أو تلك التي جعلتها له الثقافة التي ينتمي إليها وإن خالفت مقاصده. فالقرآن مثلا هو كتاب لا يمكن بأي حال أن نطابق بين وظائفه النبوية و بين تحييناته اللاحقة عندما تنازعت المذاهب وجه الحقّ وتنافست من أجل الهيمنة على المجال العامّ ورساميله الماديّة والرمزيّة .كما لا يمكن أن نماهي بين حركة الوحي زمن النبوّة حيث كان النصّ مفتوحا على الإمكان و حيث كان المتلقّي النموذجي لا يتعامل مع مدوّنة "مغلقة"، وبين منزلة هذا النص "المرجعية" عندما تبنّته الثقافة الإسلامية وجعلته نصّها المقدّس "المعياري" والمرجعي على الأقلّ في مستوى التنظير الأصولي بالمعنيين الفقهي والكلامي. ولا نظنّ أنّ الأستاذ حمود كان سيجمع بين الإبداعات الأدبية والفلسفية وبين النصوص الدينية في مقولة تفسيرية واحدة  لو أنه نظر على الأقل في مستوى وظائفهما الاجتماعية المتباينة.

لقد عرّف الأستاذ حمود العبقرية المحمدية تعريفا بالتقابل أو التضاد مع التعريف الذي نعته بالإسلاموي و قسّمه بالعدل بين العقاد والبوطي من جهة أولى، وبين الدكتور جعيط من جهة ثانية. فكيف بنى تعريفه للعبقرية؟ يقول الأستاذ حمود في تعريفها " ليس المقصود بها ما قدّمه -مثلاً- الإسلاموي "العقّاد" بخصوص عبقرياته (عبقرية محمد، عبقرية الصديق..الخ)؛ وإنما بمعنى العبقرية الجنونية التي تنتاب العباقرة والمبدعين والتي استفاض بذكرها هاشم صالح". ولسائل أن يسأل : هل نحن هنا أمام تعريف بالمعنى التقني الصارم لهذه الكلمة أم إننا أمام مفردات متراصّة لا يمكن أن تنتج علما وإن كانت قادرة على بناء "عقائد بديلة"؟ إنّ الأستاذ حمود يسوق الكلام على عواهنه من غير ضابط من عقل أو استعمال. فما هو اعتراضه على المعنى الذي اختاره العقاد لكتابة "عبقرياته"؟ وما هي هذه العبقرية التي"استفاض" بذكرها هاشم صالح ؟ وما هو وجه الاختلاف بينهما إن وجد وما هي مستوياته؟ إنها أسئلة تظلّ من غير جواب، بل لا نظن أنّ الأستاذ حمود كان يعنيه الإجابة عنها أصلا. وآية ذلك هو التعريف الذي جاء به لنقض الفهم الإسلاموي من جهة، وتفصيل أطروحة الدكتور هاشم صالح من جهة أخرى.

إنّ العبقرية في مذهب الأستاذ حمود تأتي "بمعنى العبقرية الجنونية التي تنتاب العباقرة والمبدعين والتي استفاض بذكرها هاشم صالح .عبقرية محمد في هذا السياق هي ما كان يبدعه، عن طرق مخياله من فنتازيا قرآنية، وخاصة في مراحله المكية، وما كان يصاحب هذا الإبداع من حالات جنونية، ونوبات نفسية كانت تعتريه، كشأن العباقرة الآخرين الذين كانت تصيبهم هذه الحالات أثناء إبداعهم روائعهم الأدبية والفنية". هل يمكن لأي مبتدئ في المنطق أن يعتبر هذا تعريفا سواء بالمعنى التراثي أو المنطقي الحديث؟؟؟ إننا أمام ضرب من "تحصيل الحاصل" (Tautologie) "ويطلق مفهوم تحصيل الحاصل على القضية التي  يكون موضوعها ومحمولها شيئا واحدا" ( المعجم الفلسفي لجميل صليبا-بيروت 1982 ،ص 252). فما الفرق بين قولنا : الأرض أرض والسماء سماء وبين أن نقول : العبقرية هي العبقرية الجنونية التي تنتاب العباقرة والمبدعين؟ هل بيّن  الكاتب لنا معنى العبقرية أصلا ليتحدّث عن كونها تنتاب العباقرة والمبدعين؟ وهل يكفي أن يكون الأستاذ هاشم صالح قد استفاض في ذكرها ليكتمل التعريف ويصحّ ؟  وهل فعلا تصلح استفاضة الدكتور هاشم صالح في ذكر العبقريات الجنونية في الأدب (كما فعل في مقاله الذي هو بعنوان :بين العبقرية والجنون) لتكون مَقِيسًا عليه في فهم ظاهرة الوحي المحمدي؟  

لقد بنى الأستاذ  حمود هذا التعريف انطلاقا من مفردات لا جامع بينها منطقيا .إنها مفردات محكومة أصلا بمنطق التداعي الحر والقياس المغالطي. فالنّبي هو عبقري-مجنون مثل سائر المبدعين في المجالات الفنّية الأخرى . وهذه الأطروحة يجد الكاتب أنها يمكن أن تصحّ خاصة في المرحلة المكية حيث يرى في غير هذا المقال أنّ لغة الآيات المكية كانت أقرب إلى لغة التراتيل الدينية وإلى الروحانية "النبوية" أو "الكهانية" من تلك اللغة التي ستصير للقرآن المدني عندما سيغلب عليها البعد التشريعي و يتداخل النبوي بالسياسي ليختفي النفس القرآني الأوّل. ولمّا كان الأستاذ قد حصر معنى ظاهرة الوحي المحمّدي في بعدها اللّغوي دون غيره من الأبعاد الأخرى، فإنّه قد انساق وراء هذا التعريف دون أن يفوته اللّمز بأنّ هذا الإبداع كان مرتبطا بحالات جنونية ونوبات نفسية. ولا يخفى ما في المفردتين السابقتين من محدودية تفسيرية لانتمائهما معا إلى ما قبل علم النفس الحديث وتصنيفاته المرضية المعترف بها. فما معنى حالة جنونية ؟ وما معنى نوبة نفسية ؟ قد يكون المعنى حاصلا في ذهن الأستاذ حمود ولكنه لا يمكن أن يبني خطابا "عقلانيا" بالاعتماد على معارف ومفاهيم تنتمي إمّا إلى المعرفة الشعبية – الحسّ المشترك بالمعنى الذي يضعه له بيار بورديو- أو إلى تاريخ العلم.

لعلّ التهافت الأكبر في إشكالية المقال هو أنّ الكاتب قد حصر العبقرية في البعد اللغوي وخصّصه في المرحلة المكيّة. وهذا الأمر اضطرّه إلى تناقضات عديدة عندما أراد مقاربة الظاهرة المحمدية. والغريب أنّه كان في بعض المواضع على بيّنة من قصور طرحه الإشكالي كما في هذا الشاهد: "لكن تبقى هذه النتائج التي توصلوا إليها غير أكيدة لكون أن الصرع الباثولوجي يؤدي إلى التدهور التدريجي للدماغ أو العقل، وهذا لم يكن ينطبق على محمد في أحواله العادية وأثناء قيادته الحروب التي كان يشنها على قريش والقبائل العربية، وفي تحكّمه بزمام القيادة لجماعته. وبكلمات أخرى، لا يمكن لرجل مصاب بتدهور في دماغه، وهو بنفس الوقت قد وصل حكمه أواخر حياته إلى معظم جزيرة العرب، وبنى أيضاً نواة الإمبراطورية الإسلامية التي توسعت بعد وفاته".

لا شكّ أننا هنا أمام توسيع لمعنى العبقرية الذي يمدّه المؤلّف إلى مجال الفعل التاريخي من جهة و إلى خارج المرحلة المكيّة من جهة أخرى. ولكنّ الكاتب لا يحاول الإفادة من النتائج المنطقية لهذا الانزياح عن الدائرة اللغوية في فهم ظاهرة الوحي. كما أنّه من جهة أخرى يقرّ بقصور المفهوم الفرويدي للنوبات الصرعية. ولكن بماذا يعوّضه؟ إنه لا يفعل أكثر من سرد آراء المستشرقين في طبيعة جنون محمد ومنابع عبقريته. وإذا ما أراد أن يضيف لمقالاتهم شيئا، فإنّ قصارى جهده هو الحديث عن "العبقرية الجنونية" التي ربطها بـ"العقل الحدسي"، وهو العقل الذي يحكم إبداعات كل الفنّانين والشعراء. وبالطبع فإنّ هذا العقل سيُعرّف في النص الحمودي بالتقابل مع العقل التحليلي المنطقي. ونحن في كلّ ذلك لا نعرف معنى "العبقرية الجنونية" ولا معنى "الحدس" وكيفية خلوّه من أي بعد تحليلي منطقي. كما لا نعرف كيف يستطيع الكاتب أن يفسّر الأثر المفصلي للظاهرة المحمدية في تاريخ القبائل العربية، بل في التاريخ الكوني نفسه، وهو إبداع يتجاوز المرحلة المكية من جهة ولا يمكن بحال تصوّر خلوّه من قدرات عقلية عالية على الأقل بحكم نتيجته التاريخية التي أثبتها كاتب المقال نفسه.(يمكن الرجوع إلى كتاب عبد الاله بلقزيز : تكوين المجال السياسي الإسلامي : النبوّة والسياسة. وفي هذا الكتاب المرجعي يظهر الباحث المغربي بطريقة لامعة أوجه العبقرية المحمدية خارج المجال القولي وذلك بمحاولة فهم الظاهرة المحمدية فهما عقلانيا يقارب منطق الفعل التاريخي ومحدداته من خارج الدائرة الإيمانية والمخيال الإسلامي اللاحق).

ولمّا كان الأستاذ حمود ينطلق في هذا النص –وفي مجمل كتاباته- من فرضية مركزية مدارها أنّ "وحي محمد ما هو إلا امتداد للكهانة العربية بشكل خاص، والكهانة والنبوءات الساميّة بشكل عام"، فقد حاول الإفادة من مكتسبات علم النفس اليونغي خاصة في مفهوم محوري هو مفهوم "اللاوعي الجمعي". وهذا المفهوم النفسي الثري يختصره الكاتب في توظيف يتيم عندما يقول " فحينما يقول محمد أنه  نزل عليه الوحي، فإنه في الواقع يعبّر عن المخزون الثقافي في اللاوعي الجمعي الذي يحمله. هو لا ينطق بلسانه وإنما بلسان المعتقدات والأساطير المتراكمة في لاوعيه".

ولكن هل يفسّر هذا شيئا من معنى ظاهرة الوحي؟ إنّ هذا الحكم الذي يصدره في شأن النبوّة المحمدية هو ألصق بمؤسسة الكهانة الجاهلية. فالكاهن لا يفعل أكثر من الاندراج الكلّي في منظومة العقائد الجمعية، بل يقوم بإعادة إنتاجها والسهر على استمرارها. ولكن هل كانت الظاهرة المحمدية حقّا مجرّد تعبير عن المخزون الجاهلي اللاواعي؟ وهل كانت مجرّد "لسان" أمين للمعتقدات والأساطير السابقة؟ لا نظنّ أنّ الكاتب يغفل عن مقدار الانزياحات التي أدخلتها ظاهرة الوحي المحمّدي على المخيال الجاهلي، ولا نظنّه أيضا بغافل عن "الأسلمة" التي طالت تلك العقائد وأخرجتها عن دلالاتها الأولى ووظائفها التي كانت لها في السياق الجاهلي. ولكنّ انعدام الدّقة المفهومية والخضوع لسلطة مرجعيات عليا – دون أيّ مسافة نقدية منها- هو ما جعل الأستاذ حمود يقع في هذا الطرح الرخو من حيث ظنّه ملتزما بضوابط العقل و مناهجه و مفاهيمه. وسنحاول تفصيل ذلك في العنصر الأخير الخاص بالمدوّنة المرجعية لصاحب المقال.

في المرجعية المتجاوَزة:

لا يمكن لأيّ مقالة نقدية لمرجعية البحث أو مدوّنته المعتمدة في بناء نسق استدلالاته أن يغفل ثلاثة مستويات هي:

1-مستوى المرجعية الموثوقة أو المعتمدة كلّيا أو جزئيا في تشكيل أطروحة أي بحث، وذلك نظرا للطبيعة التراكمية للمعرفة، واستحالة البناء من الفراغ .وهي هنا الاستشراق الكلاسيكي خاصة

2-مستوى المرجعية المشكّك فيها أو المنقودة. وهي مرجعية قد تحمل أطروحات نقيضة لصاحب البحث سواء جزئيا أو بحكم التضاد المطلق.وهي هنا المرجعية التراثية و المرجعية الظاهراتية

3-مستوى المرجعية التي يتوجّب على كلّ بحث الرجوع إليها حتى يستطيع أن يندرج ضمن البحوث المعترف بسلطتها داخل مجال تخصّصه. وهذه المرجعية قد تحضر كما قد تغيّب أو تهمّش أو يسكت عنها. ولكن كلّ ذلك مؤذن بخروج البحث من دائرة العلمية إلى دائرة الخطابات الايديولوجية والخطابات العامة التي لا يشترط فيها الوفاء بهذا الشرط المرجعي. وأمثلة المرجعية المغيّبة في هذا المقال أكثر من أن تحصى

وإن جئنا إلى مقال الأستاذ حمود، فإننا نجد أنّ مرجعيته "الموثوقة" تنتمي أساسا إلى أربعة قطاعات معرفية هي:

-الدرس الأدبي ممثّلا في مقالي الدكتور هاشم صالح المذكورين في بحثه.

-الدرس الفيلولوجي ممثلا في الاستشراق الكلاسيكي.

-الدرس الطبي والتحليلي النفسي ممثلا في الطبيب ايسكيرول ويونغ و فرويد.

-الدرس الماركسي ممثّلا في المادية الجدلية لطيب تيزيني.

وبغضّ النظر عن مدى توفّق  الكاتب إلى إجراء تركيبة تؤلّف بين مرجعيات تختلف منهجا وإشكالا وموضوعا – وهو ما نجزم بفشله فيه- فإنّ هذه المرجعية قد تعامل معها الباحث بطريقة غلب عليها أمران:

-الانتقائية: وهو ما يظهر خاصة في تعامله مع الدكتور هاشم صالح. فقد بيّن هذا الباحث مخاطر الاطمئنان "العلمي" إلى مفردتي العبقرية والجنون. وهو لم يوظّف مفهوم العبقرية في مقاله الأوّل إلا داخل الدائرة الأدبية، كما أنه لم يضع في العنوان الفرعي لكتاب الطبيب برينو أيّ إشارة إلى النبوة أو الوحي. ولم يقم الدكتور هاشم صالح أيضا بإجراء ثنائية العبقرية الهادئة والعبقرية الصاعقة خارج إطار الإبداع الأدبي، على عكس ما فعل الأستاذ حمود عندما اعتبر العبقرية المحمدية منتمية إلى الصنف الثاني من العبقريات. ولا يفعل حمود في بحثه أكثر من الإيهام بأنّه يتابع الدكتور هاشم صالح ويبني على النتائج التي "استفاض" في تحليلها كما هو الشأن مع مفهوم العبقرية. والحال أنّ الناظر في مقالي الدكتور هاشم صالح لا يمكن أن يسلّم للأستاذ حمود بذلك. فمقالا الدكتور صالح ينتميان إلى الدرس الأدبي ولا يمكن أن يكونا حجة في مجال الدراسات الدينية، وخاصة تلك المشتغلة على الأبعاد المخيالية. كما أنّ الدكتور هاشم صالح لم يعلن صلاحية ثنائيته (العبقرية الهادئة/العبقرية الصاعقة) للإجراء خارج مجال الأدب، ولم يستفض في بناء تعريف لهذين المفهومين وإن استفاض في ذكر أمثلة عنهما.

-غياب المسافة النقدية: لطالما انتقد الكاتب في كلّ مقالاته تلك النزعة التسليمية –الإيمانية التي غلبت على المسلمين في التعامل مع نصوصهم المقدّسة ومع رموزهم العليا. وهو أمر نوافقه عليه شريطة

الابتعاد عن التعميم. ولكن-كما يعلّمنا الدرس الماركسي- فإنّ الوعي بالأزمة شيء، والقدرة على تجاوزها شيء آخر. فلا يكفي أن يلعن الأستاذ حمود ظلام "الإسلامويين" ليشعّ علينا نور عقلانيته الذي يذهب بالأبصار. فمن أدنى مطالب العقلانية أن يتّخذ الباحث مسافة نقدية مبدئية من كلّ المرجعيات حتى من تلك المشكّلة لنسق استدلاله. ولكن الأستاذ حمود يجعلنا أمام باحث يسوق مراجعه على وجه التسليم والثقة الايمانية المطلقة. ونظنّ أنّ في تعامله مع الدكتور هاشم صالح – وما محّضه من ثقة لمراجع هذا الأخير مثل الطبيب ايسكيرول – ما يغني عن مزيد التفصيل. كما أنّ ثقته بمراجعه الاستشراقية جعلته لا يسعى إلى" تنسيب" أطروحاتها أو تجاوزها، رغم عجزها – وهو ما كان واعيا به- على فهم عبقرية الفعل المحمدي في التاريخ خارج مظهره اللغوي الصرف، أي خارج الوحي القرآني.

أمّا حضور فرويد ويونغ في مرجعية الأستاذ حمود فإنه لا يتجاوز مجرّد رفض مفهوم النّوبات الصّرعية الفرويدي ليقترح مكانه تركيب"النوبات الجنونية العبقرية"، وهو تركيب لا يخفى خواؤه المفهومي وعجزه عن الارتقاء حتى إلى مستوى الدرس الأرسطي. ولا يختلف حظّ يونغ في مرجعية المقال" النفسية-التحليليية" عن حظّ فرويد. فصاحبنا لم ير فيه غير مفهوم "اللاواعي الجمعي" الذي وظّفه توظيفا "آليا"دون أن يحاول تبيئته نقديا لفهم ظاهرة الوحي. ولا نقصد بالتبيئة الخضوع لمنطق القراءات الايمانية، بل الانتباه إلى خصوصية التجربة المحمدية التي لا يمكن –إلاّ من باب المزايدات الايديولوجية- اعتبارها مجرّد امتداد لظاهرة الكهانة أو النبوّة الكتابية. فاللاوعي الجمعي الجاهلي قد عرف تحوّلات جذرية نتجت عن أسلمة العديد من مفاهيمه ومعتقداته  مما يجعل من المشروع الحديث عن أثر الظاهرة المحمدية في إعادة بناء اللاوعي العربي الجاهلي ومدّه بحمولات  جديدة في مستوى التمثّلات الجمعية الواعية واللاواعية وهوما لا ينكره إلاّ جاهل أو مكابر. فالأمر أعقد من مجرّد الانعكاس سواء بالمعنى الماركسي أو اليونغي كما يفهمهما الكاتب.

ولا يختلف تعامل الكاتب -في منطقه الاختزالي –مع المرجعية المنقودة .وهو أمر غير خاف على كلّ من قرأ ثلاثية الدكتور هشام جعيط الساعية إلى فهم الظاهرة المحمدية من خارج المسلّمات الايمانية من جهة أولى و من غير خضوع لإشكاليات الدرس الاستشراقي ومناهجه "المتجاوَزة" من جهة ثانية. ولكنّ الأستاذ حمود لا يرى في هذا المشروع إلاّ صيغة حديثة للنزعة "الإسلاموية" في مقاربة القضايا التراثية.و نحن على يقين من أنّ هذا التوصيف "اللانقدي" لمشروع الدكتور جعيط هو "أوهن" من أن يحتاج إلى مراجعة أو تعقيب.

وتبقى المرجعية "الغائبة" أو المهمّشة من أكبر نقاط التهافت في نص الأستاذ حمود هذا، بل في كل نصوصه. فهو  يحصر نفسه في مرجعية يظهر من مجرّد النظر في تواريخ صدورها وكتابتها أنها لا تتجاوز في معظمها بديات القرن العشرين( المرجعية الاستشراقية). وقد يكون هذا الاختيار المرجعي مفهوما لو أنّه كان يتناول مسألة تنتمي "حصريا "إلى الدرس الفيلولوجي أو كان هذا الدرس يمتلك فيها  القول الفصل. ولكننّا أمام إشكالية أقلّ ما يقال فيها أنّها تنتمي إلى أكثرمن حقل معرفي حديث. فعلى افتراض عدم كفاءة المقاربة الظاهراتية، أليس يوجد غيرها من المقاربات الحديثة التي تغني عن الرجوع " الإيماني" إلى المدرسة الاستشراقية أو إلى إحالات عامة وردت في مقالي الدكتور هاشم صالح؟ أين علم الاجتماع الديني و الدراسات التي لا تحصى في بنية المخيال ووظائفه؟ بل أين الدراسات العربية التي اعتمدت المقاربة النفسية مثل كتابات الدكتور فتحي بن سلامة في مؤلّفيه المرجعيّين (ليلة الفلق الذي ترجمه البشير بن سلامة  والإسلام والتحليل النفسي وهو من ترجمة الدكتورة رجاء بن سلامة)؟ ولا أريد أن أشقّ على القارئ بالكمّ الهائل من المقاربات والمراجع العلمية التي كان على كاتب المقال الاعتماد عليها لو أنّه فعلا أراد بناء مقاربة"عقلانية "منتمية إلى خطابات العلم لا إلى تلك المقاربات المنحكمة إلى قناعات"حدسية" ليست إلا الوجه الآخر لإيمان مطلق .

ملاحظات ختامية:

إنّ القارئ لنصّ الأستاذ حمود، يجد نفسه محمولا على ملاحظة البون الشاسع بين "نوايا" الكتابة العلمانوية ومحصولها الحقيقي. فلا يمكن الاحتماء بدعوى العقلانية في مقالة لا تستعين من العقل إلا بتاريخه  في المنجز الاستشراقي. كما لا يمكن أن يدّعي الأستاذ حمود الوفاء بشروط "النقد"حينما لا يرى في الممارسة النقدية إلاّ مجرّد توصيفات وأحكام عامة هي بالأساس سلبية دائما. فالنقد كما يعلّمنا العقل الحديث هو ممارسة عامة تبدأ من النظرة النقدية لمراجعنا ومن النظرة"التفهميّة" للنصوص. كما لا يمكن للنقد أن يخلو من تأسيس مفهومي ومنهجي يخرج الخطاب من دائرة الشّعرية والخطابة ليفتحه على إشكاليات معرفية حقيقية.ولكنّ غلبة الهاجس "التشكيكي" جعلت الأستاذ حمود لا يأبه لكل هذه الضوابط العلمية و يبني مقالة هي عندنا مجرّد سلفية "علمانوية" لا يمكن إلا أن تلتقي في مسلّماتها  الإيمانية مع الأطروحات الدينية وإن ظنّت أنها تناقضها.

يبدو أنّ سطح الخطاب شيء و بنيته العميقة شيء آخر قد يتجاوز النوايا والمقاصد ليخضع لمنطق "مكر التاريخ" حيث يفلت منطق الفعل عن الإرادة الذاتية أو الجمعية.فلا شكّ أنّ مقالة الأستاذ حمود كان تهدف إلى الاندراج في خطاب العلم و لكنها في النهاية لا تخدم حتى مطلب التنوير في بعده الايديولوجي. وقد بيّنا في مواضع أخرى كيف أنّ مثل هذه الخطابات العلمانوية-في لغتها السطحية والاستفزازية- هي في النهاية الحليف الموضوعي الأكبر للخطاب السلفي من حيث يمكن أن يروّج لها باعتبارها غاية التفكير الحداثي ومنتهاه. ولا نظنّ أنّ هذه النتيجة ترضي أحدا من المنتمين إلى الحداثة الفكرية بمعناها الحقيقي خارج التداخل الفوضوي بين المعرفي والإيديولوجي. هذا التداخل الذي وجدنا في كتابات الأستاذ حمود مظهرا من مظاهره القصوى. فلا هو أنتج معرفة حوارية-بالمعنى الذي يضعه لها يورغن هابرماز ومدرسته- بحيث يمكن أن يتنزّل في المجال العام خدمة لمطلب الحداثة، ولا هو وفّى بمطالب العقل النظري المتحكّم في إنتاج المعرفة الحديثة بحيث يمكن أن نعتبره سلطة مرجعية في مجال نظره.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This