تلك الريح … ذلك العار

-1-

العالم الآن ..حيث يكرّس الضحايا كلّ ما في وسعهم من الحلم (وهو قليلٌ بقدر الأقلّ الباهت الذي في خمول الأرق) كي يتثاءب القتلة على حقائق الاحتقار المطلق للحياة السالفة للطبيعة…أو للحقّ في الوجود …( ذلك الحقّ الذي لا يحتوي على إكسير الآلهة).

-2-

حين أغنّي ..فإنّ مذياعاً ينهض في ذاكرتي …وحين أقبّل امرأة ..فإنّ سيلاً من المحطّات الفضائية تسكن في لحظة ذاكرتي وتستوطن في حدقتي كأفق وحيد للمخيلة ..

-3-

حين نتخيّل ما سيحدث قبل وقوعه، فإنّنا نغتصب غموض الصدفة، عمى الطرق السرية والمبهمة التي لا يحكمها اتّجاهن والتي تقود إلى الحدث الذي نسفكه، حين نتخيّله قبل اكتماله، وندفعه نحو تحقّقٍ مختصر، يدور في أروقة العقل المريض والمتوهّم بأنّه يستطيع اختراق الجمال بالمخيّلة …!

إننا نتخيّل، لأنّنا لا نستطيع على السحر الخالص لغموض الأشياء، فذلك يجعلنا نشعر بأنّ العالم ينبض خارج أكفّنا المغلقة ..

-4-

الشرانق والريح … حيث ما اختبئ في شرانقه …بعد أن فاتت الريح وحملت معها إمكانية لفح الغشاء المتحجّر للحقيقة ..سيظلّ هناك بين جدران منامه الحيّ عن الحياة المديدة التي تستكمل دورتها من يمين الشرنقة الصدئة وحتى شمالها …

-5-

سوف يحدث ما تنبّأنا به ..،حتى ولو فعلنا ذلك كحمقى بمخيّلة فاترة، فإنّ العار الذي يكلّلنا حين نتخيّل ما سيحدث يدفع بنا إلى فعل ذلك دائماً ..مكلّلين بعار المخيّلة الممتع ..!!

هكذا ودائماً..نعيش ما نعي، عبر الصيرورة التي نخترعها وتتحقّق نبوءاتنا لمجرّد أن نتخيّلها، وسيكون أيّ حدث نرتكبه معتقلا لشكل وجوهر تخيّلنا له .

مخيّلة الإنسان المعاصر هي تلك البنت المريضة للحلم، إنها وليدة الإعلام والإعلان ومناخات الاغتصاب الممنهج للفنون والثقافة الإنسانية.

قرون طويلة من الحضارة التي لوت عنق الحلم، وابتسرت عوالمه وأخضعته لقوانينها، لذلك فإننا نرتكب من خلالها أقسى عملية تدمير ممنهج لفضاءات الحلم الشاسعة والتي لا تخضع لمرجعيات ثقافة الآن.. ثقافة الشمول الساحق للنموذج الواحد.. عبر الخدعة الكبرى للعقل البشري، تلك الخدعة التي تقول: النموذج واحدٌ أحدٌ.. لكنّ التمظهر متعدّّد، مخيّلة الإنسان المعاصر…تلك الآلة المدمّرة للحدث …الإمبراطور الذي يستمدّ سلطته من تاريخه الواضح، الدمويّ، والذي صنعه على أنقاض الغموض الطبيعيّ للأشياء، ذلك الغموض الذي تستمدّه الأشياء من فرادتها في كلّ لحظة جديدة …

-6-

لحظة …أيتها الحياة …!!

هل يقترن الخيال الخلاق بهذا القدر من القسوة والغربة الطاحنة، تلك القسوة ..التي تعلن ذاتها كشكل وحيد للتواصل بين من لا يستطيعون إيقاظ المبهم في أرواحهم وعقولهم، لمجرّد رمي قبلة في الهواء إلى من نعشق بطراوة الموت والغيوم والبرق والأظافر المخرمشة ظهر العالم !!!

هكذا، ينبت لمخيّلة العالم عبر تصعيد الخيال بالقسوة، أنياب… لتتحوّل مخيّلة البشريّ إلى وحش يلتهم ما تبقى من غرابة الروح وتميّزها..واستيقاظها المطلق والعابر كلّ لحظة بجديد أخرس ومشبع باللهاث، نحو فرادة اللحظة .

لحظة…أيتها الحياة ….لحظة أيها العالم…لحظة أيها الفنّ..والأدب الراكض ككلب وراء مخيّلة مدفوعة بقسوة الواحد، وعزله لذاته ولكل ذات في جحرها وتحت قلنسوة أمان زائف ورديء ….

هل نحتاج لكي نتخيّل أنّ القبل تنهمر من السماء …لكلّ هذا الفراغ المحبط للروح الإنسانية…!!

حيث يحقّ لنا نحن المغفّلين عن الإبداع الخارق والسّاحق، أن نعبر برؤوسنا وقلوبنا وأطفالنا ربما ….نحو الشبح المعتقل في زنازينك …المستقبل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق