تلك الفراغات الخطرة: أسئلة تثيرها أحداث تونس / نهلة الشهال

اليوم، وبعد مضي شهر على الانفجار التونسي المتواصل بل والمتعاظم، فالسيماء الأولى التي طبعته تتلخص بتحطم حاجز الخوف والرهبة من القمع الذي قابلت به السلطات التحركات. هذا الحاجز هو ما يمسك عادة بتلابيب الناس ويحملهم على الاستكانة. ويتضمن تعيين هذا الأمر إعلاناً عن أول عناصر الفراغ الذي تسبح وسطه السلطات في أكثر من بلد عربي: من أنها تضبط المجتمع وتسيطر عليه بواسطة الخوف. وهذا الأخير، وإن كان فعالاً في الحفاظ المباشر على السلطة، ليس من مكونات الشرعية، لا سيما حين يصبح أساساً شبه وحيد للحكَّام في الأحوال العادية، وركيزتهم الوحيدة أثناء الأزمات.

 

ولكن هل الشـــرعية ضرورية؟ هذا ما يستخف به منطق القمع العاري بينمـــا أثبتت كل تجارب الســـلطة، في بلادنا وسواها، أن الجواب هو نعم. فالشرعية، أو الشرعيات، وهي متعددة، تمثل ميـــدان عقد «التسوية»: إيكال الحكم إلى الحكام برضا اجتماعي متفاوت الاتســـاع، ولكنه موجـــود، مقابل ضمان توفير الحكام مكتســـبات اجتـــماعية، قد تكون رمزية أو اقتـــصادية، وينـــدرج بينهما كل ما يمكن تخيله من مجالات.

 

في السنوات الأخيرة، تطورت شرعيات غريبة في منطقتنا، (التي ما زالت، بالمقابل، تقوم فيها شرعيات فعلية، بصرف النظر عن تناقضها مع التعريفات الشائعة للشرعية الدولتية الحديثة)، ارتكزت خصوصاً على منطق ضمان الأمن مقابل خطر الفوضى. ولهذه تدرجات كثيرة. فقد استُخدم كثيراً المثال الجزائري لعقد التسعينات في هذا الصدد، فأُفهمت المجتمعات أن بديل ارتضائها لحد عال من قمع الحركات الإسلامية، وعلى أطرافها قمع الجميع من دون استثناء، هو الوقوع في براثن جماعات مسلحة غامضة تعيث فساداً وترتكب أبشع الجرائم. وإن خرجتْ أصوات متعددة تشكك في أصل وفصل تلك الجماعات التي وُلدت وتكاثرت كالفطر العجيب، وتشير إلى مقدار كبير من الفبركة والافتعال لما يقع، طغت الرواية الرسمية على ما عداها، لأسباب عدة جديرة بالتفحص والتحليل، وهو ما لم ينجز بعد على رغم الكم الهائل مما كتب عن تلك المرحلة.

 

ثم ساعد 11 ايلول (سبتمبر) في ترسيخ تلك الرواية الرسمية، بل هب إلى نجدتها بطريقة فعالة للغاية، موفراً الدليل في وجه ذلك التشكيك، ومخرساً إياه، لا سيما أن الحرب على الإرهاب اتخذت آنذاك بُعداً عالمياً طاغياً. وعاد المثال العراقي فوفر حجة جديدة حول معادلة القمع/الفوضى، حيث استُخدم في تبيان مآثم ما يمكن أن يجرى إذا ما فُككت أو أُزيلت السلطات الضابطة. وهي هنا أُطيح بها على يد الجيوش الغربية، وبزعامة الولايات المتحدة، التي «عجزت» عن إعادة تركيب سلطة بديلة فعالة، فشاهدنا العجب العجاب يأكل العراق كما يفعل الطاعون.

 

 

ولكن، وفيما حاول الرئيس التونسي الاستنجاد بهذه المعادلة أو تمديد صلاحيتها، واصماً ما يجري في بلاده بـ «الإرهاب»، بدا كلامه غير مقنع وغير فعال. فعفوية انفجار الغضب الشعبي من جهة، ومن جهة أخرى لجوء شبان عدة إلى الانتحار كتعبير عن رفضهم التام لتحمل المزيد من البؤس، ثم تحدي الرصاص القاتل، كل ذلك أطاح ببن علي بعدما أطاح الحجة الرئاسية، مانحاً المطالب الشعبية شرعية حيازة إجماع اجتماعي عام. وهذا ما قد يفسر شجاعة الناس، وأيضاً انحياز فئات متشكِّلة، لعلها تمتلك حسابات متنوعة، للتحرك، وهو حال روابط المحامين ولكن أيضاً الاتحادات النقابية، التي تجاوزت عملية التدجين/ الإغراء/التخويف التي طاولتها على مدى عقود. ولكن هذا الانحياز يقول خصوصاً مدى هشاشة النظام، الذي بدا مترنحاً، فدفع بفئات عدة إلى القفز من مركبه.

 

ومن هذا ما يُتناقل عن مواقف رافضة لهذا الحد من القمع اتخذها جنرالات في الجيش، وعن حماية بعض وحدات هذا الأخير للناس في وجه قمع البوليس، كما حدث في مدينة الرقاب، فلجأ المتظاهرون إلى الجيش فراراً من الشرطة، ودفع هذا الحادث الناس في أماكن أخرى إلى استقبال وحدات الجيش بالزغاريد…

 

ويبدو تصرفاً مسؤولاً، حائزاً على «شرعية» اجتماعية مؤكدة، ما قامت به حركات سياسية ونقابية وأهلية منظمة (أو ما تبقى منها، إذ طاول هذه الأخيرة كلها، وعلى مدى عقود، عمل منظم من التفكيك والإفراغ من المضمون) من تعيين لمطالب تمثل الحد الأدنى للمخرج المطلوب. فقد دعت هذه الهيئات الى إقالة الحكومة الحالية بكاملها، وتأليف حكومة انتقالية تعدّ لانتخابات تشريعية مبكرة، ومحاسبة المسؤولين عن إطلاق النار على المتظاهرين، والإفراج عن المعتقلين، وإطلاق الحوار في شأن مستقبل الوضع السياسي في البلاد. ويمثل هذا خطاباً يقابل خواء ما قالته السلطة. وهو لذلك، وبحد ذاته، ليس بقليل.

 

ليس من المصادفة في شيء أن موجة القمع السلطوي انفلتت من عقالها الأسبوع الماضي، مباشرة بعد استدعاء السفير التونسي إلى الخارجية الأميركية التي عبرت عن «قلقها» مما يجرى. وكان لا بد من «طمأنتها» بالسعي إلى حسم الأمور، وهو ما لم يمكن تحقيقه. وعلى رغم التصريح الأخرق للسيدة كلينتون من أن «واشنطن ليست طرفاً في المواجهات» في تونس، ما يُفترض بأنه يعني أنها على الحياد، فقد فُسِّر ذلك في الشارع التونسي نفسه كنأي أميركي عن دعم النظام، ما زاده ترنحاً. ولم يفد هذا الأخير التأييد الفرنسي الذي تجاوز كل حدود بكلامه عن استعداد باريس لتوفير النصح والمساعدة الأمنية لتونس، وراح بعد ذلك يرتبك في شكل معيب.

 

وعلى رغم تفاوت هذه التصريحات، وتناقض دلالاتها، وعلى رغم أنها لا تعبر عما جرى تداوله في تلك الدوائر من «حلول»، فهي تسجل فراغاً خطيراً، عالمياً هذه المرة. فلا يمكن أن يستقيم تصريح السيدة كلينتون عن رفض واشنطن تعليق المحكمة الدولية بخصوص لبنان «حتى لا يتم الإفلات من العقاب»، مع حياديتها بعد مقتل أكثر من خمسين شاباً على يد حكام دافعوا فحسب عن بقائهم ممسكين بما توفره السلطة لهم من امتيازات.

 

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة 16/1/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This