تلك القوقعة التي لا تفيد للاختفاء / حسن داوود

يعرّف نزيل السجن الصحراوي نفسه بالقول إنّه “إبن عائلة عربيّة تدين بالمسيحيّة والمذهب الكاثوليكي”. نصف عائلته يعيش في باريس، وهناك درس الإخراج السينمائي متفوّقا فيه. وهو قرّر أن يعود إلى بلده مفترقا عن سوزان، ابنة العائلة العربيّة أيضا، التي لم تشأ العودة معه إلى بلده. لا يستغرق ذلك التعريف، كما مقدّمات السفر حتى النزول في أرض الوطن، أكثر من اثنتين من صفحات الكتاب البالغة 383 صفحة. ما تبقّى جُعل كلّه لوصف مكاتب التحقيق والسجون وحفلات التعذيب التي تنقّل بينها الشاب بدءا من نزوله إلى المطار. هناك في مكتب التحقيق الأوّل أتّهم بأنّه منتسب إلى جماعة الأخوان المسلمين. لم ينفع دفعه لتهمتهم عنه بأنّه مسيحي فكيف يمكن له أن يكون منتسبا إلى تلك الجماعة. ثم إنّه قد بالغ في ردّ التهمة عن نفسه بقوله لهم، فوق كونه مسيحيّا، إنّه ملحد. لم يعجبهم ذلك، كما لم يعجب زملاءه في السجن الصحراوي، أولئك الذين كانوا جميعهم منتسبين لجماعة الأخوان، فقاطعوه جميعا وترُك وحده كما لو أنّه حامل وباء. وهو وباء مزدوج أو ذو شقين، مرّة، بحسب اعترافه المتعجّل ذاك، لكونه ملحدا، ومرّة لكونه مسيحيا.

باستثناء تلك الاستجوابات القليلة المتعجّلة، التي لم يتح له فيها الدفاع عن نفسه والمصاحَبة على أي حال بالضرب والركل وإطلاق الشتائم، لم يقف الشاب في محكمة ولم يكن له محام للدفاع ولم يمثل أمام قضاة. كان ذلك الزمن، الذي أعقب أحداث حماة (وهذا، الإسم، “حماة” لم يذكر أبدا في الكتاب على الرغم من كثرة التفاصيل التي تشير إليه) ومجازرها في 1982 زمن التعجل وإطلاق الأحكام السريعة. من مهجعه الذي أُفرده المساجين الآخرون فيه، من مكانه الضيّق ذاك الذي لم يبرحه، راح يراقب من ثقب في الحائط المحاكمات التي تجري في الردهة التي تتوسّط المهاجع. لم تكن المحاكمة تستغرق أكثر من دقيقتين يصدر القاضي في نهايتهما الحكم بالإعدام. وكانت المشانق معلّقة في مكان المحكمة ذاته، أما الإعدام فيجري فوريّا بعد النطق بالحكم. ولطالما رأى ذلك الشاب، المخرج السينمائي، رجالا جرى تعليقهم على المشانق، ثمانية رجال في كلّ مرّة. وربما كان يحدث ذلك، في بعض الأوقات، كلّ يوم. كما إنّ الشاب، من ثقبه ذاك، كان يرى كيف يُمثّّل بجثث المعدومين من أجل تسلية الجنود وإضحاكهم. فهناك، في السجن الصحراوي، لا يسيرالعقاب إلا في طريق واحدة هي طريق المسجونين، أما السجّانون فيمكن لهم أن يفعلوا أيّ شيء، هكذا بما يكاد يُظهر أن لا معنى للتراتب الوظيفي أو الأمني الذي يجعل الأعلى مرتبة متمتّعا وحده بسلطة الحكم وإجراء التعذيب. من ذلك مثلا، أن ينتقم طبيب السجن من الأطباء المسجونين الذين زاملوه في الجامعة، فيقتلهم واحدا واحدا، ثأرا من ازدرائهم له في أيّام تلك الزمالة.

انقطاع السجن الصحراوي مكانيّا عن أيّ مكان مأهول جعل نزلاءه من مسجونين وسجّانين لا يحتكمون إلى أيّ شرع سلوكي بشري. ما يفعله السجّانون هو الضرب والتعذيب فقط، ومن دون أيّ تمييز بين صفات المسجونين أو مهنهم (السابقة) أو درجة ثقافتهم أو حتى لطفهم، الموارب أو الحقيقي، في مخاطبة سجّانيهم. كما أنّ أولئك المحتشدين في المهاجع، مكدّسين بعضا فوق بعض، يتلقّون الضرب الذي يصيب أجسامهم وحدها، ما دام أن لا أحد يتأثّر بما يناله النزيل المجاور من عقاب. في بعض صفحات الكتاب يذكر الراوي كيف أنّ التعذيب توقّف عن إيلام الجسد الذي يتلقّاه ولم تعد الإهانة تخجل سامعها. أما الموت الذي أودى بالعديدين، سواء من مرض أو من قتل، فصار له وقع آخر في نفوس المساجين وعقولهم. صار حدوثه أقلّ أهميّة، حتى لمن هم معنيّون به. أولئك الذين تُتلى أسماؤهم ليمثلوا أمام القاضي، الناطق بالإعدام غالبا، لا يصيبهم الهلع لأنّ ما هم مقبلون عليه حدث يوميّ قرّب المسافة بين الحياة والموت فصار المنتقل إلى موته أكثر رضوخا وقبولا لمصيره. كما أنّ من يُنادى عليه، للموت، يطيع من ينادونه بالإذعان ذاته الذي يؤدّيه حين تأتيه شتيمة أو لكمة. ذاك الرجل العجوز، المسجون في مهجع واحد مع أبنائه الثلاثة، تعدّى مأساة تلك المرأة في فيلم” خيار صوفي” حين كان عليها أن تختار أيّ ولديها تسلم للموت. ذاك الرجل العجوز ترك لعقله البسيط الإختيار بين أولاده الثلاثة أيّ واحد منهم يظلّ على قيد الحياة. الصغير قال: لأنّه لم يذق شيئا من طعم الحياة بعد. قال ذلك من دون تذمّر ولا توسّل ولا طلب للرحمة، بل وبلا كراهيّة.

“خيار صوفي” اسستحقّ أن يتجاوز بمرارته كلّ ما سبق للأفلام أن روته عن ويلات الحرب. أما ما حدث للعجوز وأولاده فيمكن له أن يُطوى في ما سبقه وما تلاه من أحداث مشابهة. هناك في السجن الصحراوي لا يظلّ البشر بشرا، لذلك لا تبلغ مصائرهم، أو مصير كلّ منهم، حدّ المأساة. ذلك الجنون الذي أصاب العجوز الفاقد أبناءه ليس إلا حالة من حالات كثيرة تتوالى في صفحات الكتاب. وكذلك هو جنون الشاب نسيم الذي كان صديق الراوي في السجن وحبيبه. لسنا في فيلم “إكسبريس منتصف الليل” حيث يمكن للمشهد الواحد أن يحمل من الألم ما شقّ على مشاهدي الفيلم احتماله. هنا، في كتاب “القوقعة” تُروى العذابات الأكثر فظاعة من دون أن تُثلم شيئا في وعي قارئها. كأنّ ذلك العالم الذي لا شيء يضاهي قسوته يمكنه، بمغالاته في تكرار جرائمه الرهيبة، أن يُنسينا، نحن القرّاء، أن ّهناك عالما آخر يجري في الخارج. وكان ذلك متعمّدا ومقصودا من قبل إدارة السجن والدولة التي وراءها، حيث لا ينبغي أن يلوح ظلّ من وجود ذلك الخارج. لا شيء يدخل إلى المهاجع والزنازين، لا ورقة ولا قطعة ثياب، ولا زائرون حيث، بعد انقضاء سنوات كثيرة، طُلب أحد السجناء للزيارة، وكان ثمن ذلك كيلو من الذهب تلقّته زوجة مدير السجن.

دائما، في أثناء ما نكون نقرأ، كان علينا أن نرجع إلى صفحتي الكتاب الأوليين، لكيلا يسقطنا السجن في ما أسقط فيه سجناءه من أن لا وجود للخارج ولا للحياة التي تجري فيه. السجين التاريخي رياض الترك قال في الفيلم الذي أعدّه عنه محمّد علي الأتاسي، إنّ على السجين أن ينسى أنّ هناك حياة تجري في الخارج، وذلك من أجل أن لا يُدفع كلّ شيء يحصل في الداخل إلى حدّ المأساة التي لا يمكن احتمالها.

حتى في الإجراءات التي سبقت إطلاق سراحه لم يتوقّف رجال الأمن والمخابرات عن تعذيب الشاب السينمائي حتى تكسير العظام. في تلك اللحظة الأخيرة كان قد فقد كلّ شيء. وهو، المحطّم من الضرب والتعذيب، رفض أن يوقّع على تعهّد بعدم تعاطيه السياسة بعد خروجه.

الشاب المخرج السينمائي قضى ما يزيد على 13 عاما في ذلك السجن. في الخارج لم يستطع أن يعود كما كان، أن يكون هو. كان أبواه قد توفّيا والفتاة الصغيرة ابنة أخيه صارت امرأة متزوّجة. ومدينته تغيّرت هي أيضا، وصار محتاجا إلى من يدلّه على مسالكها. هذه الصفحات الأخيرة، صفحات الحريّة، هي الأكثر قسوة من كلّ ما جرى له في سنوات السجن، السجن الذي جرى فيه ما هو الأكثر وحشيّة من كلّ ما كتب في ما يسمّى أدب السجون، وهذا على الرغم من العاديّة والاعتباطيّة في تعريض الناس لأهواله، بالمئات والألوف.

 

[ “القوقعة- يوميات متلصّص” بقلم مصطفى خليفة. صدرت الطبعة الأولى عن دار الآداب في 2008، تلتها الطبعة الثانية في 2010 .

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل البيروتية 21/8/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق