تمثل مواقع الأنترنت العربيّة للأقلّيات الدينيّة: الصابئة أنموذجا

نفكر في هذه الدراسة في موضوع “أنسنة التكنولوجيات الحديثة” وهو موضوع يحتاج إلى وقفة سريعة منّا لنوضح فهمنا المتواضع لبعض جوانب المسألة.
ولئن اِتّفقنا عمومًا في فهمنا لمصطلح التكنولوجيات الحديثة فإنّ الإشكال يكمن في تقديري في مصطلح “الأنسنة”. فهل الأنسنة هي إضفاء صبغة إنسانيّة أو وجه إنساني على التكنولوجيا وبالذات الأنترنت، وقد اِخترنا أن نتحدّث هنا عن هذه التكنولوجيا بالتّحديد؟ أم أنّ الأنسنة هي إعطاء صبغة إنسانيّة بمعنى تحميل هذه المواقع بمضامين القيم الإنسانيّة.
والإجابة البديهيّة الأولى التي تتبادر إلى الأذهان هي أنّ الانترنت تحمل مضامين هذا الإنسان الذي أنتجها وأهدافه بما قد تحتمله من سلبي أو إيجابي.

إذا للأنترنت وجه إنسانيّ ضرورة. ولكن هل تحمل مضامين إنسانويّة أي مضامين “تبجّل” الإنسان باعتباره قيمة كونيّة يتوجّب اِحترامها اِحتراما غير مشروط؟ سنحاول من خلال ورقة العمل هذه أن نقترح مشروع إجابة أو بالأحرى جملة من الإشكالات التي قد تساعدنا في الإجابة على هذا السؤال، وذلك من خلال اِشتغالنا على تمثّلات الشّبكات المتاحة للقارئ باللّغة العربية للأقلّيات الدينيّة وسنوجّه اِهتمامنا لأقليّة الصابئة تحديدا.
فإلى أيّ حدّ تنفتح هذه المواقع ” إيجابيا” على هذه الطائفة عندما تتمثلها بالوصف، وعندما نتعامل مع أخبار تخصّها أو تشكّل من خلالها نموذجا لخطابها حول الآخر، خطاب الأغلبيّة حول الأقليّة العرقيّة أو الدّينيّة حول هذا الآخر- المجاور، المُتعايشِ مَعَهُ، والآخر المسكوت عنه الحاضر- الغائب؟

إنّ اِشتغالنا على “طائفة الصابئة” في مواقع الأنترنت العربيّة وعلى خطابات هذه المواقع ومقارباتها حول هذه الطائفة، يتنزّل ضمن بحث نقوم به حول تمثل الثقافة العربيّة الإسلاميّة لهذه الطّائفة منذ نشأة الإسلام بوصفها طائفة تعايشت مع الإسلام منذ نشأته إلى اليوم. وما التّساؤل عن تمثّلات مواقع الأنترنت العربيّة الإسلاميّة للأقليّات الدينيّة في واقع الأمر سوى تساؤل عن تصوّر هذه الثقافة لنفسها قبل التساؤل عن تصوّرها للمغاير دينا أو عرقا… ومن هنا جاء سؤالنا حول الصابئة أو الصابئين لا سيّما وأنّه ورد ذكرهم في النصّ القرآني مع اليهود والنّصارى تارة ومع اليهود والنصارى والمجوس طورا : فكان للمفسّرين فيهم رأي بل آراء عديدة، يصعب حصر أسبابها، وفهم تشعبها بل تناقضها في بعض الأحيان، واِنتقالها من إقرار إلى نقيضه. فالصّابئون عند بعضهم يصلّون نحو اليمن، وعند آخرين نحو الجنوب، وعند فرق ثالث نحو الشمال. وهم أحيانا من عبدة النّجوم والكواكب، وأحيانًا أخرى من عبدة الملائكة. وهم في بعض النّصوص موحّدون من أهل الكتاب، وفي بعضها الآخر وثنيّون لا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم ولا تقبل جزية منهم.

لقد ورد ذكر الصابئة في القرآن في ثلاثة مواضع: في الآية 62 من سورة البقرة:{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون}، وفي الآية 69 من سورة المائدة :{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}، وفي الآية السابعة عشر من سورة الحجّ:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} . وقد كان لهذه الآيات الثّلاث أثرها في التّراث التّفسيري، الذي قدم لنا جملة من الآراء والتّأويلات اعتبرت الصابئة أحيانا من أهل الكتاب فهي “طائفة من أهل الكتاب يعبدون النّجوم” [الطّبري، جامع البيان، دار الفكر، بيروت 1995، ج1، ص 455]، وأحيانا “أهل دين من الأديان في الموصل يعبدون الملائكة ويصلّون إلى القبلة، ليس لهم كتاب… يقولون لا اِله إلاّ اللّه، ليس لهم عمل وكتاب” [نفس المصدر، ج1، ص 465]. وقال ابن منظور في لسان العرب أنّ النبيّ إنّما سمّته قريش “صابئا” لأنّه “صبأ” عن دينه أي خرج عنه. وهناك من اعتبرهم من أهل الجنّة، بينما اعتبرهم المتأخرون “نجسا من أهل النّار” وقيل عنهم: “دينهم دين نصارى”، وقيل عنهم: “دينهم دين نوح”، ثمّ قيل: “تركّب دينهم بين اليهوديّة والمجوسيّة”…

فما هي صورة أقلية الصابئة في المواقع المتاحة باللغة العربية على الأنترنت وقد صنفناها إلى شيعية وسنّية وعلمية وحقوقية وصابئية ؟

I{{ { المواقع الشّيعيّة :} }}

{{1- الإيرانيّة منها : فتاوى حول صابئة الأهواز بإيران}}

كيف تمثّل المرجع الشّيعي الإيراني الأوّل اليوم الصابئة في مقال ضمن سلسلة البحوث “فقه الحكم الإسلامي”؟
يرى “آية اللّه العظمى السيد علي الحسيني الخاميني أن “النظام الإسلامي أولى الأقليّات الدّينيّة عناية فائقة…”، ويواصل فيقول إن “القول بجريان أحكام أهل الذمّة أو عدم جريانها عليهم يحتاج إلى زيادة فحص في الأدلّة والحكم وأيضا إلى بحث وتتبّع جادّين في معرفة الموضوع، إذ عُمدة الإشكال في حكمهم ناشئ من عدم المعرفة بحالهم وحقيقة دينهم واِعتقادهم”، ويشير إلى قول الأوزاعي فيهم : “فأمّا الصابئون فمنفردون بمذاهبهم ممن عددناه… ويعتقدون في الفلك وما فيه الحياة والنطق واللّه المدبّر لما في هذا العالم والدّال عليه… وهؤلاء بالقياس إلى مشركي العرب وعبّاد الأوثان أقرب من المجوس لأنّهم وجّهوا عبادتهم إلى غير اللّه سبحانه”. كما يشير آية اللّه الخاميني إلى اِختلاف الفقهاء في أمرهم وخاصّة قول أبي سعيد الاصطخري بشأنهم: “لا تؤخذ منهم جزية ولا يُقَرُّون على دينهم” وإصدار هذا الفقيه فتوى بقتلهم في حكم الخليفة العبّاسي خلال القرن الرّابع للهجرة، وهو في هذا مخالف لجمهور الفقهاء الذين قالوا بأخذ الجزية منهم. ومن هنا يستدلّ المرجع الشّيعي على أنّ الصابئة من أهل الكتاب أو أنّ لهم شبهة كتاب وليسوا من الكفار ولا يجوز أن نطبق عليهم الآيات القائلة {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } (التوبة، 5) و{فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ}(محمّد، 4)، و{قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التّوبة، 29).

ويقدّم المرجع آراء الطبرسي في تفسيره وقوله الذي يتّجه إلى عدم قبول الجزية منهم، مشيرا في ذات الوقت إلى حكم ابن الجنيد بدخول الصابئة في “من يؤخذ منهم الجزية”. ويلاحظ غياب الإجماع في المسألة قائلا: “إنّ الموضوع في هذه المسألة ممّا لا يُنقح من قبل فقهائنا، لا بالفحص الخارجي، بل بالتّتبّع في أحوال منتحلي هذه النحلة واِستماع عقائدهم منهم أو فهمها من كتبهم وأسفارهم … حتّى يحصل ما يمكن الركون إليه في معرفة هذه الفرقة”. ثمّ يضيف ناقلا رواية الواسطي: “والشبهة تقوم في مقام الحقيقة في ما بُني على الاعتباط، فحرمت دماؤهم للشّبهة، بخلاف من لا كتاب له ولا شبهة كتاب”.

واِستدلاله بأنّ للصابئة شبهة كتاب استدلال بحكم المجوس، لأنّ قوله “من لهم شبهة كتاب” يشمل المجوس وغيرهم من الفرق التي يكون فيها مثل ما كان في المجوس من الشبهة. ومن هنا، يخلص إلى رأي مفاده: “إنّ حكم الجزية يشمل هذا الفرد المشكوك كونه كتابيا بمفهوم الأولويّة… وذلك بإعتبار اِشتمال كتبهم على عقائد لا تُعهد إلاّ من الأديان الحقيقيّة الإلهيّة كعقيدة التوحيد والمعاد وتسمية اللّه ونسبة كلّ شيء إلى إرادته” (نشير في هذا الصدد إلى أن من أهم كتبهم كتاب الكنزاربّا أي “الكنز العظيم”).
ما نلاحظه إذا هنا هو أنّ المرجع الشيعي قام ببحث حول الصابئة، قبل الإفتاء في أمرهم، إضافة إلى اهتمامه بانتظام الطائفة الدّاخلي عبر دراسة عقائدها وطقوسها من خلال المصادر الإسلاميّة من كتب تفسير وفقه وأيضا من خلال العودة إلى الطائفة و نصوصها. وهو ما يعني أخذ المرجع الشيعي الإيراني إنسانيّة الطائفة بعين الاعتبار.

{{2- المواقع العراقيّة- فتاوى صابئة الأهوار وميسان والبطائح..}}.

تختلف المواقع الشيعيّة العراقيّة قليلا في مضامينها عن المواقع الإيرانيّة، وهو ما يمكن أن يُعزي إلى الواقع السياسي الحالي للمنطقة. ولقد اِطّلعنا على نصّ ذُكر أنّه صدر عن مكتب الزّعيم الشّيعي العراقي مقتدى الصّدر بالبصرة بتوقيع الشيخ هيثم العقيلي عبر “الواب” ومضمونه يدعو إلى التّنكيل بأصحاب الطائفة [مقال المندائيين وفتاوى مكتب الصدر في البصرة، بقلم حكمت السليم عضو الهيئة الإداريّة للرّابطة المندائيّة في ألمانيا]. ويشير الكاتب إلى ما جاء في الفتوى: “اِعتادت طائفة من مجتمعنا وخصوصا الصابئة في مناطق متعدّدة أشهرها شارع الصّاغة ممارسة أعمال الدّجل..، فنرجو منهم العودة إلى طاعة اللّه وترك الشيطان وأعوانه وعليهم اِحترام مناسك ديننا ولا يجاهروا بالفسق … إلخ”. علما وأنّ المعروف عن الشيعة أنّهم كانوا يحافظون على علاقات متطوّرة مع الصّابئة تعود إلى زمن الصّداقة المتينة بين أبي هلال الصابئ والشريف الرضي، والتي أشادت بها كتب التّراث.

{{ {II – المواقع السنيّة وتمثلاتها لهذه الأقليّة} }}

1{{- الفتاوى السنيّة الأصولية : ابن تيميّة}}

إذا عدنا إلى مركز الفتاوى الذي يشرف عليه عبد اللّه الفقيه على الموقع السنّي “موسوعة الفتاوى، فسنطّلع في فهرس الدّيانات الأخرى على فتوى رقمها 41042 وعنوانها “لا يقبل الإسلام دين الصابئة”، وهي إجابة عن السؤال: من الصابئة؟ أرجو شرح ديانتهم ما اسم كتابهم؟ ما اسم نبيّهم؟ هل كتابهم محرّف؟ هل يعترف الدين الإسلامي بدينهم؟ هل يعتبرون من أهل الكتاب مثل اليهود والمسيحيين؟ وهل يجوز أن يتزوّج المسلمون منهم؟
وجاءت الإجابة بالإحالة على فتاوى سابقة منها الفتوى رقم 23568 ورقم 30034. والاستدلال على رفض دينهم كان بالرجوع إلى الآية 85 من سورة آل عمران {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وهو ما يعني تجاهلها الآيات القرآنية الواردة في ذكر الصابئة وإشارة الطبري في تفسيره [ج 1، ص 455] إلى أنّهم “طائفة من أهل الكتاب”.

وجاء في الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة وجود خلاف بين العلماء في مسألة الإقرار مع أخذ الجزية وذلك على غرار المواقع الشّيعيّة، إذ يرى البعض أنه لا يجوز إقرارهم في جزيرة العرب كسائر المشركين وأهل الكتاب، في حين ذهب أبو حنيفة إلى جواز إقرارهم في بلاد الإسلام وأخذ الجزية منهم بناء على أنّهم نصارى، وأنّ تعظيمهم للكواكب ليس من باب العبادة لها. وقال المالكيّة : “بجواز إقرارهم كذلك بناء منهم على أنّ الجزية يجوز أن تُضرب على كلّ كافر كتابيا أو غير كتابي”.
أمّا الشافعيّة فقد ذهبوا إلى “أنّ الصابئة يجوز أن تُعقد لهم الذِّمة بالجزية وإن لم تجز مناكحتهم، لأنّ مبنى تحريم النّكاح الاحتياط”.
أمّا الصابئة الذين يعبدون الكواكب فقد جزم الرّملي “بأنّ الخلاف لا يجري منهم، لذلك “أفتى الاصطخرى الخليفة القاهر بقتلهم فبذلوا له مالا كثيرا فتركهم”.
أمّا المعتمد عند الحنابلة أن الجزية تُؤخذ منهم لنصّ أحمد ابن حنبل على أنّهم من جنس النّصارى… وقد قال فيهم و “بالجملة فالصابئة أحسن حالا من المجوس فأخذ الجزية من المجوس تنبيه على أخذها من الصابئة بطريق الأولى … فشرك الصابئة إن لم يكن أخف منه فليس بأعظم منه واللّه أعلم”.

2{{- الفتاوى السنّية المعاصرة}}

اعتمد موقع عنوانه ” شبكة الدّفاع عن السّنة” بعض الفتاوي القديمة. ففي مقال بعنوان “شيخ الإسلام ابن تيميّة يحاور دجاجلة الصوفية البطائحية” يشير الكاتب إلى اتّهام أحمد بن تيميّة الصّابئة باِتّباع “البدع المنكرات وهي أعظم من المعاصي”. ويشير كاتب المقال إلى أنّ “أهل البدع والأهواء” هؤلاء حسب كلامه “كانوا لفرط استحواذهم على الملوك والأمراء والأجناد، لخفاء نور الإسلام” ذاهبا إلى أنّه كان “لهم موقع هائل في القلوب وقد طلبهم الشيخ للامتحان قصد كشف باطلهم والمصطلح له وذلك لقوله أنّهم أفسدوا من أمر دين المسلمين ودنياهم. وانتهى به الأمر بعد مناظرتهم إلى دعوتهم إلى اِتّباع الكتاب والسّنة… فالخروج عنهما قد يوجب القتل ودعاهم إلى اِحترام الصّلوات الخمس إلخ… واِنتهى الكلام أمام الأمير إلى أنّه من خرج “عن الكتاب والسّنة ضربت عنقه”.

ولئن كان لابن تيميّة معاذيره الخاصّة المرتبطة بالظرفيّة التّاريخيّة لزمنه في استئناسه بالحديث “إياكم ومحدثات الأمور، فإنّ كل محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة وفي رواية وكل ضلالة في النار”، فإنّ السّؤال سيبقى قائما حول تناسي كاتب المقال، وهو من أبناء القرن الواحد والعشرين الآيات القرآنيّة الثلاث التي تعدّ الصابئة ممن {لاَ خَوْفَ عَلَيْهِمْ}. وملاحظتنا هذه تروم فتح باب النّقاش لا اقتراح رأي محدّد: لِمَ نعود إلى ابن تيميّة لحلّ مسائل راهنة ؟ ولماذا لا تهتم المواقع السنيّة باِنتظام طائفة الصابئة من الدّاخل بعقائدها وطقوسها ونصوصها المقدّسة على غرار المواقع الشيعيّة ؟. هل في ذلك دليل على مجتمعات تعاني من أزمة انفتاح أو على تهميش المهمّش في ردّ للفعل؟ أم هي حسب بعض الصابئة دليل على حاجة هذه الثقافة إلى مزيد النّقد الذاتي ومزيد الاعتراف بتعدّد الحقائق وتجاوز منطق النرجسيات و هواجس المركزيّة الذّاتيّة ؟

إنّ خطاب السّنة العراقيّة في بعض المواقع لا يزال خطاب المركز الذي لم يع أنّه أصبح طرفا في مجتمع متعدد المذاهب و الأديان، والمفارقة أنّه أحيانا خطاب إقصاء ورفض لطرف عليه أن يشتغل على ما بعد عقليّة الإقصاء.

{{ {III – المواقع العلميّة وغيرها حول دين أو طائفة الصابئة} }}

إن هذه المواقع العلميّة ذات أهداف معرفيّة غالبا. ويروم بعضها التعريف بالطائفة والبعض الآخر وصفها وتقديم أكثر من تعريف… وفي هذه المواقع والشبكات فائدة تحصل لنا من حيث تمكين المطلع والزائر من أنسنة علاقته بهذه الأقليّة.
هناك بعض المواقع التي تلبسُ لبوس العلم لكنّها تروم إمّا الدّفاع العصبي عن الطّائفة أو ضدّها مع ما يتضمّن هذه المواقف من سكوت عن أشياء وتركيز على أخرى على حساب الموضوعيّة المنشودة. لكن المواقع العلميّة تمكّن من أنسنة علاقتنا بالآخر الصّابئي وهنا تحصل لنا فائدة في معرفة الآخر.
هناك مواقع على سبيل المثال تدرج أقساما من كتاب “الكنزا ربّا” أو الكنز العظيم كتاب الصابئة المقدّس الذي يقدّمونه على أنّه صحف آدم. كما نجد أحيانا تقديما للّغة المقدّسة وهي المندائيّة ومقارنة لها مع الأكديّة والعربيّة، وهي لغة قريبة من السّريانيّة الشرقيّة، وتعريفات بأنبيائهم، و أياّم الأسبوع عندهم، والأشهر والأعياد إلخ…والتّعريف بأركان الدّيانة : التوحيد، التعميد، الصّلاة، الصّيام، الصّدقة والمحرّمات، أو تقديم الكتب الدينيّة.

وفي بعض هذه المواقع نكتشف تعريفات مهمّة وطريفة ومعلومات لم تكن متاحة عبر وسائل التّواصل التّقليديّة بدءا من الكتاب ووصولا إلى وسائل الإعلام. ومن ذلك نقل أحد المواقع لما قاله أبو الفداء عنهم في كتابه “المختصر في أخبار البشر” من أنّ “ملّة الصابئين هي ملّة السّريان، بل لغتهم السريانيّة والسريان هم أقدم الأمم، وكان كلام آدم وبنيه بالسرياني ويذكرون أنّهم أخذوا دينهم عن شيث ابن آدم وإدريس من بعده وأنّ إدريس هو أوّل من بنى كعبة مكّة”.
وأذكر على سبيل الذكر لا الحصر بعض المقالات المنشورة على هذا النّوع من المواقع، وهي عديدة وثريّة:
– مقال لنوري المرتادي بعنوان “الصابئة المندائيّونّ”، وهم الصابئة المتواجدة حاليا بالعراق، وهم يمثّلون حسب رشيد الخيون صاحب بحث نشر في منشورات الجمل حول “الأديان والمذاهب بالعراق” حوالي 400 ألف نسمة بجنوب العراق و25 ألفا بإيران.

– مقال حول طقوس النّهر عند الصابئة وارتباطهم التاريخي بدجلة والفرات.
– مقال لصباح مال اللّه حول الصابئة المندائيين في العراق القديم وارتباطهم بالنبي إبراهيم الخليل في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد وذلك بمدينة أور السّومريّة مدينة آلهة القمر “إينانا”.
– مقال هام مقتطف من نقد العقل العربي للجابري وعنوانه “العقل المستقيل في الموروث القديم” ويربط الصّابئة بالغنوصيّة الهرمسيّة ويتحدث عن دور الصابئة في حركة النّقل والتّرجمة وتأثيرها في الموروث العربي الإسلامي.
– مقال مقتطف من كتاب علمي هام لعزيز سباهي نشر بدار المدى وعُنوانه “آخر طائفة غنوصيّة في التّاريخ: الصّابئة”.
– مقال مقارني بين الإسلام والصابئة لمثنى حميد مجيد، عنوانه “مفاهيم إسلاميّة صابئيّة مترادفة ومتقاربة : من ذلك مفهوم “الرشامة” أو الوضوء، و مفهوم التّوحيد، و بعض المحرّمات إلخ…

{{ {IV – المواقع الحقوقيّة التي تدافع على حقوق الأقليّات عموما وذلك بالعالم العربي وبالعراق خصوصا.} }}

تعرض بعض هذه المواقع إلى مشاكل هذه الأقليّات الرّاهنة بمختلف انتماءاتها: الكلدوآشوريون، واليزيديون، والصابئة، وتتعرض في بعض المناسبات إلى الصابئة ومشاكلهم الحالية. وهناك بعض المواقع التي تدافع أحيانا بشيء من الحماسة عن الطائفة وهي مواقع تنادي بالدّفاع عن وجود الصابئة وكيانها، وهو ما يجعلها أكثر المواقع انفتاحا والأكثر وعيا بمدى التّهميش الذي تعرفه هذه الطائفة.
وتطرح هذه المواقع خطاب الحقوقيين ومكوّنات المجتمع المدني العراقي حول الصابئة. ففي أحد تلك الواقع نجد مثلا مقالا ليحي غازي الأميري بعنوان “تثبيت حقوق طائفة الصابئة” يطرح مشاكل الأقليّة اليوميّة والرهانات المطروحة عليها، مثل إدماجها في المشهد السياسي الجديد في العراق أي تمثيل الصابئة في البرلمان، وضمان حقوقها في التشريعات المدنية والدينيّة، على غرار القانون الخاصّ بالطّائفة المسيحيّة، خاصّة في الدّستور العراقي وهو ما يضمن اِحترام هذا المجتمع المدني عبر وساطة المواقع السبرانيّة في الترويج لفكرة احترام هذه الأقليّة. ومن ذلك إشارة موقع “بحزاني” التّابع للطّائفة اليزيديّة إلى وجوب “تثبيت حقوق الأقليّات في الدّستور، وهو ما تناسته جميع الدّساتير العراقيّة منذ أوّل دستور في عشرينيات القرن الماضي”.

كما يتحدّث موقع آخر عن اِغتيال ممثّل “الطائفة” الصابئيّة، في قائمة علاوي بالبصرة عن حركة الوفاق الوطني و قد قتل في 17 جانفي 2005 ويدعى رياض راضي حبيب. ولعلّ من أهمّ ما ينشر في مثل هذه المواقع هو كتابات عربي الخميسي الحقوقي العراقي الصابئي.
{{ {
V – المواقع الصابئية التي تعبّر عن تمثل الصابئة لأنفسهم} }}

وتتضمّن هذه المواقع منتديات للحوار بين الصابئة حول بعض المسائل والحوار يدور بين الصابئة المشتتة عبر العالم.
وتطرح مشاكل الصابئة السياسيّة الحالية وتختلط أحيانا إمّا بالمواقع التعريفيّة أو بالمواقع الحقوقيّة. فيعترضنا مثلا في موقع www.iraq.org حديث مع رئيس مجلس عموم الصابئة المندائيّة، في منطقة الديوانية يتحدث فيه عن مطالب الأقليّة ومن بينها تخصيص قطعة أرض لإنشاء معبد يمارسون فيه طقوسهم لإتمام مراسيم الزّواج والتعميد والذباحة… كما يشير إلى عدم التعريف بهم بموضوعيّة في البرامج التعليميّة العراقيّة.

{{ {الخاتمة } }}

تساهم هذه الشبكات في اعتقادنا في أنسنة المطلع عليها في معرفته بالصابئة و تمثله لهم فهي نافذة مفتوحة على هذا الآخر. ونسوق جملة من الملاحظات لإثراء الحوار حول الموضوع :
1) على المواقع العربيّة أن تنفتح على بعضها مهما كانت اِنتماءاتها.
2) في زخم الشبكات هناك الغث والسمين والمعرفي الموضوعي.
3) تساهم في اِعتقادي هذه الشبكات في أنسنة ثقافة الإنسان وعلاقته بالآخر لأنّها تفتح نوافذ على الآخر ومنابر حوار معه.
4) هي مواقع تساعد على الإطّلاع على ثقافة الآخر من الدّاخل و على اطّلاع العالم العربي والإسلامي السنّي أساسا على الطوائف العربيّة غير المسلمة.
5) الإشكال إذن ثقافي لا تقني، وعلينا أن نفكّر في أنسنة الثقافي لا التكنولوجي فالمواقع في نهاية الأمر هي صورة وفية، تعكس وتنقل الصراعات الحالية في العالم العربي والسؤال في الواقع ليس كيف نؤنسن الأنترنت بقدر ما هو كيف نؤنسن تمثّلاتنا الثقافيّة للآخر ورؤانا لأنفسنا.

وما نلاحظه هو أنّ هذه المواقع تساهم في الاِضطلاع بأنسنة الإنسان أمّا الإنسان فيساهم في إفراغ هذه التكنولوجيا من أنسنة ممكنة أو إفراغها من إنسانيتها عبر إسقاط صراعاته الإيديولوجيّة والسياسيّة على خطابه حول الآخر. فالفجوة ليست بين الإنسان والتكنولوجيا بل هي فجوة بين الإنسان والإنسان، فجوة ثقافيّة بالأساس لا تكنولوجيّة. فالحداثة التكنولوجيّة متاحة في المواقع العربيّة. والسؤال هو: هل هناك حداثة في المحتوى الفكري وفي العقليّات المتمثلة للآخر -خاصّة ذلك الذي يتواجد في موقع ضعف وتهميش- تجاري الحداثة في الأدوات التكنولوجية المستأنس بها في المواقع العربيّة ؟. أليست “مشكلة الأقليات بالدرجة الأولى مشكلة الأغلبية أي مشكلة المجتمع العام ذاته” كما يقول برهان غليون [المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، سينا للنشر 1988، ص 19]؟.

ملاحظة: هذا النص نشر ضمن أعمال منتدى نور الدين سريب للتاريخ الاجتماعي و الثقافي و تمت اعادة صياغته للاوان رغبة منا في المساهمة المتواضعة في اثراء ملف الاقليات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق