تنبؤات فاشلة: رؤية غربية للاستقرار والتغيير في الشرق الأوسط / عرض ومراجعة: إيمان رجب

يقدم كجيتيل سيلفيك وستيج ستينسلي في كتابهما المعنون بـ”الاستقرار والتغيير في الشرق الأوسط الحديث”،رؤية مختلفة لمنطقة الشرق الأوسط عما هو سائد في الأوساط البحثية الأكاديمية الغربية، وفي القلب منها الأمريكية، والتي تصورها أنها على صفيح ساخن مهدد بالانفجار في أي لحظة، وأنها منطقة تتسم بقدر عال من الفوضى وعدم اليقين،ومعدل عال من العنف، ناهيك عن سيطرة قضايا رئيسية، من قبيل التطرف الإسلامي، والحرب، والإرهاب، وعدم القدرة على التنبؤ، والانتفاضات السريعة قصيرة الأجل.

 

تقوم رؤية الكاتبين للمنطقة على أنها تتميز بدرجة عالية من استقرار نظمهاالسياسية، والذي يمكن تتبعه منذ 1970، وحتى صدور الكتاب في فبراير 2011،وذلك باستثناء إيران التي شهدت الثورة في 1979، والعراق الذي تم احتلاله في 2003.

 

تكمن أهمية الكتاب في الإطار التحليلي الذي يتبناه في تحليل الاستقرار وفرص التغيير في دول الشرق الأوسط في الفترة السابقة على حالة الثورة التي شهدتها المنطقة منذ مطلع عام 2011، خاصة أن سيلفيك وستينسلي قد تتبعا التطورات في المنطقة منذ عام 2002 ، وقاما بالعديد من الزيارات الميدانية لثماني دول شرق أوسطية هي: مصر،واليمن، وإيران، والمغرب، وعمان، وسوريا، والعراق والسعودية. بيد أن اللافت هو فشل هذا الإطار التحليلي في التنبؤ بثورات الربيع العربي ، برغم قدرته على توصيف مدخلات الضعف في الأنظمة بالشرق الأوسط .

 

استقرار النظام … المفهوم المركزي

 

ويعد استقرار النظام Regime Stability المفهوم المركزي الذي اعتمد عليه سيلفيك وستينسلي في كتابهما،ويعنيان بمفهوم استقرار النظام احتفاظ النظام بخصائصه فترة طويلة من الزمن. وتتمثل هذه الخصائص في القيم التي تحدد ما هو مقبول، والقواعد التي تحدد كيفية اتخاذ قرار معين، وفي هيكل السلطة الذي يحدد عملية صنع القرار.

 

وقد طور سيلفيك وستينسلي ثلاثة مؤشرات يمكن من خلالها قياس استقرار النظم،أولها: طول عمر الدساتير. ثانيا: عدم حدوث تغير جذري في نظام الحكومة عن طريق الانقلاب أو الثورة. ثالثا: عدم حدوث تغير جذري في النخبة الحاكمة، نتيجة صراع قوة داخلي، أو مظاهرات داخلية. ويؤكدان أن هذه المؤشرات متوافرة في دول الشرق الأوسط،خاصة الدول الثماني التي تمت دراستها بشيء من التفصيل في الأجزاء المختلفة منالكتاب.

 

يجادل الكاتبان بأنه رغم أن المنطقة قد شهدت تدخلات خارجية، وانتقالا غيرمنتظم للسلطة، وصراعات وحروبا داخلية، فإن ذلك لم يؤثر فى استقرار النظم السياسية،والذي سار في معظم الحالات جنبا إلى جنب مع الركود السياسي. فعلى سبيل المثال، رغم الحرب الأهلية في لبنان، وما ترتب على اتفاق الطائف من زيادة تمثيل الأقليات، فإن النخب السياسية المعبرة عن كل أقلية لم تتغير، وظلت حتى اليوم هي التي تتحكم في الحياة السياسية.

 

يناقش الكتاب ثلاثة أسس رئيسية ارتكز عليها استقرار النظم في الشرق الأوسط،هي مجتمع ضعيف، وأزمة الشرعية، ومؤسسات دولة ضعيفة. وهذه الأسس في جوهرها هي قضايا قد تؤدي إلى انهيار الدول، ولكنهما جادلا بأن استراتيجيات النخب الحاكمة في معالجة هذه القضايا جعلت منها أسسا لاستقرار حكمها، أكثر منها محركات لتغيير النظم.

 

مجتمع ضعيف

 

يتمثل الأساس الأول في ضعف المجتمعات العربية في مواجهة الدولة، نتيجة سياسات النخبة الحاكمة التي عملت على إضعاف المجتمعات منذ 1970. وفي الحالات الثماني التي حللاها، وجدا صورتين لضعف المجتمع. تتمثل الصورة الأولى في عدم وجود معارضة سياسية تستند إلى انتمائها الطبقي، وفسرا ذلك بمتغيرين، المتغير الأول خاص بسيطرة الدولة على كافة التنظيمات الاجتماعية Corporatism، واختراقها لتنظيمات مثل النقابات العمالية، وبالتالي لم تتطور حركات معارضة للنخبة داخل هذه الكيانات. ويتعلق المتغير الثاني بعلاقات العمالة/الزبانية Clientism، حيث يقدم أصحاب المناصب خدمات محددة لغيرهم مقابل الدعم السياسي.

 

ومن خلال دراسة سيلفيك وستينسلي لكل من مصر وإيران ولبنان، انتهيا إلى أنهناك غيابا للوعي بالانتماء الطبقي لدى الأفراد، وبالتالي لا يلجأون إلى تنظيم أنشطتهم،استنادا لاعتبارات طبقية. وغياب هذا الوعي يرجع في حالة النظم التي شهدت ثورات،مثل مصر وتونس والجزائر واليمن وليبيا خلال الخمسينيات والستينيات، إلى ما صاحب الثورة من عملية إعادة تشكيل المجتمع طبقيا، والتي أضعفت الطبقة لصالح هوية الجماعة،ولصالح الهوية الإثنية، ولصالح فكرتي العامة(عامة الشعب) والخاصة (من لهم علاقة بالنخبة الحاكمة).

 

كما يرجع في حالة الملكيات إلى انغلاق هذه المجتمعات، وسيطرة الإسلام التقليدي عليها، والذي احتفظ بحالة من الاستقرار الاجتماعي، حيث لم تشهد هذه المجتمعات أيمحاولات لاستهداف الأسر المالكة، كما حدث في مصر بعد ثورة 1952، أو طبقة التجار. ومع اكتشاف النفط في هذه الدول، تم تحديث مؤسسات الدولة، دون أن تتحول الطبقة الوسطى إلى مصدر تهديد للأسر المالكة.

 

وتتمثل الصورة الثانية في انتشار الصراعات الإثنية، والتي أرجعها الكاتبان لاستخدام الحكام الانقسامات الإثنية كاستراتيجية بقاء. ففي حالة اليمن، على سبيل المثال،لعب علي عبد الله صالح دورا رئيسيا في تعزيز الانقسام الإثني والقبلي داخل المجتمع اليمني، مما زاد من إضعافه.

 

أزمة الشرعية

 

يتمثل الأساس الثاني في معالجة أزمة الشرعية التي لم تعد تقتصر على النخبة الحاكمة، وإنما امتدت إلى الدولة، من خلال استراتيجيات تهدف لكسب مزيد من الوقت،ومنع الانهيار. وقد خلقت هذه الأزمة القوى الليبرالية والإسلامية التي تتحدى النخب الحاكمة. وحدد الكاتبان نوعين من الاستراتيجيات التي اتبعتها النخب الحاكمة في محاولة لاحتواء ضغوط هذه القوى.

 

تتمثل الاستراتيجية الأولى في الإصلاحات السياسية والاقتصادية، والتي اتبعتها النخب الحاكمة بهدف خلق انطباع بأنهم قادرون على التعامل مع المشاكل. وهذه السياسات لا تؤدي إلى تغير حقيقي في علاقات القوة داخل الدولة على النحو الذي ترغب فيه القوى الليبرالية. ومثال على ذلك سياسات الانفتاح الاقتصادي التي اتبعتها بعض الدول بهدف احتواء ضغوط جماعات محددة، وانتهى بها الأمر إلى عدم تنفيذ هذه السياسات على الوجه الأكمل لخوفها من عدم الاستقرار المرتبط بها، فأجلت الجزء الأهم فيها، وهوالخاص بالدعم الحكومي، وحاولت تشتيت الانتباه من خلال الإصلاح التكنولوجي، كما بدأت إصلاحات سياسية، لكن دون أن تمس نمط العلاقات القائم في المجتمع.

 

وتتمثل الاستراتيجية الثانية في “أسلمة” الخطاب السياسي، في محاولة لامتصاص التحدي الذي مثلته جماعات الإسلام السياسي، مثل الإخوان المسلمين في حالة مصر.وانتهيا من خلال دراستهما للحالة المصرية إلى أن أسلمة مبارك الانتقائية للدولة ولخطابه السياسي لم تضعف جماعة الإخوان المسلمين، وزادتها قوة، رغم أنها لم تصل للسلطة.

 

مؤسسات ضعيفة

 

يتعلق الأساس الثالث بضعف مؤسسات الدولة، حيث نجحت الملكيات في الحفاظ على وجودها من خلال إضعاف مؤسسات الدولة، وعدم السماح بتطور قوى حقيقية منافسة، وبذلك تحدت كافة المقولات التي تحدثت عن حتمية انهيار الملكيات، وتشكل الجمهوريات محلها. ويفسر سيلفيك وستينسلي ذلك بثلاثة عوامل، تختلف أهمية كل منها من حالة لأخرى، وهي على النحو التالي:

 

أولا: وجود الدولة الريعية التي احتكرت الثروة وتوزيعها، وسيطرت على الاقتصاد، وأضعفت أي منافسة حقيقية محتملة لها.

 

ثانيا:سيطرة الأسر الحاكمة على مؤسسات الدولة وتطويرها آليات للتحكم في الصراعات الداخلية.

 

ثالثا: وجود حلفاء خارجيين أقوياء، لديهم مصلحة في بقاء واستمرار هذه النظم،مثل الولايات المتحدة، في حالة أسرة ابن سعود الحاكمة في السعودية.

 

وأرجع سيلفيك وستينسلي استمرار استقرار النظم في حالة الجمهوريات إلى غياب الرقابة والتوازن بين السلطات، مما سهل على الحاكم الواحد السيطرة على الجيش والبيروقراطية، وبات الولاء للحاكم يسبق الولاء للدولة.

 

مسارات التغيير

 

ناقش الكتاب مسارين لتغيير النظم في دول الشرق الأوسط، هما التحول الديمقراطي، والانهيار. وجادل الكاتبان بأن التحول الديمقراطي في دول الشرق الأوسط يتوقف على رغبة النخبة الحاكمة، فلا تزال القوى الراغبة في الديمقراطية في هذه الدول،سواء القوى الليبرالية أو الإسلامية، لا تملك القدرة على قيادة عملية تحول ديمقراطي.

 

ويريان أن الاستثناء الوحيد مرتبط بحالة إيران، حيث تطورت فيها “ضغوط الشارع” التي عبرت عنها الحركة الخضراء، وهي تمثل تطورا مهما وواعدا في عملية التحول فيها.ويؤكدان أن النخب الحالية في باقي دول الشرق الأوسط ستسعى لامتصاص الضغوط الداخلية والخارجية عليها من أجل التحول الديمقراطي، من خلال عملية إصلاح سياسي لا تؤدي إلى خلق قوى منافسة حقيقية، ورجحا استمرار الاستقرار في هذه النظم. أما مسار الانهيار، فجادلا بأن دول الشرق الأوسط إما أنها ضعيفة أو فاشلة، وهوما يجعل احتمال انهيار هذه الدول قائما، خاصة في حالات تعرضها لاختراق خارجي.

 

وفسرا هذا الضعف بأن النخب الحاكمة “اختطفت الدولة”، واستغلت مواردها للبقاء في السلطة، وفككت استراتيجيات البقاء التي اتبعتها النخبة، ومنها سياسات فرق تسد،وسياسات القمع، والإرهاق السياسي للمعارضة.وقد انتهيا إلى أن احتمال انهيار هذه الدول لا يزال ضعيفا. ففي حالة السعودية،على سبيل المثال، جادلا بأن استقرار النظام السياسي مرتبط بأربعة متغيرات، هياستمرار تماسك أسرة آل سعود، واستمرار النمو الاقتصادي، واستمرار الدعم الأمريكي ،واستمرار التحالف مع المؤسسة الدينية. وخلصا إلى أن الأسرة السعودية ستكون قادرة على الحفاظ على استقرار النظام السياسي، من خلال توفيرها حلا لمشكلة الخلافة، وتبنيها سياسات للإصلاح قادرة على خلق قاعدة شعبية جديدة لها.

 

وقد رجح سيلفيك وستينسلي في النهاية استمرار استقرار النظم في الشرق الأوسط،وبررا هذا السيناريو بقدرة النخب الحاكمة على الحفاظ على ضعف المجتمعات، رغم ما يحويه ذلك من مخاطر خاصة بإضعاف مؤسسات الدولة وإفشالها، باستثناء حالة إيران التي خرج فيها المجتمع عن سيطرة النخبة الحاكمة.

 

رؤية ختامية

 

وعند اختبار ما انتهى إليه سيلفيك وستينسلي، في ضوء ما حدث في المنطقة من تطورات خلال عام 2011، يتضح قصور الإطار التحليلي الذي تبنياه، الأمر الذي يثير عددا من الملاحظات الختامية، هي على النحو التالي:

 

أولا: تكشف الطبيعة المزدوجة للقضايا الثلاث التي ركزا عليها الكاتبان بكونها محركات للتغيير كما تشير خبرات العديد من الدول، وأسبابا لاستقرار النظم عن نوع من القصور في الإطار التحليلي الذي تبناه سيلفيك وستينسلي في كتابهما، فضلا عن النتائج التي توصلا إليها، وعدم اتفاقها مع حالة الثورة التي شهدتها المنطقة منذ مطلع عام2011 .

 

ثانيا: جادل الكاتبان بأن نجاح النخب الحاكمة في تحييد تأثير هذه القضايا الثلاث يرجع إلى اتباعها استراتيجيات “بقاء”، لا تقدم حلا لهذه القضايا الثلاث، بقدر ما عالجتها بهدف كسب مزيد من الوقت، والحفاظ على استقرار حكمها أطول فترة ممكنة، مغفلين بذل كأن المجتمعات الضعيفة،على سبيل المثال، قد طورت آليات أخرى للضغط على النخب الحاكمة من أجل التغيير، وقد عمقت من أزمة الشرعية الخاصة بها، وقد حققت نجاحا محدودا في ذلك، وهذا ما تعبر عنه حركة كفاية، وحركة 6 أبريل في مصر، على سبيل المثال.

 

ثالثا: غياب المعارضة التي تستند إلى طبقة معينة لا يعني بالضرورة غياب أنماط المعارضة الأخرى. كما أن دول الشرق الأوسط شهدت أنماطا متنوعة من اللاحركات الاجتماعية social non-movement، التي استندت إلى اعتبارات طبقية، ونجحت في إحداث تغيير عبرت الثورة في تونس ومصر عن أكثر صورها تأثيرا.

 

رابعا: الإطار التحليلي المستخدم يكاد يكون تقليديا، ولا يهتم بالتطورات التي شهدتها دول الشرق الأوسط في مجملها منذ عقد تقريبا. كما يلاحظ من ناحية أخرى أن إطارهما التحليلي ركز على دراسة سياسات النخب الحاكمة من أجل الاستمرار في السلطة، دون الاهتمام بدراسة ديناميكيات التحول التي بدأت تتبلور داخل مجتمعات الربيع العربي، والتي فجرت الثورة في تونس ومصر وليبيا، والتي أثبتت أن خيار استمرار استقرار النظم الحاكمة لم يعد خيار النخب الحاكمة.

 

خامسا: إن ما سمياه “ضغوط الشارع” لم تعد تقتصر على إيران، وإنما امتدت إلى باقي الدول في المنطقة، وباتت قوتها تفوق قوة أي نخبة، حتى وإن كانت تتحالف معواشنطن، القوة العظمى في النظام الدولي. ولعل إغفال هذه الديناميكيات يفسر اقتصارمسارات التغيير التي تحدثا عنها على التحول الديمقراطي من أعلى أو الانهيار، دون الحديث عن خيار الثورة.

 

سادسا: أكد سيلفيك وستينسلي أن استقرار النظم في الشرق الأوسط هو استقرارغير مبني على أسس سليمة، وهو قائم على مؤسسات ضعيفة، ومجتمع ضعيف، وأزمةشرعية، ولكن لم يستفيدا من هذه النتيجة في الحديث عن السيناريو الأكثر احتمالية فيما يتعلق بمستقبل التغيير في المنطقة.وأكدا أن استمرار استقرار النظم هو الاحتمال الأقرب، في حين أن النتيجة المنطقية تفيد بإمكانية انهيار هذا الاستقرار في أي لحظة، ليس من خلال تدخل خارجي فقط، كما ذكرا، وإنما نتيجة تفاقم أزمة الشرعية وخروجها عن السيطرة، وإمكانية تحول التيارات الإسلامية إلى بديل، حتى وإن لم يقدم رؤية متكاملة بديلة.

 

كما ذكرا أيضا أن المجتمع الضعيف قد يخرج عن سيطرة النخبة الحاكمة، ويكون محركا للتغيير، ولكنهما لم يستفيدا أيضا من إعادة قراءة النظم الثمانية التي تمت دراستها في ضوء هذه النتيجة.

 

عن مجلة السياسة الدولية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This