تنظيم البث الفضائي العربي: وثيقة مقلقة

توصل وزراء الاعلام العرب الى إقرار وثيقة مبادئ تنظيم البث الفضائي الاذاعي والتلفزيوني في المنطقة العربية، وذلك خلال اجتماعهم في جامعة الدول العربية في القاهرة في 12 شباط 2008. وقد وقع عليها جميع الوزراء العرب باستثناء قطر التي ارجأت التوقيع لحين عرضها على السلطات والمؤسسات التشريعية فيها، للتأكد أنها لا تتضمن مواد تتعارض مع تشريعاتها.

ورغم أن الوثيقة تعتبر استشارية أو استرشادية أي غير ملزمة، الاّ أنها حسب وزير الاعلام المصري أنس الفقي “وثيقة ملزمة” حين قال: سيتم إلزام الفضائيات التي تبث من مصر بها وهذا أحد الاسباب التي كانت وراء تأجيل الموافقة على بث فضائيات جديدة على “نايل سات”.

كما أن وزارة الاعلام المصرية حسب الوزير الفقي ستقوم على الفور بإرسال الوثيقة الى مجلس ادارة المنطقة الحرة الاعلامية ومجلس إدارة “نايل سات” لتكون الإطار الناظم لعملها، وستصبح الوثيقة ملحقاً للعقود التي سبق ابرامها مع القنوات الفضائية وكذلك عقود استئجار الاستديوات بمدينة الانتاج الاعلامي “6 اكتوبر”.

وقد أثارت وثيقة المبادئ ردود فعل كثيرة اعلامية وحقوقية، تلك التي تعتبرها بمثابة عائق جديد أمام حرية الاعلام وحرية التعبير في الوطن العربي. ولعل المسألة الخطيرة التي بحاجة الى وقفة جدية هي تلك التي تتعلق بانسيابية الاخبار والمعلومات ” المستقلة” والحق في تلقيها وبثها على ملايين الناس الذين قد يكونون عرضة للتأثير من جانب قوى متعصبة ومتطرفة، فما بالك إذا تم تقنين حرية التعبير والحق في تدفق المعلومات ونشرها وإذاعتها طبقاً لما تقرره المادة 19 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان؟

وبقراءة لقائمة المحظورات التي ينبغي على الاعلام الالتزام بها فسوف تضيق الى حدود كبيرة فسحة الحرية، بل إن سيف الرقابة سيكون مصلتاً عليها لاسيما تفسير وتأويل حدود الحرية المقننة الممنوحة والمتبقية طبقاً لاعلان المبادئ، والتي لا تشمل البث التلفزيوني فحسب، بل استهدفت الاعلام الالكتروني أيضاً، كما شملت مصادرة الاجهزة والمعدّات خلال التصوير والأعمال التمهيدية حتى قبل البث.

{{وتشمل قائمة الممنوعات:}}

• “عدم تناول القادة والرموز الدينيين في العالم العربي بالتجريح!”. ولكن ما هي حدود النقد والتجريح ؟ ثم من هو الذي يحدد القادة والرموز وهل هم خارج نطاق عملية النقد، وفوق المجتمع والدولة؟ وماذا لو ارتكبوا خطأ أو انتهاكاً، فكيف يمكن الاعلام التصدي لتلك الظواهر إنْ لم يكن بالنقد وكشف الحقائق ؟!

• ” الالتزام بالقيم الدينية والاخلاقية للمجتمع العربي ومراعاة بنيته الاسرية وترابطه الاجتماعي!”. وهذه أحكام عامة يمكن تفسيرها وتأويلها، فبعض العادات أو التقاليد، والتي قد تختلط بالقيم والاخلاق، تعدّ باليةً ومتخلفةً وتستحق النقد، والهدف هو توعية المجتمع وتخليصه مما لحق به من ترهات وما علق به من أدران، هي تحتاج الى شحذ سلاح النقد وتشجيع الناس على تلمّس المشترك الانساني للحضارات والثقافات مع مراعاة الخصوصية العربية والاسلامية، علماً بأن قوانين الاسرة والتقاليد الاجتماعية تختلف من مجتمع الى آخر.

• “الامتناع عن بث كل ما يتعارض مع توجهات التضامن العربي”. وهذه مسألة عامة وغامضة أيضاً، ولعل هناك اجتهادات واختلافات حولها، كما أن وظيفة الاعلام الحر هي في التنوير وقول الحقيقة وكشف ما يعارضها ونقد المظاهر السلبية، وقد تختلف زاوية الرؤية بين الاعلامي وموظفي الاعلام سواء كانوا وزراء أو مؤسسات، باختلاف دورهم وهنا لا بدّ من تسليط الضوء على نقابات الاعلاميين والصحافيين واتحاد الصحافيين العرب ودورهم في نقد الوثيقة وما يترتب عليها.

• “الامتناع عن بث كل ما يتعارض مع الذات الالهية والاديان السموية والرسل والمذاهب والرموز الدينية”. وأثار هذا الأمر في الماضي ويثير في الحاضر والمستقبل مشكلات كبيرة، فنقد الظواهر السلبية بما فيها التي تستخدم الدين ستاراً او يافطة قد يؤدي الى ملاحقة الاعلامي قانونياً، كما أن تدخّل رجال الدين بأمور السياسة والثقافة والادب والفن والعلم والسياحة والتجارة والحلال والحرام والتأثيم والتجريم، يجعل هذه المؤسسة فوق الدولة وفوق المجتمع، وقد تم الاستعداء على مثقفين بحجة مروقهم أو خروج نتاجاتهم الابداعية على الدين، وتم التحريض على قتل ادباء وفنانين ومبدعين في العديد من الدول العربية تحت دعاوى زائفة وفتاوى دينية كيدية.

إن تهديد الوثيقة بسحب أو عدم تجديد أو تجميد ترخيص القنوات الفضائية المخالفة لأحكامها يجعل المؤسسات الاعلامية الحرة والمستقلة تحت مرمى مدفعية الجهات الرسمية والمحافظة، إذ أن تنفيذ هذه الاحكام سوف يعوّق ويكبح سبيل حرية التعبير، إضافة الى تعارضه مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان (المادة 19) فإنه يتعارض مع المادة 19 من العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية، وكذلك مع المادة 32 من الميثاق العربي لحقوق الانسان التي تضمن الحق في الحصول على المعلومات وحرية التعبير، وهو الميثاق الذي اعتمدته جامعة الدول العربية العام 2004 بعد نقاشات وتعديلات استمرت من العام 1971 وحتى العام 1994 ثم أجريت تعديلات جوهرية عليه ليتم اقراره في مؤتمر القمة العربية.

ومن بواعث القلق أن تعزيز التعاون الأمني والاعلامي الرسمي وفي ظل غياب تعريف واضح للتدابير المقصودة بمكافحة الارهاب، يُفهم منها زيادة الرقابة والتدخل في شؤون الاعلام بما يضعف حرية التعبير، ويعرّض الاعلامي الى المساءلة الأمر الذي قد يصل الى التعرّض لأحكام قاسية وعقوبات غليظة.

عندما قرأت وثيقة اعلان المبادئ، استذكرت الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب التي تم التوقيع عليها في 22 نيسان 1998 من جانب وزراء الداخلية والعدل العرب، واثارت حينها سجالات ونقاشات وجدالات ساخنة، مثلما أثارته وحرّكته وثيقة اعلان المبادئ التي قال الوزراء والمسؤولون: إنها إنجاز كبير، في حين أن مؤسسات المجتمع المدني اعتبرت أنها تمس على نحو كبير بحرية التعبير وتضيّق على الحريات وتحوّل سيف الارهاب الى سيف مسلّط على الاعلامي والناشط في المجتمع المدني بما يعني تجاوز الهدف من توقيعها.

وتذكرت حديثاً لي مع مسؤول عربي رفيع المستوى سبق أن نشرته في كتابي ” ثلاثية الثلاثاء الدامي: الاسلام والارهاب الدولي”، حين قال لي إننا الآن بحاجة الى حقوق الانسان، ولعلها فرصة لكي تثبت منظمات حقوق الانسان دورها في هذا الظرف بالذات ( بعد أحداث 11 أيلول 2001)، فأجبت محدثي بأننا الآن جميعاً في قارب واحد وقد نغرق إذا لم نتعاون ولم تلبّ الاحتياجات الاساسية للحقوق والحريات، وهو الأمر الذي استعدته وأنا أقرأ وثيقة إعلان المبادئ الاعلامية العربية، التي لم تواكب فضاء الحرية الواسع وصناعة وتكنولوجيا الاعلام وثورة الاتصالات والمواصلات بل وقفت عند أطلال الماضي المزدحم بالمحظورات والعقوبات!!

{نشرت في النهار في 2/3/2008}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق