تهميش الإنسانيات: إقصاء للمعرفة وتأصيل للسّلعنة

وضع مقال الأستاذ عبد الواحد المكني(1)اليد على وجه من وجوه الحراك الذي نسجّله اليوم في المشهد التربويّ عامّة وفي التعليم الجامعيّ تخصيصا. ويمثّل هذا واحدا من أهمّ المنعرجات التي ستكون بصماتها مرقومة بوضوح على حاضر مجتمعاتنا ومستقبلها لما للتعليم من دور في صياغة الواقع بمختلف مكوّناته. وسنعمد ههنا إلى الإلحاح على أنّ تهميش الإنسانيات الذي تشهده المنظومة التربويّة الجامعيّة العربيّة والجامعة التونسيّة تخصيصا لا يمثّل اختيارا حرّا ومسارا يعكس رغبة المعنيّين بالشأن الجامعيّ في هذا التمشّي أو ذاك. فالشواهد كثيرة على أنّّ سؤال التعليم في الدول المتخلّفة لم يخرج عن دوائر القرار البيروقراطيّ، ولم يكن موضوعا للحوار الديمقراطيّ ومن مسائل الشأن العامّ. ولهذا لم تحظ مشاريع الإصلاح وإصلاح الإصلاح عند الجامعيين على سبيل المثال إلاّ بمزيد من النقد والاحتجاج أحيانا، وبمزيد من اليأس والاستقالة أحيانا أخرى. فهي وصفات جاهزة يروّج لها على أنّها الحلّ السحريّ للتشغيل والتكوين، وأنّها ضامن الجودة وعنوان التحديث، إلى غير ذلك من الدعاية المعلّبة والمتخشّبة. ولكن رغم أنّ الإصلاح ضروريّ والمراجعة النقديّة لمفهومنا للجامعة ودورها وعلاقتها باستحقاقات التنمية البشريّة أمور حتميّة، فإنّ تنزيله في سياق هيكلة نمطيّة معولمة لمسارات للتكوين والتقويم أعدّتها عقول لها حساباتها وشروط موضوعيّة تكيّف عملها فذلك ممّا لا يناسب بالضرورة ما يتطلّع إليه أهل المهنة.

لقد شهدت الجامعة في العالم بأسره تقريبا، ومنذ عقود، إعادة هيكلة وبناء لتصوّرها ووظيفة كلّ فاعل فيها. ولسنا اليوم في تونس وفي أغلب الجامعات العربيّة بمنأى عن هذه الصياغة المعولمة لنظم التربية. ونذكر هنا أساسا إصلاح مسارات التكوين بإقرار تكوين جامعيّ موزّع كما يلي: الإجازة( 3سنوات بعد الحصول على الباكالوريا)، والماجستير ( 5سنوات بعد الحصول على الباكالوريا)، والدكتورا( 8 سنوات بعد الحصول على الباكالوريا). وهذا ما يعرف اختصارا بنظام “إمد” أو نظام”8.5.3″. ورافق هذا إقرار وجهين للتعليم الجامعيّ: وجه غالب قوامه تكوين تطبيقيّ ( رأت وزارة الإشراف في تونس أن تبلغ الإجازات التطبيقيّة نسبة ثلثي الإجازات الممنوحة في الجامعة. وجرى هذا في ظلّ رفض للهياكل العلميّة والبيداغوجيّة في مؤسسات العلوم الإنسانيّة والآداب فضلا عن الطرف النقابيّ بسبب غياب التشاور والارتجال وانعدام شرح الأسباب). ويراهن هذا التكوين من جهة على تجفيف منابع البحث العلميّ عامّة وفي الإنسانيّات تخصيصا. فهدفه تكوين مهارات متوسّطة في مدّة وجيزة وفي ظلّ إشراف أستاذيّ وبنية أساسيّة أبعد ما تكون عن شروط التعليم الجامعيّ. أمّا الوجه الثانيّ لهذا التعليم فمنصرف- إلى أن يأتي ما يخالف ذلك – نحو التكوين الأساسيّ بعد أن تمّ حذف عديد الإجازات التقليديّة ودمج البعض منها في الآخر بلا مبرّر واضح. ويجري هذا بوضوح في العلوم الإنسانيّة والآداب واللغات بتعلّة ضعف التشغيليّة مع كثرة خرّيجيها وعدم تناسب تكوينهم مع حاجيات “مجتمع المعرفة” والسوق التي تنتظر متمرّسين في التكنولوجيا الحديثة أكثر من باعة كلام سوقهم راكدة من أيّام التوحيديّ.

وبعيدا عن كثير من التفاصيل الفنيّة، نعلم كلّنا أنّ هذا “الاختيار المفروض” هو صياغة محاكية لما تدبّره دوائر المال العالميّ ومؤسّساته ( البنك العالميّ- صندوق النقد الدوليّ) لإنجاح سياسة الإصلاح الهيكليّ، بما هي إحدى أركان الليبراليّة الجديدة بوجهها الفظّ المغيّب للبعد الاجتماعيّ، ولكلّ ما هو قيميّ كونيّ. أمّا كلمة السرّ فتتمثّل في تخلّي الدولة عن أدوارها في التمويل والإشراف والبرمجة الإستراتيجية في سائر القطاعات العموميّة التي تقع خصخصتها بالتفويت فيها لحفنة من أصحاب المال.

وليس خافيا اليوم، أنّ هذا التمشّي يعدّ استنساخا مشوّها لما عرفته الجامعة الغربّية عامّة والأوروبية تخصيصا منذ إعلان الصوربون 25ماي –مايو 1998 الذي ألحّ على توحيد الفضاء الأوروبي التربويّ والجامعيّ في سياق الوحدة الأوروبية الشاملة، بما يساعد على حركيّة الطلبة والأساتذة وييسّر اندماجهم في سوق الشغل، ويساهم –في حدود زعم هذا الإعلان- في مراكمة فوائد التنمية الشاملة. وجاء إعلان بولونيا (إيطاليا) 19 جوان – حزيران1999 مؤكّدا أهميّة التعاون في مجال المعرفة في البناء الثقافيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ، وتعزيز قيم المواطنة، وترسيخ مكتسبات الديمقراطية إلخ… كما أكّد تصوّرًا للجامعة يقوم على التنافسيّة ويهدف إلى اجتذاب الكفاءات؛ برفع الحواجز بين جامعيّ أوروبا، ويولي أهمّية قصوى للتشغيليّة دون تخلّ – في الظاهر-عن الدور التقليديّ للجامعة المتمثّل في نشر المعرفة وترويجها. وأثبتت الوقائع الملموسة أنّ التعليم الجامعيّ لم يعد كما في صيغته التقليديّة بحثا في الحقيقة، ومراجعة للأسئلة والقيم، ومساءلة للرأسمال الرمزيّ، وحوارا بين استخلاصات العقول ونتائج مراكز البحث هنا وهناك. لم تعد الجامعة الجسر المؤلّف بين المعرفة والقيم والسّلوك. وكفّت المعرفة عن كونها معرفة للمادّة والكون والحياة والإنسان، فليس من المفيد أن تهتمّ بالعلاقة بين الظواهر وتهتمّ بالأشكال والأبنية والقوانين المتحكّمة فيها، وبما ينشأ فيما بين الكائنات الحيّة، وفيما بين هذه الكائنات ومحيطها من علاقات. لا سبيل اليوم إلى معرفة أساسيّة قوامها الفكر النقديّ وحبّ المعرفة وبهجتها والرغبة في الكشف والاكتشاف(2).

ولم يلق تنميط مسالك التكوين الجامعيّ والإلحاح على البعد الاقتصاديّ فيه القبول لدى أغلب الفاعلين في حقل التربية، فضلا عن الناشطين في المجتمع المدنيّ من المناهضين للعولمة في أوروبا وغيرها من البلدان. ولقد وقع الإلحاح على أنّ هذا الإصلاح يمثّل استجابة غير مشروطة لتحرير التعليم، تنفيذا للاتفاقية العامّة لتجارة الخدمات الممضاة سنة 1994 في صلب منظّمة التجارة العالميّة، وقد نصّت على تحرير الخدمات الأساسيّة (الصحّة – النقل – الكهرباء- الماء الصالح للشراب إلخ…) وهي تمثّل 70بالمائة من اقتصاديات البلدان عامّة. ويعني هذا التحرير تخلّي الدولة عن إسداء هذه الخدمات الحيويّة ذات البعد الاجتماعيّ والمتّصلة بالحقوق الإنسانية الأساسيّة. ولهذا الخيار كما يعلم الجميع انعكاسات وخيمة في المنظورين القريب والبعيد. ففي قطاع التعليم يفضي التصوّر النيوليبرالي ّ إلى تبجيل المنطق الربحيّ على الدور الذي نهضت به المدرسة تاريخيا، ويسوّي كما يردّد مناهضو هذه الخصخصة بين خدمة حجز تذكرة طائرة والحقّ في تربية مجانيّة ومدى الحياة.

لم يكن هذا الخيار حكرا على بلدان الشّمال، فقطاع التعليم العموميّ بدا آيلا إلى الانقراض حتّى في دول الجنوب. فلقد غدا قطاعا مفتوحا في وجه الاستثمار الاقتصاديّ يجسّم هدف سلعنة المعرفة( أو بضعنتها)، بمعنى إخضاعها إلى منطق التبادل السّلعي والعرض والطلب والتنافسيّة. هكذا تمّ فتح “سوق التربية” أمام جشع المضاربين بالعقول ومكتسبات المعرفة البشريّة، وتمّ تمهيد السبيل أمامهم لاحتكارها قصد توظيف فوائدها لتنمية القدرات التنافسيّة للمؤسسات الاقتصاديّة الراعية للجامعات والمعاهد العليا الخاصة ومراكز البحث التي يقع توجيه بحوثها بحسب حاجيات هؤلاء المتدخّلين. وبموجب انفتاح هذه السّوق على القطاع الخاصّ، كان من الطبيعيّ أن يتدخّل المتحكّمون فيه لضبط معايير التربية وأوليّاتها وأهدافها وملامح المنخرطين في نظمها. ولا عجب وقتئذ أن تتراجع منزلة العلوم الإنسانيّة والبحوث النظريّة في العلوم الأساسيّة ما دامت تتعارض في أهدافها مع منطق المردوديّة. ولا غرابة أن يقع التخلّي عن النمط الدراسي الحضوريّ ذي الكلفة الماديّة العالية – في زعم هؤلاء- لإرساء نمط افتراضيّ (التعليم عن بعد)، دعامته استخدام تكنولوجيا حديثة في التدريس وبرمجيات ومنتجات تربويّة تحتكرها وتروّجها شركات عملاقة لفائدة قلّة من المحظوظين في عالم سُدس أهله من الأمّيين، ويعيش 80 بالمائة منه بأقلّ من 5 دولارات يوميا، وتتدنّى هذه النسبة لتصل0.70 دولار يوميا في مناطق من إفريقيا وآسيا؛ وفي واقع يظلّ فيه الهاتف والانترنيت من باب اللاّ مفكّر فيه.

نعم، أصبح من المشروع اليوم الحديث عن سوق للتربية، وهي سوق واعدة لا محالة، خصوصا مع تراجع الدولة عن حماية الحقّ في التمدرس، والحقّ في معرفة أساسية، بحجّة الحدّ من الإنفاق وعقلنة الكلفة وترشيدها. وبمقتضى تحرير الأسواق استفادت المؤسسات التي ” تسدي خدمات التعليم العالي” من إعفاءات ضريبيّة وتسهيلات في اقتناء محلاّت التدريس وتجهيزاته، بل إنّها وظّفت في التدريس خيرة العقول المتخرّجة من الجامعة العموميّة التي ساهم في إقامة صرحها دافعو الضرائب. نعم إنّها سوق واعدة، أساسها بلاغة جديدة وضعها هؤلاء المضاربون الذين يحدّثوننا عن “المردوديّة” و”التنافسيّة” و”الجودة”، و”المواصفات” و”التشغيليّة”، و”المدخلات” و”المخرجات”، و”ثقافة المشاريع” و”ثقافة المؤسّسة” و”المهننة” ( أي إضفاء البعد المهنيّ على التكوين الجامعيّ بناء على دراسة مفترضة لحاجيات سوق التشغيل ). يجري هذا مع ازدراء صريح وضمنيّ من بقايا الجامعة العموميّة أو الشعبيّة كما دأبت أدبيّات الحركة الطلاّبيّة على تسميتها.

إنّها سوق ذات وزن في اقتصاديات عدد كبير من الدول المصدّرة لهذه البرمجيّات والمنتجات التربويّة، وللخبراء والمستشارين في حقل التكوين الجامعيّ بمعايير أهل المال والأعمال. ويكفي في هذا الصدد أن نعلم أنّ خدمة التربية احتلّت المرتبة الخامسة من بين الخدمات المصدّرة في الاقتصاد الأمريكيّ موفّرة مبلغ 10.7مليار دولار.

إنّها سوق لا بقاء فيها إلاّ للأصلح: التكوين التطبيقيّ الذي يكتفي في بعده النفعيّ بإعداد يد عاملة ذات مهارة متوسّطة وكفاءة عمليّة متخصّصة، لا يحتاج مشغّلوها إلى إضاعة وقت في تدريبها وتأهيلها عند التحاقها بسوق الشغل. وعلى هذا التكوين أن يلاحق حاجيات هذه السوق المتحرّكة ليزوّدها بيد عاملة رخيصة غالبا، مطيعة مرهونة بعقود عمل هشّة تبرمها في أغلب الأحوال مع مموّلي التعليم العالي المتنفّذين في مجالس إدارة المعاهد العليا والمتدخّلين في التسيير العلميّ والبيداغوجيّ، بوضعهم عروض تكوين تحت الطلب بحجّة الشراكة والانفتاح على المحيط.

والحقّ إنّها معرفة مرهونة باستراتيجيات هذه الدوائر التي لا علاقة لها موضوعيّا وتاريخيّا بالجامعة، فباسم الشراكة اكتسح هؤلاء منبر الجامعة المهيب – ولم يكونوا في الماضي القريب من الحالمين بهذا- فدنّسوه بأن جعلوه فضاء رحبا للمناولة(المقاولة من الباطن)، وحوّلوا الأستاذ عن صفته الأصيلة باعتباره أستاذا باحثا إلى أستاذ مكوّن ومبسّط منفّذ لبرامج نمطيّة، ومعّد لتمارين تطبيقيّة، بهدف تحقيق المعادلة الصعبة : “تعليم جامعيّّ”، “بكلفة أقلّ مع نجاعة أكثر”.

ولهذه الأسباب جميعها، لا تمثّل سياستنا التربويّة الجامعيّة، وتحديدا رؤيتها لمنزلة الإنسانيات، إلاّ قفا للتوجّه المعولم للتربية السّاعي إلى إحكام القبضة على العقول لتدجينها. فالمدرسة هي اليوم أفضل مدخل لتمتين الصلة بين أشكال الهيمنة الماديّة واستراتيجيات السيطرة الرمزيّة على الصعيدين القطريّ والدوليّ. ولنا أن نورد ما ذكره الرجل الثاني في وزارة التجارة الأمريكيّة سنة 2002 إذ صرّح بما يلي: “تقع تجارة التربية في قلب السياسة التجاريّة والسياسة الخارجيّة لأنّها تنمّي الميزان التجاري الأمريكيّ وتساهم في السلم العالميّ من خلال تعزيز القيم الأمريكيّة في الخارج”. ولا سبيل إلى هذه الهيمنة إلاّ كما بان بخلق تعليم بإيقاعين أو بسرعتين مختلفتين : فمن جهة تكوين مهنيّ غالب وتعليم جامعيّ أساسيّ عمومي ّ مفقّر، يوازيه تعليم بيد الخواص يسدي خدمة رفيعة للخاصّة من الناس ويحرم الجامعة من كونها مثّلت ذات يوم وسيلة للترقية الاجتماعيّة لعموم الشّعب. ومن جهة ثانية وعلى المستوى الدولي تبدو الخارطة الجامعيّة أكثر تعبيرا عن هاتين السرعتين، إذ ثمّة تقسيم مفروض للأدوار: شمال باحث معنيّ لأسباب تاريخيّة وموضوعيّة بالمعرفة الأساسيّة إنتاجا وتصديرا، وجنوب منفّذ لبرامج إنتاج اليد العاملة الصغيرة ومصدّر لها ولبقايا أدمغته.

والحاصل أنّ في تهميش الإنسانيات في الغرب وعندنا في الشرق تهميشا للسؤال والمعرفة النقديّة، من خلال اغتيال الدور التاريخي ّ الذي قامت من أجله الجامعة، ويتمثّل في مراكمة فوائد المعرفة الإنسانية، وتوظيف منافعها للتنمية البشريّة، وتحديث المجتمعات لقطع الطريق أمام أشكال الوعي الوثوقيّ والمشاريع الدغمائيّة والثقافة السلفيّة بتنويعاتها اليمينيّة واليساريّة. وإنّ في هذا التهميش- بل الإقصاء المحسوب والمبرمج- إفراغا للعقول وتدجينا للضمائر؛ بما يجعل هذه الأجيال رهينة لثقافة استهلاكيّة خالصة. وما نشهده من تدنّ للمستوى التعليميّ والثقافيّ عامّة، وانحسار لفضاءات الحوار الحقّ وهجمة لموجات الإقصاء والانكفاء على الذّات، يجد بعض مبرّراته في سياسات تربويّة مرتجلة في إصلاحها وإصلاح إصلاحها، وفي برامج أعدّها متدخّلون من غير أهل المهنة في الغالب أو خبراء مأجورون رأوا أنّ الوظيفة الأساسيّة للجامعة هي محو الأميّة …..عفوا السّير بمجتمعاتنا حثيثا نحو الأميّة.

{{الهوامش:}}

(1) عبد الواحد المكني : ” تهميش الإنسانيات في المنظومة التعليميّة العربيّة: من واجهات التدمير الذاتي ” الأوان. الثلاثاء 30جوان –حزيران 2009

(2) François Gros: science, techniques et mondialisation (in) Quelle mondialisation? ; ed : Bernard Grasset ;Paris 2002 ;pp 185-189.استفدنا في هذا المجال من:

(3) Véronique Brouillette, Nicole Fortin: La mondialisation néolibérale et l enseignement superieur.janvier 2004 ,p :49.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق