تهميش الإنسانيات في المنظومة التعليمية العربية

“إصلاح التعليم”، “النهوض بالواقع التعليمي”: شعارات وبرامج ننام ونصحو عليها، تتعاقب علينا أكثر من تعاقب الليل والنهار.
يعلن الحاثّون على هذه البرامج في البلاد العربية أنّ المسعى هو اللحاق بالركب، والمقصد هو التطوّر، والغاية هي التجديد والمواكبة وربط التكوين بالتشغيل، والتأقلم مع المتغيرات العالمية…وهي مقاصد نبيلة دون شكّ.
غير أنّ المتمعّن في أغلب مشاريع “الاصلاح” و”التجديد” التعليميّ والبيداغوجيّ يقف عند حقائق مريرة وخطيرة في آن:
نغمة “العلوم النافعة والمردودية العاجلة”:
تتّفق أغلب برامج “الإصلاح” على ضرورة إيلاء الاهتمام للعلوم “النافعة” أي المرتبطة بالعلوم الصحيحة والمخبرية، والتي لها مردودية اقتصادية عاجلة، وذات تمهينية عالية، ويستفيد المجتمع من أرباحها، وهو أمر معقول في بلدان ما زالت في مراحل الدبيب الاقتصاديّ، ولم تخصص في تاريخها القريب مكانة للعلم والمخبر والمصتع…لكن ما هي الحصيلة؟
مخابر مغلقة، أدمغة مهاجرة، بطالة متزايدة، تكالب على التعليم بالخارج، عجز اقتصاديّ، استيراد غبيّ ونهم للتكنولوجيات الجاهزة، تنامي العقلية الاستهلاكية، استفحال التواكل…

ومع ذلك سنظلّ من الحالمين بالإقلاع والنهوض، ننتظر بكلّ لهفة براءات الاختراع العلمية والتكنولوجية العربية التي قد تأتي…وإن أتت- وهذا صعب في المستقبل القريب- فهي لا يمكن إلاّ أن تصدر عن عقل سليم وانسان سليم لا يصنّف في قطيع الرعية، ويعيش المواطنة الكاملة ويستشعرها كلّ لحظة، فيغنّي نشيد بلاده مقتنعا متحمّسا لا مرغما خائفا… فلنحلم، والحلم لن يقدر أحد على منعه مناّ ولا منعنا منه.

{{معزوفة “عقم الإنسانيات”:}}

تروّج أغلب مشاريع “الإصلاح التعليميّ” في البلاد العربية إلى ضرورة التقليص (في انتظار الإجها) من كلّ ما له علاقة بالعلوم الانسانية والاجتماعية والأدبية:
“فنحن أمّةُ شعرٍ وكلامٍ ولغوُ الأدب لم ينفعنا في الماضي ولا الحاضر ولا حاجة لنا لمعرفة آداب وفنون الأمم القريبة والبعيدة، ففي ذلك مضيعة للوقت، والفلسفة رجس من عمل الشيطان تدخل العقول فتستفزّها للتفكير وطلب الحكمة، ونحن نريد جلب الحكمة والفكرة في علب جاهزة نقتنيها من المساحات التجارية الكبرى.
وما الحاجة للتاريخ؟ فهو اجترارٌ لأساطير الأوّلين ونبشٌ في قبور الموتى والغابرين، وعوض أن ندرس “كان”، من الأحسن أن ندرس “أصبحنا”، فلا انتروبولجيا نفعت، ولا اتنولوجيا أفلحت، ونحن أمّة تسعى إلى الفلاح.

و دعك من بدع ابن خلدون وعمرانه البشري، “فعلم الاجتماع ” مجرّد قوالب فضفاضة تسبح في الزمن المجرّد وتعرقل مسعى الاكتفاء الذاتي وقد تلهينا عن مشاريعنا الاستراتيجية.

أمّا “الجغرافيا” فلا نفع منها يرجى، وسواء تلوّث البحر الميت أو نضبت مياه دجلة أو تحوّل سيل الفرات، فالأمر واحد والخرائط متشابهة وبامكاننا أن نجدّد ألوانها متى شئنا.

أمّا المهتمّون بعلم النفس فهم من فئة المنجمّين الجدد، صدقهم كذب وقولهم زورٌ، علاوة على أنّ شباب أمّتنا لا يشعر بأيّ قلق نفسيّ أو ميتافيزيقيّ، فنحن في عهد الأزرار التي تغمرنا بدفق السعادة والأريحية”.

عندما نجفّف كلّ هذه المنابع ونستأصل دابرها، ستستوى منظومتنا التعليمية ويقع تطهيرها من كلّ مصطلح ينتهي بال “يّة”، وعندها يتحقّق الازدهار الشامل بعقول “فارغة ” أقصد “نظيفة”، وتنتج مدارسنا ومعاهدنا وجامعتنا انسان الغد: انسان بلا رأس ولا انسانيات”.

قد يتعلّل البعض بمسعى الاقتداء بالدول المتطورة وخاصة فرنسا التي كانت مهدا للانسانيات وانبنى نظامها التعليمي عليه وتعيش الآن حالة تأمّل، بل وظهر في منظومتها التعليمية مسعى تهميش الاجتماعيات والانسانيات غير أنّ هذا التوجه خلّف ردة فعل عنيفة وحركة إضرابية واحتجاجية شاملة في المعاهد والكليات، كما خلّف حالة من الاستنفار والتصدّي عند المثقفين والساسة وخلايا المجتمع الحيّة. فقد رفض أغلب الفرنسيين هذا الحنين إلى العهد البونابرتي عندما قرّر نابليون حذف الفلسفة والتاريخ.

وهب أنّ فرنسا سارت في هذا المسار، فهل نمتلك نحن تجربة أربعة عقود من ترسيخ الانسانيات والأناسة كعماد للمنظومة التعليمية حتى نسعى للتقليد المبيد.

لا أعتقد أنّ البلدان الناهضة والتي هيّأ لحداثتها الفلاسفة والأدباء والمؤرّخون وعلماء الاجتماع “أصلحت” تعليمها وفقا لهذه الوصفة السحرية عندما كانت في مرحلة السعي للنمو و التطور، قد تنصحنا بعض الأقطار التي لا تملك “تاريخا” تليدا بإلغاء التاريخ والتأريخ هذا أمر معقول. وقد تنصحنا بعض الدول التي تملك مجتمعا هجينا أوجغرافية متحولة أو نفسية منكسرة بنسيان ابن خلدون والادريسي والرازي …هذه أمور ممكنة وجائزة.
أمّا أن نأخذ بتلك الوصفات والنصائح فهذا هو الإسقاط المغلوط، والتدمير الذاتي لمشروع الانسان العربي، وهو أمر داخليّ موضوعيّ لا دخل للآخر فيه، ولا يمكن تحميل مسؤوليته للغول أو المغول ولا للاستعمار أو للامبريالية، بل هو من صنع “عقولنا” الشقيّة.

تتحرّك أحداث التاريخ الفارقة ومنعطفاته الهامّة وفق عوامل ومسبّبات عديدة، منها ما هو موضوعيّ وخارجيّ، ومنها ماهو ذاتيّ وداخليّ. ودأبت تحاليلنا المتشنّجة على تحميل وزر كلّ مصيبة ونائبة إلى العوامل الخارجية وإلى الآخر، وهو أمر مفهوم وواقعيّ فقد كان الغزو في شكله القديم والاستعمار في ألوانه الحديثة والمتجددة من الأسباب الرئيسية التي أدّت إلى تأبيد التخلف وتعميق العطل العربي فاستعصى بذلك نيل مجتمعاتنا للحداثة وطال ليلها وسباتها.
المحيّر أنّ تحاليلنا- التي هي انعكاس لنظيمة تفكيرنا- تتغاضى عن دور العوامل الداخلية، أو ما أصرّ على تسميته بواجهة “التدمير الذاتي”، وهي عبارة عن كتلة تاريخية سلبية، متغوّلة ومعرقلة تجدّد مياهها من بركة البنية البطريركية للمجتمع العربي.

ومع ذلك فلا زالت نظيمتنا الفكرية الجمعية ميّالة إلى الإلقاء بمسؤولية الكوارث على الآخر والخارج والاستعمار والامبريالية والصهيونية وقوى الشرّ والصليبية الجديدة …والعبارات المشابهة لا يسعها قاموس واحد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق