تونس : الانتفاضة والديمقراطية

يستدعي مفهوم الديمقراطية الذي ارتبطت به بعض مطالب الانتفاضة التونسية النظر و بالتالي الإحاطة به ضمن واقع مخصوص هو الواقع التونسي على وجه التحديد ، و إن كان ذلك الواقع لا يختلف كثيرا عن نظيره العربي ، الذي سرعان ما دوى في أرجائه ذلك الشعار الذي هتفت به حناجر التونسيين : الشعب يريد إسقاط النظام .

 وعندما يتعلق الأمر بواقع موسوم بالهيمنة الامبريالية فإن عقدة الكفاح من أجل الحرية تظل المسألة الوطنية الديمقراطية ، التي نبتغي هنا الوقوف على جانب منها ، و نعني الجانب الديمقراطي ، الذي يستثير حاليا اهتماما و نقاشا على المستوين الفكري و السياسي ، فضلا عن الاستعدادات الجارية على المستوى العملي لمحطة مهمة تندرج ضمنه و نعني انتخابات المجلس التأسيسي .

 تتطلب أي ثورة القضاء على الطبقات القديمة ، لا سياسيا و حقوقيا فقط و إنما اقتصاديا أيضا ، فهذا ما يمثل شرطها الأساسي ، أي السيطرة على أملاك تلك الطبقات وتأميمها لصالح الشعب ، و بذلك تكتسب الديمقراطية طابعها السياسي و الاجتماعي ، فالثورة تأتي كإعصار و لا تترك للخصم فرصة لالتقاط الأنفاس ، فهي تأخذه على حين غرة و تفرض عليه الاستسلام لسلطانها ، هنا يلد الجديد من رحم القديم ، فالثورة كما يقول كارل ماركس قابلة التاريخ و قاطرته ، التي تلج به عوالم غير مكتشفة ، و منها عالم الديمقراطية ، فعندما تضعف هيبة الدولة القمعية يرتفع صوت الشعب لكي يطالب بالسلطة كاملة .

و في تونس لا تزال الطبقات القديمة على حالها ، و إن فقدت بعض امتيازاتها السياسية و القانونية ، و هي تستجمع قواها أكثر فأكثر ، و تهدد بإغراق الشعب في حمام دم ، و بالإمكان القول إن الصراع بين الشعب و أعدائه لم ينته ، و ربما لم تكتب بعد فصوله الأشد خطورة .

لقد حدثت تطورات كثيرة في مشهد الصراع الطبقي في تونس منذ 17 ديسمبر و حتى الآن غير أن هناك وجهة نظر كسولة تقول أنه لا جديد تحت الشمس ، مكتفية بمراقبة ما يجري طالما أن الديمقراطية الحالية زائفة و مخادعة ، متناسية أن هناك انتفاضة عارمة أجبرت رئيسا على الهرب ، و أدت إلى حل البرلمان و مجلس المستشارين و إلغاء الدستور و حل التجمع ، و فرضت بالتالي على الرجعية تقديم تنازلات .
و بغض النظر عن مقدار المناورة و الخداع المتخفي في تلك التنازلات فإن وجهة النظر تلك لا تدرك الفرق بين ما كان سائدا زمن بن على و ما يسود الآن ، فالاكتفاء بالقول إن النظام لا يزال على حاله لا يحل المشكلة ، فهو يضع نصب العين ما هو نوعي متغافلا عن الاختلافات الكمية التي بغيابها لا يمكن لما هو نوعي رؤية النور أبدا ، وبالتالي فإنه عندما يتعلق الحال بمسار ثوري فإن جبهة الشعب مطالبة باستغلال الارتباك في صفوف أعدائها ، و تحويل كل تنازل يقدمون عليه إلى مكسب ، و بمراكمة المكاسب الواحد تلوى الآخر يمكن الوصول إلى تلك اللحظة الفارقة ، أي اللحظة التي تتحول فيها الانتفاضة إلى ثورة عارمة .

و في بلد مثل تونس فإن العقدة الرئيسية ضمن المسألة الديمقراطية تتمثل في الإصلاح الزراعي ، و يتوقف مصير جموع غفيرة من الفلاحين الفقراء و المتوسطين على حل هذه العقدة ، و قد كان لهؤلاء و لا يزال دور مهم يؤدونه في الانتفاضة ، و قد رفعوا منذ الأيام الأولى شعار : ” الأراضي تباعت و الأهالي جاعت ” ، في إشارة إلى وضعهم البائس ، فأراضيهم سيطر عليها كبار الملاكين العقاريين الذين استغلوا وضع الفاقة و الخصاصة التي هم عليها لشرائها بأثمان بخسة ، و البنوك أغرقتهم في فوائد الديون . و اليوم فإن قلة من الأثرياء تبسط هيمنتها على الريف ، بينما تـــغرق جموع الفلاحين في الفقر .

ولا نود هنا الاستفاضة في شرح الحال الذي عليه هؤلاء ، و إنما نبتغي التنبيه إلى أن حصر الديمقراطية في الإصلاحات الحقوقية و السياسية ، و التنكر لمطلب الإصلاح الزراعي ، قد ألحق الضرر بالانتفاضة ، و قد تم ذلك أساسا على يد ساسة و محامين و قضاة و مسؤولين نقابيين كبار في المدن ، و خاصة العاصمة ، و وجد طريقه إلى الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة و الإصلاح السياسي و الانتقال الديمقراطي ، التي شكلتها السلطة لكي تكون بديلا عن البرلمان المنحل ، فغاب المطلب الديمقراطي الأساسي و حضرت محله مطالب ثانوية مثل إقالة وزير ، و طرد مدير عام ، و محاسبة رموز قضائية فاسدة ، و تمكين هذا الحزب و تلك الجمعية من جريدة أو إذاعة ، فهذه المطالب على أهميتها كانت بمثابة الشجرة التي غطت غابة استغلال الفلاحين في الريف ، الذين لا يزالون يمثلون نسبة كبيرة من تعداد السكان ، و يتوقف على مشاركتهم في الكفاح مصير الانتفاضة .

و بسبب ما عليه هؤلاء الفلاحين من ضعف على مستوى التنظيم النقابي و السياسي ، فإنهم برغم تحسسهم في بداية الانتفاضة لأهمية مطلب الأرض ، فقد وقعوا بعد ذلك فريسة الشعارات السياسوية المرفوعة في المدن الكبرى من قبل القوى المشار إليها ، مما حد من وهج الانتفاضة ، خاصة عندما انتهجت تلك القوى أسلوب المساومة مع السلطة المؤقتة حول قضايا مبدئية ، بغرض المحاصصة السياسية ، و طلبا لمواقع في الهيئات و المؤسسات المشكلة غداة فرار بن علي .

و اليوم فإنه إذا كان هناك من تصحيح لهذا التوجه فهو إعادة الاعتبار لمطلب الإصلاح الزراعي و لواحقه ، ليس فقط من قبل الريف و إنما المدينة أيضا ، و يطرح هذا الأمر على المنتفضين في الريف عاجلا إعادة الاعتبار لمطالبهم الديمقراطية الخاصة ، دون التضحية بالمطالب الديمقراطية العامة التي تهم مختلف الطبقات الثورية ، فالديمقراطية تقتضي دون ريب أيضا توفر الحريات الأساسية ، مثل حق التعبير و التظاهر و الاجتماع و التنظيم وحرية المعتقد ، و مسؤولية الدولة الديمقراطية الجديدة حماية هذه الحقوق و ضمان ممارستها و توفير التعليم والمعرفة و الصحة للشعب ، و احترام المثقفين و تشجيعهم على الإبداع و تسهيل نشر الكتب الصحف و المجلات و المواقع الالكترونية و تيسير توزيعها .

 لقد كان لافتا في الأيام الأولى التي تلت هروب بن على أن اعتصام القصبة الأول انطلق بمسيرة في الريف ، عندما خرج شبان من أبناء الفلاحين الفقراء من جهة منزل بوزيان التي سقط فيها أول شهداء الانتفاضة ، و قصدوا تونس العاصمة ، فانضمت إليهم على امتداد الطريق الذي يبلغ طوله حوالي أربعمائة كلم المزيد من الجماهير ، قبل توافد الحشود من جهات أخرى ، غير أن مطالبهم التي تركزت حول الشغل و الأرض سريعا ما ضاعت في غمرة فعاليات الاعتصام . و قد تلقت تلك المطالب الطعنات عندما عملت قوى الماضي إلى شد الشعب إلى مطالب أخرى غريبة عنه ، مثل مطلب الهوية و صيد المُفطرين و السكارى و الملحدين ، و تقسيم المجتمع إلى إسلاميين و علمانيين و أغراب و سكان أصليين ، بهدف تحويل التناقض الرئيسي من تناقض بين الشعب و أعدائه إلى تناقض في صلب الشعب نفسه ، و هو ما كان سببا في حرب جهوية و عشائرية متنقلة عرفتها العديد من الجهات في شرق البلاد و غربها و شمالها و جنوبها ، بما يهدد اليوم بتعميمها على مختلف المناطق .

و برغم ذلك فإن مطلب الأرض سيظل على جدول أعمال الثورة في تونس، و على هذا الصعيد يمكن تضمين لائحة المطالب الديمقراطية منع بيع الأراضي الدولية للملاكين العقاريين المحليين و الأجانب ، و المطالبة بتوزيعها على الفلاحين ، و قد حقق النضال على هذا المستوى بعض التقدم في جهة سيدي بوزيد على سبيل الذكر ، كما ينبغي المطالبة بتخفيض معاليم كراء الأرض المملوكة من طرف الدولة لصالح الشعب ، و تشجيع أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل على بعث مشاريع زراعية في الريف ، و تخفيض فوائد القروض المسندة للفلاحين الصغار و المتوسطين ، و المطالبة بإقامة السدود ، ففي جهة المكناسي من ولاية سيدي بوزيد مثلا هناك واد اسمه ” واد اللبن ” به مياه عذبة لا يتوقف سيلانها على امتداد العام ، و عندما تأتي الأمطار في الخريف و الشتاء تتجمع به مياه غزيرة ، و لكنها تضيع و تشق طريقها إلى البحر الذي يبعد عنها مائة و عشرين كلم .وبينما كان المستعمرون الفرنسيون يستغلون تلك المياه للزراعة و الشرب و غسيل الفسفاط فإن دولة ” الاستقلال ” تركتها لمصيرها لكي تبتلعها الرمال . و قد تنبه المنتفضون في البداية إلى أهمية المطالبة بإقامة سد على هذا الواد ، بما يمكن أن يُوفر رخاء للفلاحين الفقراء في المكناسي و الجهات المجاورة مثل الرقاب و منزل بوزيان و المزونة ، غير أنهم الآن تناسوا هذا المطلب جراء التخريب الذي تعرضت له الانتفاضة ، و هو ما نبهنا إليه قبل حين ، و لا ريب أن هذا الحال ليس أمرا تتفرد به هذه الجهة ، و إنما تشترك فيه أغلب جهات البلاد .

 ان بسط السيطرة على الأرض و فرض توزيعها على الفلاحين الفقراء يظل تدبيرا ممكنا عمليا ، كلما كانت موازين القوى في هذه الجهة أو تلك لصالح الشعب ، تماما مثلما هو الحال بالنسبة إلى المسألة الوطنية ، عندما يتم العمل مثلا على منع تركيز قاعدة عسكرية هنا أو هناك ، أو رفض إفراغ باخرة أجنبية لشحنة مشبوهة من الأسلحة ، أو مقاومة التطبيع مع الصهيونية الخ ،، و نعني هنا أن الكفاح من أجل الديمقراطية لا يجب النظر إليه كمهمة معطلة حتى انجاز المسألة الوطنية ، إذ هناك تداخل بين المهمتين .

 نأتي الآن إلى جانب آخر من جوانب المسألة الديمقراطية و هو ذاك المتعلق بانتخابات المجلس التأسيسي ، يهمنا في البداية القول أنه عندما يتعلق الحال بمسار ثوري لانتفاضة شعبية متواصلة فإن المشاركة في انتخابات ذلك المجلس و غيره من الهيئات و المؤسسات أو مقاطعتها تتصل بالتكتيك الثوري ، فمن الممكن وفق ظروف محددة اعتماد تاكتيك المقاطعة ، كما يمكن في ظروف مختلفة أخري إتباع تاكتيك المشاركة .

 والملاحظ استعداد السلطة لتنظيم انتخابات تزعم أنها ستكون ديمقراطية و نزيهة و شفافة و خاضعة للمعايير الدولية ، و لكن واقع الحال يشير إلى أن الأمر لا يعدو أن يكون محاولة لترميم بنيان متهالك ، طالما ظل الشعار الأساسي الذي رفعه المنتفضون دون تجسيد واقعي )الشعب يريد إسقاط النظام ( ، و من المُعيب انتظار العسل من الدبابير ، فالرجعية تدفع باتجاه ديمقراطية خاوية ، يطغى عليها الشكل دون المضمون ، فما يجري الترويج له على قدم و ساق هو ديمقراطية شكلية ، يغلب علها الطابع الحقوقي يتباري فيها المتنافسون على أحقية حكم الشعب تحت يافطات تمويهية في معظمها . و يعد الترويج لهذا الطراز من الديمقراطية انزياحا عن مطالب المنتفضين ، الذين يهمهم في المقام الأول تحقيق المطالب التي رفعوها و في مقدمتها تلك المطالب السياسية و الاجتماعية الأساسية .

ان العوائق الكبرى التي وقفت في طريق الانتفاضة ، و حالت دون تحولها إلى ثورة قد أدت من جديد إلى نفور من السياسة لدى قطاعات واسعة من الجماهير، و بالتالي إلى تفاقم خطر غربة المضطهدين عن السياسة ، التي يراد لها أن تكون شأنا خاصا لسياسويين فاسدين لا هم لهم غير المضاربة في بورصة السياسة ، تحقيقا لمصالحهم الفئوية ، و هناك مؤشر هام يدل على ذلك ، و هو مقاطعة التسجيل في الانتخابات من طرف 73٪ من المواطنين المؤهلين للاقتراع عند انتهاء الأجل العادي للتسجيل الإرادي في قائمات الناخبين يوم 2 أوت 2011 ، بعد إغراق الساحة السياسية بما يزيد عن مائة حزب ، و هي أحزاب مستنسخة في معظمها عن التجمع الدستوري و حزب النهضة .

لقد تم رصد أموال طائلة لعملية التسجيل في الانتخابات التي ربما لم يكن لها موجب ، طالما أن الاقتراع حق لكل مواطن بلغ ثمانية عشرا عاما من عمره ، و لا يوجد مانع قانوني يحول دون مشاركته فيه . و جرى إلى حد الآن تمكين الهيئة العليا المستقلة للانتخابات من 10 مليون دينار ، و بحسب رئيسها فأن الحاجة ماسة لأربعين مليون دينار أخرى لاستكمال المهمة ، متعللا بأن ” الديمقراطية المجانية لا وجود لها ” و هو ما يعني أن كل ناخب سيكلف بين 4 د و 40 دينارا ، أي ما يقارب واحدا في المائة من ميزانية الدولة .

 توشك تونس حاليا أن تنتقل من لصوصية المعجزة الاقتصادية الكاذبة ، إلى لصوصية المعجزة الديمقراطية الزائفة ، من سطوة حراس المعجزة الأولى إلى سطوة حراس المعجزة الثانية ، من سطوة حراس ” التحول ” الذين زعموا أنه حقق أعلى نسب للنمو الاقتصادي في تاريخ البلاد ، إلى سطوة حراس ” الثورة المباركة ” ، و هم هذه المرة حراس بألف لون و لون ، لا يقلون مكرا و خداعا عن بن علي ، و قد أقسموا منذ الآن بأغلظ الإيمان أنهم آتون بما لم تأت به الأوائل ، و هم يُطعمون الشعب وعودا ديمقراطية بينما هو يتضور جوعا .

 و فضلا عن هذا لا يمكن النظر إلى المسألة الديمقراطية بعيدا عن التدخل الامبريالي ، فتونس التي كانت تعج بمؤتمرات التأهيل الاقتصادي أصبحت الآن وجهة محببة لمؤسسات التأهيل الديمقراطي ، التي لا تتوانى عن ضخ أموالها و أفكارها لتصنيع ديمقراطيين محليين ، و قد أشارت وزيرة خارجية الولايات المتحدة في تصريح نشر يوم 16 أوت 2011 بصراحة إلى ذلك ، قائلة ” أمامنا فرصة في الوقت الراهن في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، لكنني غير واثقة من أننا سنتمكن من انتهازها ، لأننا لا نملك الموارد لاستثمارها “) تصريح نقلته وكالة رويترز للأنباء يوم 16 أوت 2011 ( ، مستحثة دوائر القرار الأمريكية لتخصص المزيد من الاعتمادات المالية و غيرها لهذا الغرض .

و من الواضح أن الامبريالية التي دخلت مبكرا على خط الانتفاضات العربية ، و من بينها الانتفاضة التونسية ، تحاول تجريب نفس الوصفة التي جربت سابقا في بلدان أوربا الشرقية ، التي خرجت من ديكتاتورية برجوازية الدولة البيرقراطية لكي تجد نفسها تحت وطأة ديكتاتوريات البرجوازيات الكمبرادورية المرتبطة بالمراكز الامبريالية الغربية ، حيث تفاقم النهب و تفشت البطالة ، و أصبحت تلك البلدان قواعد عسكرية لحلف الناتو ، و أسواقا للاتحاد الأوربي و الولايات المتحدة .

ان ما تهتم به الامبريالية و تضعه كمهمة عاجلة في علاقة بالانتفاضات العربية ليس توفير الديمقراطية لأمة عانت من أنظمة الاستبداد طيلة قرون ، و إنما توفير مجال مناسب يحقق لها مصالحها ، أي مجال تتمكن فيه العولمة الامبريالية من نهب الثروات دون رادع و ترويج البضائع دون مانع ، و لا يجب نسيان أن أنظمة الاستبداد التي تواجه الآن الانتفاضات الشعبية كانت مدعومة و بقوة من طرف الامبريالية ، التي لا تزال تدعم أنظمة استبدادية متخلفة في الخليج ، و توظفها في عملية نشر الديمقراطية المزعومة في بقية الأقطار ، مستفيدة من أموالها الطائلة .

و يتذكر كثيرون كيف اقترحت وزيرة الداخلية الفرنسية السابقة وضع خبرات البوليس الفرنسي تحت تصرف بن على عندما احتدمت المواجهة ، و بالتالي فإن الامبريالية التي كانت الداعم الأساسي للمستبدين من الحكام العرب ، و لفاشيين مشهورين على مستوى العالم مثل بينوشيى في الشيلي و فرانكو في اسبانيا و الشاه في إيران و العسكر في اليونان و تركيا الخ …لا يجب تصديقها عند حديثها عن الديمقراطية ، و إذا كانت هناك منظمات و مؤسسات حقوقية و نقابية تنتسب إلى المجتمع المدني ، و تتمول من طرف الامبريالية ، إما مباشرة أو عبر وسطاء ، فإنها مدعوة للقطع فورا مع هذا الصنيع ، إذا كانت فعلا معنية بانتصار الشعب .

و من هنا يمكننا أن نخلص إلى أن الإستراتيجية الهجومية للامبريالية تعتمد الآن على مفهوم الديمقراطية كأداة في حربها الإيديولوجية ، و هو الأداة نفسها التي وظفت ضد المعسكر الشرقي إبان الحرب الباردة ، مما أدى إلى كارثة أين منها ما كن سائدا أيام الاستقطاب الثنائي بين الامبرياليتين الأمريكية و ” السوفياتية “، مما جعل قطاعات واسعة من الناس في البلدان الكتلة الشرقية السابقة تتحسر على ما فات ،
فالامبريالية لا يهمها أن يحكم المضطهدون بالاستبداد أو بالديمقراطية الشكلية ، بقدر ما يهمها الربح ، فعينها الآن على الثروات ، و خاصة البترول و هي الغارقة في أزمة مالية و اجتماعية متصاعدة .

لم تتحدث لا أمريكا و لا فرنسا عن معضلة الديمقراطية في تونس قبل الانتفاضة ، و كان شيراك قد صرح سابقا أن البلدان العربية و الإفريقية غير مهيأة للديمقراطية ، أما ساركوزي فقد زار تونس مرارا ، دون أن ينبس ببنت شفة عن الديمقراطية ، و هو ما أثار في حينه موجة احتجاج ضده من قبل بعض الصحف الفرنسية .

لقد صور الإعلام البرجوازي حلم الانتفاضات العربية بأنه يتمثل في بناء نمط مجتمعي على الطراز الأوربي و الأمريكي ، غير أن ذلك الطراز لا يوفر للكادحين الخبز و الشغل بل إنه هو نفسه واقع تحت ضغط المضطهدين ، مثلما بينته الحالة الانكليزية ، التي وصف فيها رئيس الوزراء المتظاهرين باللصوص ، و استدعى الآلاف من قوات البوليس لقمعهم و لجأ إلى تعطيل المواقع الاجتماعية على الانترنت ، و بإمكان المرء ان يتساءل عن طبيعة تلك الديمقراطية التي يعيش في كنفها جيش من المُعطلين عن العمل في أوربا أو أمريكا اليوم . 
 
 لقد حقق المنتفضون في تونس الانتصار الكبير الأول بهروب بن على ، ثم تتالت الانتصارات الجزئية ، و في كل مرة كان الخصم يتراجع بعد أن يُدمى الشعب وجهه بالكدمات ، فمن معركة حل التجمع إلى معركة حل البوليس السياسي إلى معركة فرض الاستقالة على حكومة الغنوشي ، كانت النقاط تتجمع لصالح الشعب ، و ترى السلطة الآن أن هامش التراجع قد انتهى ، لذلك تتحدث عن ظهر الحمار الذي لم يعد فيه مكان للتزحزح إلى الوراء ، فإما البقاء و التشبث بالمربع الأخير و إما السقوط المدوي . وسيتطلب الأمر كرا و فرا بين الانتفاضة و أعدائها ، قبل اتضاح صورة الوضع واستقرار اللوحة في ملامحها النهائية خلال المرحلة القادمة .

و الأمر الجدير بالملاحظة أن الجماهير لا تزال على تصميمها على النضال وتقديم المزيد من التضحيات ، رغم التخريب الممنهج لوعيها خلال أشهر لزرع اليأس بين صفوفها . لقد عشت وقائع يوم 15 أوت 2011 في تونس العاصمة ، حيث تجمعت أعداد هائلة من الناس برغم الاستنفار الأمني الكبير، و واجهت الجماهير التي كان من بينها الشباب و الشيوخ و الأطفال و النساء و الرجال ، الذين جاء بعضهم من جهات بعيدة ، البوليس بشجاعة ، و استرعى انتباهي ذلك التضامن بين المتظاهرين فكلما أمسك أعوان البوليس بأحدهم إلا و تنادى له آخرون لتحريره من قبضتهم .

 

كان شارع بورقيبة و الأنهج المتفرعة عنه أشبه بميدان قتال ، تصاعد فيه دخان الغازات المسيلة للدموع ، و استعمل فيه البوليس الهراوات ، و رد المتظاهرون بالحجارة ، و كان الالتحام أحيانا مباشرا ، وجها لوجه و رأسا لرأس ، و قد رأيت مخرجة سينمائية شابة تواجه عناصر البوليس بالشتائم في احتجاج على ما اقترفوه من عنف ، و طفلا صغيرا يطلق صفيرا مناديا من حوله : هيا اتبعوني ! و كان المتظاهرون يساعدون بعضهم البعض للحد من تأثير قنابل الغاز، دون التوقف عن تبادل الأخبار العاجلة فيما بينهم متحدثين عن شهيد سقط في ساحة برشلونة ، وعن جموع قادمة من حي التضامن الشعبي و أخري من الكرم و حلق الوادي ، و هما حيّان مرفهان نسبيا في الضاحية الشمالية لتونس العاصمة ، يقعان على مقربة من القصر الرئاسي بقرطاج ، و قد سقط فيهما عدد من الشهداء قبل فرار بن على .

و ما ذكرته غير مستغرب في يوم غضب مثل هذا ، و لكن ما يثير الذهول في ذلك المشهد هو تلك النقاشات التي دارت في بعض الأزقة بين المتظاهرين و عناصر الشرطة ، لإقناعهم بأن ثمار الانتفاضة يمكن أن تكون لفائدتهم أيضا ، و تحدث البعض عن الزيادات في الأجور التي تمتع بها هؤلاء الأعوان ، و النقابة التي شكلوها حديثا، وهو ما لم يكن ليحلمون به زمن بن على . وقد أدركت أن ما بدأه قبل أشهر أولاد الحفيانة / أبناء حافية القدمين في سيدي بوزيد ، قد غدا حالة عامة انخرط فيها أوسع الناس ، و أن مهمة السيطرة على هذه الحالة بالوعود الديمقراطية أصبحت أمرا صعبا .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This