تونس: “الفاطرون” في رمضان هل ينقرضون؟

شهر رمضان في سبيله للرحيل، مثل عادته في كل سنة، مبقيا بين المسلمين وعدا بالعودة، لا يتخلّف عنه، في ميقاته المعلوم من السنة القادمة والسنين التي تليها، في دوام لا يعرف وهنا ولا زوالا، بما يجعل المؤمنين به يقيسون أعمارهم الفانية بحلوله ورحيله المتناوبين المستمرّين. يظل رمضان يسافر في الزمان أبدا ويتلوّن بألوانه، وهو في ذلك يطوي الأجيال والأعمار دون أدنى اكتراث بالمنتظرين له والمُزْوَرِّين عنه، بالمؤمنين به وبالكافرين، يُفني الجميع ولا يَفنى، وله عود ابدي صميم يعمّق فيه كل مرّة سؤال البقاء والفناء الجارح للوجود البشري.

لكن هل أبدية رمضان المفترضة واختراقه للزمان وانتشاره في المكان، تعني أن رمضان لا تتغيّر شعيرته ولا تتبدّل ملامحه ولا يختلف حلوله من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان… هل رمضان بداية الإسلام، ورمضان وسط الإسلام، ورمضان راهن الإسلام، هو رمضان نفسه لم يطرأ عليه شيء من التبدّل والتغيير؟ هل هو جوهر محض لا يبلى ولا تفعل فيه الأيام فعلها؟ هل رمضان المكان الذي استوطن فيه الإنسان، من سودان وبيضان وسمران وصفران، هو رمضان العبادة نفسها والطقوس؟

تلك أسئلة ممكنة، وغيرها كثير، تظل معلّقة في انتظار من يبحث فيها من المؤرخين وعلماء الاجتماع، لكن إخلاصا لرمضان ولواقع رمضان الراهن، وضيقا بالكتابات الببغائية الكسولة التي يتناسل بعضها من بعض وتدور على الاسطوانة ذاتها من الاجترار والإعادة والتكرار، والتي لا تبتعد قيد أنملة عن الفقهيات والتراثيات ومديح الشهر الكريم والإشادة بفضائله الجمّة على الفرد والمجتمعات وما يرافقه من شحذ للإيمان الديني وامتلاء المساجد بالمصلين والمتعبّدين، ومن تلك الكتابات ما يقوم، على استحياء، بالتعرّض للسلوكيات الحادة العنيفة والمنحرفة للكثير من الصائمين، كل ذلك في تسطيح ساذج للمجتمعات المسلمة وما يتموّج ويتشعّب في دواخلها المعتّمة… شئنا أن نجري هذا التحقيق من أجل التعرّف على نوعية أخرى من “المرمضنين” من غير الصائمين، إذا اعتبرنا أن الصيام، كما هو رائج، امتثال لفرض ديني يتحدّد في معاناة الامتناع عن الأكل والشرب لفترة من النهار محدّدة!

صائمون مفطرون
في مدينة تونس العاصمة نتعرّف على المفطرين أو “الفطّارة”، أي غير الصائمين، في رمضان من رائحة التبغ التي تفوح من ملابسهم أو التي تتسرب من محلات تجمعهم. كأن رمضان هو رائحة قبل كل شيء، رائحة التبغ النتنة للمفطرين أو رائحة الأفواه الكريهة للصائمين، وعن هذه الأخيرة يرد في كتب التراث انه “من فضائل الصوم: أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك”. وخلوف فم الصائم هي الرائحة التي تخرج من الفم، وهي في الواقع من المعدة، لكن تخرج عن طريق الفم في آخر النهار، بسبب خلو المعدة من الطعام، وهي رائحة مكروهة للخلق؛ لكنها محبوبةٌ للخالق، ولذلك قال صلى الله عليه وسلّم في الحديث المتفق عليه: {ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك}”.

كان الأنف دليلنا للتعرّف على المحلات التي تستقبل الفطّارة، ولا غيره من الحواس، لأن المحلات مغلقة الأبواب ملفوفة الواجهات بقطع كبيرة من الورق، أو هي مسدلة الستائر، حجبا لها عن الأعين وحتى “لا تؤذي مشاعر الصائمين” حسب ما يعلمنا رضا وكيل مقهى “النفائس” بشارع رئيسي. كان جوّ المقهى في الساعة الحادية عشرة صباحا لا يطاق. كآبة وضجيج ودخان السجائر يتكاثف حتى يكاد يحجب الرؤية ويصيب بالاختناق. كان المحلّ مزدحما بالواقفين وطاولاته كلها مشغولة ولا يمكن العثور على أي كرسي ما لم يغادر زبون من الزبائن.

بادرنا محمد علي، الواقف على الكونتوار في انتظار دوره لينال قهوته، مستاءً وهو ينفث بعصبية دخان سيجارته: “عندي ربع ساعة، تقريبا، وأنا أنتظر أن تصلني هذه القهوة الكلبة السوداء. أنهيت السيجارة الأولى وها إني أشعل الثانية على الريق ولم يحن دوري بعد… هل تعلم أن الفاطر عندنا هو شخص مهدور الكرامة وهو يتعرض للإذلال وللابتزاز كلما رغب في مشروب أو مأكول، هذا فضلا أن عليه أن يعرّض نفسه لحمّام هواء كلما غادر مثل هذه الأمكنة لتزول رائحة التبغ من ملابسه أو تخفّ، حتّى يتفادى اشمئزاز كل من تصل إليه الرائحة النفّاذة… فضلا عن أن الخدمات هنا هي من أسوأ الأنواع وأردئها، الأثمان مرتفعة والقهوة مغشوشة بالماء وطعم البنّ فيها يكاد لا يبين. والأدهى أن النادل يعاملنا بصفتنا أناسا مارقين وكفّارا ومن حقّه التنكيل بنا وسلبنا ما يمكن سلبه”.

{{باغته بالسؤال: لماذا لا تصوم وتنقذ نفسك من مثل هذه الإهانات والشبهات؟}}

قال محمد علي الذي يدرّس بالجامعة: من أخبرك بأنني غير صائم؟ وأضاف وقد وصلته القهوة وترشف منها بشراهة في حركتين متتاليتين متلذذتين من شفتيه بصوت مسموع: يا أخي أنا صائم! في رمضان أصوم عن الخمر وأصوم عن الأكل وأصوم عن معاشرة زوجتي الصائمة حتى أجنبها الجنب… أما التدخين فأنا على مذهب المفكر المصري جمال البنا، شقيق حسن البنا منظر الإخوان المسلمين، الذي أفتى (جمال) في رمضان الماضي بإباحة التدخين، وفيما يخصّني فقد اجتهدت وأضفت القهوة، فالقهوة ملازمة للتدخين شأنها شأن الشاي لدى المشرقيين، وحرام أن ندخن على الريق، فذلك يضرّ المسلمين ويهلك صحتهم ويستنزف طاقتهم. وعلى المسلم أن يراعي الله في بدنه!

لم ينه محمد علي كلامه وإذا بشخص ينحشر بيننا “خويا سيجارة بربّي”… ردّ محمد علي: “أخذت منّي سيجارة حال دخولي… شوف غيري” قال الشخص حليق الوجه وشعره الطويل منسدل على كتفيه: “أخوك مفلس وبطّال وتلزمني سيجارة أخرى يعيّشك”. قدم له محمد علي سيجارة مؤنّبا: كان الأجدر بك أن تصوم ما دمت مفلسا وبطّالا. التقط الشخص السيجارة المقدمة إليه خطفا وهو يقول بحدّة: يكفيني الصيام عن العمل وعن الأموال… العام بطوله، بشهوره وأيامه، وأنا صائم… صائم عن الحياة كلها وعن كل مباهجها… ألا يكفي مثل هذا الصوم في هذا الزمن التعيس؟
من لائكية فرنسا إلى يمينية أميركا
لم أبق في مقهى “النفائس” سوى دقائق معدودات خرجت على إثرها مختنقا وبي دوار بسبب المناخ الموبوء الذي كنت فيه، وكانت رائحة ثيابي وأطرافي لا تطاق. اعترضني عبد الستار وهو سياسي ينتمي لحزب معترف به. دعاني إلى مشروب في نزل إفريقيا الفاخر. اعتذرت منه وأعلمته بحال المقهى الذي كنت فيه. هوّن عليّ وأعلمني أن الناس مقامات بقطع النظر عن الصائمين منهم والفطّارة، فالفاطر المعوز حاله حال الصائم الذي يعاني العوز، فالاثنان تذلّهما الحياة وتهينهما، أما مع الأموال فكل شيء يشترى حتى أجر الصيام دون صيام، بإعتاق رقبة أو بإطعام ستين مسكينا، فالمال سيّد الأعمال الدنيوية منها أو الدّينية، سواء بسواء، في القديم من الزمان وفي الراهن منه وفي المستقبل أيضا.

أضاف من تلقاء نفسه: إن التديّن متاح أكثر لعموم الشعب وهو أرخص ولا يكلّف الكثير لمن ينخرط فيه، بالمقابل فإن اللاتديّن والحداثة بصورة عامة مكلّفة كثيرا وهي باهظة الثمن، ولا يقدر عليها إلاّ القلّة المحظوظة اجتماعيا، سواء في تعليمها أو في موقعها من الثروة والسلطة.

في الشارع انضمت إلينا حليمة، وهي من النساء الديمقراطيات، انخرطت في الحديث بحماس دون أن نطلب منها ذلك. قالت أن المسألة لا علاقة لها بالفقر ولا بالغنى، فكرامة الفطّارة في رمضان كانت محفوظة وكانت المقاهي والمطاعم والفضاءات العمومية تستقبلهم في العلن ولا تشعرهم بإذلال ولا بإهانة، وذلك إلى حدود رمضان سنة 1992 حين وقع اتخاذ إجراءات ترغم أصحاب المحلات “لترتدي الحجاب”، أي لتحجب واجهاتها وتغلق أبوابها، كشكل من أشكال تعميم طقس الصيام على عموم الشعب والمحافظة على هويته العربية الإسلامية التي ينتهكها المفطرون. أنتما تعلمان أننا في تلك الفترة خضنا نضالات لإلغاء تلك الإجراءات، وحبّرنا عريضة في الأمر شارك في إمضائها الكثير من التقدميين والشخصيات العامة، وحاولنا القيام بمظاهرة تدعو لحرية العقيدة وممارستها في الفضاءات العمومية دون ضغوط وتجاوزات من قبل كائن من كان، ولكن الشرطة منعتنا من ذلك، وذهبت جهودنا سدى..

ثم أضافت حليمة بصوت هامس حادّ “هل تعرفون من تسبّب في تلك الإجراءات التي تضيّق الخناق على غير الصائمين؟ إنها ببساطة أميركا، أميركا المتهمة بمحاربة الإسلام والمسلمين، يا للعجب! ذلك ما أعلمني به مصدر مسؤول تولّى الوزارة أكثر من مرّة”.

كان النظام في تلك المرحلة يخوض معركته الأمنية الحاسمة مع “الخوانجية”، وكانت أميركا تتهم النظام بأنه “متغرّب” و”متأورب” أكثر مما ينبغي، وكأن حربه على السلفيين الدّينيين الساعين للاستيلاء على السلطة هي حرب على الدّين ذاته، ومن هنا عملت السلطة على الحدّ مما يُسمّى مظاهر “التغرّب والتأورب”، وترافق ذلك مع احتفاء الدولة باللباس التقليدي وبكل ما هو تراث… ولا يخفى ما في ذلك من صراع بين اليمينية الأميركية واللائكية الفرنسية على تونس.

المعنى ذاته الذي دارت حوله كلمات حليمة يؤكّده سي الدنداني الذي تقاعد في بداية العام من وظيفته كإداري في الدّيوانة (الجمارك) ولم يسبق له أن صام يوما واحدا في حياته مثلما يقول متباهيا، مع إنه يعتبر نفسه تونسيا مسلما وينطق بالشهادتين “أميركا حليفة اليمينيين والسلفيين عموما ـ ويضيف الدنداني ـ لا يمكن أن ننسى أنها أسقطت نظام صدام العلماني وأبدلته بأصحاب العمائم السوداء وبالمتدينين، إنها هي التي تغذّي التطرّف وتمدّه بأسباب الانتشار والازدهار، وهي حليفة الإسلام السياسي العدوّ لكل مدنية ولكل حقوق إنسان، فضلا عمّا تبديه من سخاء في تشجيع فقهاء الظلام في القنوات التلفزية… وليس غريبا في قادم الأيام أن يحلّ رمضان في هذه الديار ويلقى أن شريحة “الفطّارة” قد انقرضت من البلاد… الفطّارة في عهد الأميركان أناس معرّضون للانقراض حين يُكرههم المحيط الداخلي والخارجي، بالتضييق عليهم وإهانتهم، على الصيام، اقتنعوا بذلك أم لم يقتنعوا، آمنوا أم لم يؤمنوا..!”

توافقه درّة الممثلة المسرحية حين تقول: لا بد من التفكير في صيغة مؤسساتية لحماية غير الصائمين من التوانسة، كل الفضاءات العمومية تضيق بهم، والتديّن ينتشر حثيثا في البلاد إلى درجة أن بعض معلمي المدارس الابتدائية صاروا يطرحون أسئلة على الأطفال تتعلّق بتديّن أهلهم، وهل يؤدّون الصلاة ويصومون رمضان أم لا؟ والأطفال الذين ينتمون لعائلات لا تصلي ولا تصوم يعيشون في رعب ويشعرون بالنبذ والشذوذ. تضيف درّة: أنا لا أصوم ولا أدخن إذن فلا دليل على إفطاري، مع أننا نحن النساء لنا رخصة الدم في رمضان، وبإمكاننا التمويه دائما، إنما زوجي السينمائي فهو يعاني الأمرّين في البيت وفي خارج البيت، في الخارج الأمر معروف، أما في البيت فإنه كلّما رغب في سيجارة يدخل المرحاض ويغلق الباب على نفسه، رغم أننا نعيش في شقة بمفردنا، فأطفالنا كبروا واتخذ كل واحد منهم سبيله، يفعل زوجي ذلك خشية أن يزورنا أحد الجيران أو الأقارب أو المعارف، فيشتمّون رائحة التبغ في الشقة، فيرموننا بنظرات الإدانة، فالفن هو تقريبا تهمة وإذا أضيف له عدم الصيام، تصبح الإدانة تنتظر التصريح بالحكم والتنفيذ من ثمّة.

أما مصباح الممرض بمصحة خاصة فهو يقول بحسم: عدا القليل من المقاهي والمطاعم المموّهة خارجيا في العاصمة، وبعض المنشآت السياحية في المدن الساحلية، فإن كل المناطق التونسية لا أدنى حظ فيها لغير الصائم، وأي مفطر فهو مدان اجتماعيا ومنعوت بالإصبع. فأي ديمقراطية ممكنة إذا لم يكن ثمة اختلاف بين الناس وحق في ممارسة الاختلاف في كل نواحي الحياة الفردية والاجتماعية، أما الديمقراطية السياسية فهي قشرة خارجية وهي لا تشغل سوى بعض الناس الذين يتصارعون للإنفراد بالسلطة والانقضاض على هرمها، ويستعملون في سبيل ذلك المباح وغير المباح أخلاقيا ودينيا.

ويعتبر الصحفي خميس الشرنان أن رمضان على حالته الراهنة يذكّرنا بحداثتنا المأزومة وبتديّننا الرث، والخوف أن يكون الآتي أعظم مقارنة بما كان عليه رمضان في الخمسينات والستينات إلى أواخر السبعينات، حيث كان الناس في رمضان أكثر سماحة وتسامحا، وكان غير الصائمين في الإدارات وفي الدوائر الحكومية وفي كل مكان بصورة لا تثير أي استغراب ولا استنكار!

وختم حديثه متسائلا: هل من بين إسلاميينا السلفيين السياسيين، الذين يتبجحون باحتفائهم المنافق بالتجربة التركية، من يتجرأ على فعل ما فعله عبد الله غول رئيس تركيا، من حزب العدالة والتنمية الإسلامي، عندما تناول الغداء في الأسبوع الأول من رمضان لهذه السنة مع جماعة من الأكراد المسلمين، غير الصائمين، حسبما تناقلته الصحف الدوليةّ؟ فأين تقيتهم السياسية من تقواهم الدينية؟
تشخيص اجتماعي أوّلي للمسألة
الكثير ممن تحدثنا معهم من غير الصائمين في رمضان تتشابه أقوالهم ومواقفهم، وتفادينا المرضى والأجانب وأصحاب الحالات الخاصة والصائمين، لأن هؤلاء الأخيرين مواقفهم معلومة وآراؤهم محسومة وحججهم وأعذارهم أيضا. ولمزيد الإحاطة بالموضوع من الزاوية التي تناولناه منها سألنا السيد المهدي مبروك عن رأي علم الاجتماع في المسألة. ناشدنا في البداية أن لا نضع لقب دكتور مقرونا باسمه، فالأمر عنده لا يخرج عن الرياء وادعاء الألقاب، وأن نكتفي بصفة “باحث اجتماعي”، مشدّدا أنه يكفينا من “الدكتورائيات المتكاثرة كالفطر في مجتمعاتنا!”.
أعلمنا المهدي مبروك أن الجامعة التونسية لم يسبق لها، حسب علمه، أن اهتمت بمثل هذا الموضوع لا نظريا ولا ميدانيا في علم الاجتماع وعلم اجتماع الممارسات الدينية. وطلب منّا أسئلة مكتوبة ليجيب عليها بطريقة مكثّفة وبلا توسّع.

{{1 ـ ظاهرة المفطرين في رمضان في مجتمع عربي مسلم كيف تفسرها من زاوية علم الاجتماع؟}}

تتنزل ظاهرة “المفطرين” في رمضان علميا ضمن علم اجتماع الممارسات الدينية وهو حقل لم يتطور في الجامعة التونسية حيث ظلت الدراسات السوسيولوجية للظاهرة الدينية مقتصرة على دراسة الإسلام السياسي وظاهرة الطرق الصوفية والأولياء وهي دراسات في تراجع بدورها.

في غياب الدراسة الميدانية لا يمكن لتحليل ظاهرة المفطرين في رمضان إلا أن تكون تقديرية كيفية يصعب فيها الخروج بأحكام نهائية.

أنثروبولوجيا يبدو الإسلام المالكي المغاربي أكثر تشدّدا في فريضة الصوم منه في فريضة الصلاة، عكس بعض المذاهب السنية الأخرى كالشافعية والحنفية في مصر وفي سوريا وغيرهما، وهي مذاهب تتشدّد مع شعيرة الصلاة وتتسامح بعض الشيء مع الصيام.

لتونس وضعية استثنائية في العالم الاسلامي نتيجة تجربة التحديث الحادّة التي تبنتها منذ الاستقلال، وكلنا يذكر موقف الزعيم الحبيب بورقيبة، أول رئيس للجمهورية التونسية، من الصيام حينما دعا إلى الإفطار علنا وعلى شاشة التلفزيون في زمن الستينات من القرن الماضي.

ردة الفعل كانت آنذلك مظاهرات قادها الشيخ القيرواني عبد الرحمان خليف (1963). حدث موقف بورقيبة ضمن (اجتهاد) يرى أن الجهاد ضدّ التخلّف يجيز الإفطار.

هذا الحدث الرمزي له دلالة عميقة تفيد أن الدولة غير معنية بمراقبة مدى التزام الناس بهذه الشعيرة. هناك نوع من تحييد لمؤسسة الدولة وأجهزتها في مراقبة أداء هذه الشعيرة.

{{2 ـ ما رأيك في راهنها (ظاهرة الفطّارة)… هل هي في تنام أم في انحسار؟}}

حاليا وبعد مضي خمسين سنة ونيّف على استقلال البلاد حدثت تطورات لا يمكن لباحث أن ينكرها، ولعلّها في هذا المضمار تُختصر في:

–انتشار ظاهرة الإسلام السياسي

–تجنّب الدولة، على عكس بورقيبة، التصادم العلني مع الشعائر

–ظهور ما يسمّى الإعلام الديني من خلال الفضائيات

كل ذلك أفضى إلى ظهور موجات جديدة من التدين حصرت المفطرين في الفئات التالية:

* إفطار المراهقين كتعبير عن رفض السلطة بمفهومها العام وتثمين الذات من خلال عرضها على المسرح الاجتماعي. لاشك أن الإفطار يثير الانتباه، أي يضعنا في قلب الصورة. انه سلوك استعراضي يقصد منه إثراء رأس مال رمزي ييسّر ربط علاقات مع الجنس الآخر. يمدّنا الإفطار بجرأة مشتهاة تتطيّف إلى شبقيّة ما لدى هذه الفئة. تُبدي العائلات بعض التسامح معها باحثة لها عن أعذار شتّى.

* إفطار أيديولوجي قائم على موقف من الصيام ومن الإسلام بصفة عامة، ويتكثّف ذلك في نخب علمانية ويسارية، ولكنها لا تجاهر إلاّ في أماكن ضيّقة بإفطارها، خشية التصادم مع الضمير الجمعي للصائمين. تتعرّض هذه الفئة من المفطرين إلي إقصاءات مختلفة وأشدها الإقصاء من الفضاء العام الذي يحتكره الصائمون. المقهي ومطبخ المنزل هما اللذان يأويان غير الصائمين. المقاهي ترخى سدائلها في ما يشبه الإحساس بالذنب، أو التستّر عن ارتكاب جريمة. الفضاء غير محايد لأنه “يترمضن”.

* إفطار”فتوة” ينحصر تحديدا في فئات هامشية تفطر دون أن تستند على خلفية إيديولوجية أو ثقافية. ولكنها تبرهن بذلك على أنها تذهب في سلوكها إلى أقصى حد من رفض أي خطوط حمراء، بما فيها تلك التي يضعها الدّين. إفطارها يرهب الآخرين. الصيام قد يؤوّله خصوم غير الصائمين على أساس أنه نمط من الضعف والهشاشة، وذلك ما تخشى تلك الفئة إظهاره. لذلك تزايد بإشهار إفطارها في نطاق ما تخوضه من صراعات هيمنة.

{{3 ـ وفق مؤشرات الظاهرة الحالية كيف تتصوّر مستقبلها؟}}

في غياب دراسات كميّة لهذه الظاهرة لا يمكن أن نجزم القول في حجمها أو تطوراتها المستقبلية. ولكن استئناسا بالملاحظة النسبية، على الأقل في حدود الفضاء الطلابي الذي اشتغل فيه، يمكن لنا ترجيح تراجعها في السنوات الأخيرة.

المفطرون كفئة اجتماعية تتهرّم علي عكس الصائمين الذين يتشبّبون باستمرار.

النخب العلمانية التي تحتضن العديد منهم تتراجع بدورها للأسباب المذكورة سابقا. في أقسام الطلاب تتراجع مظاهر الإفطار عما كان الوضع عليه في بداية الثمانينات مثلا، لما كنت آنذاك طالبا. ولكن لا شي ء يفيد أن الأمور تتطور في اتجاه محدّد.

أما من حيث ما يفترض أن يكون موقفا مجتمعيا من المفطرين فإنني أعتقد أن الشعائر في أدائها تقوم على قاعدة الاقتناع، وهي تفتقد روحها إن قامت على الإكراه. لذلك فان مناهضة المفطرين تنم على بقايا ثقافة الإكراه ثاوية في ضميرنا الخلقي. لم لا يُبدى الصائم كل هذا الازدراء للمفطرين حينما يكون في بلد أوروبي، ألا يحقّ، مثلا، للمفطر أن يتذمّر هو الآخر من غير المفطرين؟

أعتقد أن الأمر يحتاج إلي إعادة تأسيس تقتضى إرجاع الصيام والإفطار إلى دائرة الضمير الفردي. الحرية كفيلة بتجاوز سلوكيات الازدراء والاضطهاد المتبادلة بين الفريقين.

شهادة يساري ملحد عن رمضان

حين أشرفت على نهاية هذا التحقيق تذكّرت نصّا صغته من تعبيرات الفقيد نور الدين بن خضر أحد أبرز رموز التيار اليساري التونسي، الذي أمضى من حياته 12 سنة متواصلة في السجون التونسية. صيغ النص في 1986 ونشر في مجلة المغرب العربي الأسبوعية يوم الجمعة 1 أبريل 1988 وبن خضر كان لا يزال حيّا، في عنفوان الحياة!.

هنا فقرتان من النص:

“هل من الممكن أن يكون المرء ملحدا وفي نفس الوقت يغار على الحضارة العربية الإسلامية، التي هي حضارته، ويغار على الشعب العربي، الذي هو شعبه، وعلى فلسطين، التي هي قضيته، ويتألم من العاهات ويكافح المظالم والمهانة عند قومه؟..
أنا ملحد!

وإذا لم يعتبر قومي أن إلحادي هو جزء من ثقافتهم لكون انتمائي العميق ووجداني وحياتي لهم، فإني أعلن أن هناك خللا فادحا. هذا الخلل لا أفسّره بالمستوى المعيشي، إذ أني لم أنخرط في الصراع بدافع الفقر والجوع، بل أساسا من خلال الفكر والمقولات المعرفية المناهضة للبشاعة والرداءة والمظالم…

الدّين يُقدّم كنفي لحق التخاطب والاختلاف مع الإله. وأنا لا أقبل في الدنيا بقوة تقول لي أن هذا حقّ فاسجد له… وهذه الروح تولّدت عندي من خلال حادث وقع لي في يفاعتي عندما كان عمري سبع عشرة سنة ومازالت ذكراه حيّة في ذهني… كان رمضان وكنت مع أبناء عمومتي ومعنا عمّ نحترمه. كلفت بطبخ إفطار رمضان. أعددت سمكا أوفيت فيه الملح لأنني صائم لا أتذوّق الطعام خشية نقض الصيام. جاء المغرب وأكلنا ورقدت بعد ذلك مباشرة، ونهضت بعد الإمساك بوقت قليل، وكنت في غاية العطش، شديد الظمأ، فطلبت ماء فنهاني عمّي عن الشرب لطبيعة الصيام، وهذا أمر الربّ ينطق به عمّي. لم أكن أتصوّر الربّ يريد هلاكي، وقامت ثورة في داخلي. ومباشرة بعد أن نام عمّي اندفعت إلى الحنفية و”سكرت” بالماء… القضية ليست قضية صوم، لأننا ونحن في السجن امتنعنا عن الأكل لمدة تفوق مدة الصوم، وإنما هي قضية اقتناع… وهذا التناقض يلازمني إلى الآن”.

إلى الآن!.. على الأقل كان “الآن” لنور الدين بن خضر في وقته وقال كلمته قبل أن يفوت عليه الأوان. بقي بيننا رمضان، يفوت ولا يموت، في أقوام لها من البلادة والتفاهة بحيث تجعل كل شؤونها الدّينية والدنيوية للفوات حتّى يدركها الممات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق