تونس.. زمان الوصل والفصل / مشاري الذايدي

ما جرى في تونس حدث لا يقدر للمرء أن يشهده إلا مرة أو مرتين في حياته! حدث جديد وقصة مختلفة وأمر «جرى على غير طراز». لذلك من الصعب الحديث حتى عن وصف ما جرى بشكل كامل ودقيق، فضلا عن فهمه أو تحليله.. نحن أمام فعل «خارج الصندوق» المعتاد، وعليه، فهو يتطلب تفكيرا خارج الصندوق.

 

ما هذه الحركة التي جرت؟ هل لهذه الحركة من قيادة ومن محتوى آيديولوجي معين؟ من حرك هذه الجماهير من أعماق الجنوب التونسي إلى قصر قرطاج في العاصمة؟ هل تحركوا فعلا بمجرد تنسيق شبابي على «فيس بوك»؟ أين القوى السياسية التقليدية المعارضة أو شبه المعارضة من هذه الهبة الكبرى؟ هل كانت الانتفاضة التي اشتعلت في جسد الشاب البوعزيزي في سيدي بوزيد، هي فقط من أجل البطالة المتفشية بين الشباب؟ وإذا كانت كذلك، فكيف تحولت إلى المطالبة برأس النظام؟

 

إذا كانت ثورة عامة، فقد عرفنا أن الثورات بالمعنى الحقيقي هي إنهاء فصل وبداية فصل جديد في تواريخ الأمم والشعوب، كما جرى في الثورة البلشفية الروسية، أو ثورة الخميني، أو «أم الثورات» الثورة الفرنسية.

 

ما يبدو حتى اللحظة أنها ثورة بالفعل، لكنها غير تقليدية ولم نعتد عليها، خصوصا أن من قاموا بها هم شباب صعقوا الجميع، وأولهم نظام زين العابدين بن علي، وبالدرجة نفسها كل النخب السياسية والثقافية المعارضة أو شبه المعارضة.

 

يخبرني المفكر التونسي الدكتور محمد الحداد، أن من يدعي من النخب السياسية التقليدية أو الثقافية أنه خلف هذه الحركة أو أن لها دورا مباشرا فيها فهو مجرد مدع. نعم، يمكن، يقول الحداد، أن نجير جانبا من الدور القيادي لهذه الهبة للاتحاد التونسي للعمال وتحديدا المستوى الثاني من قياداته والقيادات الجهوية، ويضاف إليهم جماعة المحامين.

 

الحداد شارك شخصيا في المظاهرات الماضية بتونس وسجل ملاحظات منها:

 

– غالبية الفاعلين هم من الشباب في سن العشرينات أو دونها بقليل.

 

– ليس لدى المشاركين شعارات القوى السياسية التقليدية (إسلاميون، يسار، قوميون). بالفعل هم خرجوا فقط بسبب الضجر من البطالة وبسبب الضجر من الرقابة على حرية التعبير.

 

الغريب أن هذه الحركة بدأت أساسا بسبب ضيق الشباب من خنق السلطات الأمنية لحرية استخدام الإنترنت وصفحات «فيس بوك»، ثم همّ البطالة الثقيل.

 

يعول الدكتور الحداد كثيرا على وعي التوانسة وقدم التحديث والتمدين فيهم، من أجل العبور إلى الدولة الجديدة، ولكنه لا يخفي قلقه إذا استمرت حوادث النهب والفوضى: «أنا متفائل بنسبة 60 % ومتشائم بنسبة 40 %». كما يقول.

 

مما يستحسن تذكره هنا أن التراث المدني والتحديثي في تونس قديم، يكفي أن نعرف أن تونس في عهد حكم «البايات» كان لها دستور، ففي 1859 قام محمد باي بإصدار عهد الأمان كأول وثيقة أساسية تضمن حقوق المواطنة، وفي عهد الصادق باي أصدر عام 1861 أول دستور للبلاد.

 

ومن تونس كان زعماء الإصلاح الديني والاجتماعي الكبار الذين يزامنون ويقارعون رواد النهضة العربية في مصر مثل الأفغاني أو عبده، ففي تونس كان هناك خير الدين التونسي، والثعالبي، وابن عاشور، وليس هذا بغريب على البلد الذي أنجب ابن خلدون صاحب المقدمة العظيمة التي أسست لعلم الاجتماع وسلط الضوء فيها على السلوك السياسي للدول والمجتمعات، ربما كان ابن خلدون يتمنى لو كان حيا ليشهد هذا الحدث الاجتماعي السياسي الضخم في بلده!

 

يضاف لهذا التاريخ المديد من «المزاج» التونسي المديني والتحديثي أن تونس ربما لا يخشى عليها من السيناريو العراقي المنفر، أولا بسبب التجانس السكاني لأهل تونس فالغالبية الساحقة من السكان، من المسلمين السنة، وثانيا المكتسبات العلمانية الاجتماعية التي كرستها حقبة الرئيس «الرمز» بورقيبة.

 

بكل حال، يظل هذا الكلام، مرة أخرى، تحليقا أوليا فوق هضاب المشهد التونسي المبهر و«الجديد».

 

تفرُّد الحدث التونسي، إن نجحت هذه الثورة في ترجمة نفسها بشكل إنتاج سلطة جديدة، سيكون أول تغيير عربي ثوري من غير أن يكون مرهونا بـ«الثالوث المخيف»، حسب تعبير الحداد، وهو: غزو خارجي، أو انقلاب دموي لنخبة محددة، أو اللجوء اليائس إلى الحركات الأصولية. هذه المرة سيكون تغييرا عربيا من مجتمع مسلم، ولكنه تغيير وطني سلمي (حتى هذه اللحظة) مدني.

 

الأمور مرهونة بعواقبها..

 

قبل الختام تبقى نقطة مهمة شدت الانتباه بخصوص ردود الفعل على ثورة تونس، من الطبيعي أن يحظى الحدث التونسي بهذا الرصد والانتباه، فهو يستحق ذلك بجدارة، ولكن يجب أن لا تغفل العين عن حالات التوظيف والاستثمار الشره لطاقة الحدث التونسي، من طرائف هذه الاستغلالات ما ذكره رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو بأن ما جرى يثبت أن منطقة الشرق الأوسط بطبيعتها مضطربة وغير ثابتة وليس بسبب وجود مشكلة احتلال فلسطين! وأنه من أجل ذلك يتشدد في المفاوضات مع العرب حتى لا يأتي نظام آخر يتملص من تعهدات سلفه.

 

نتنياهو ليس الوحيد الذي حاول استثمار طاقة الحدث التونسي من أجل أجندته الخاصة، فحتى في الكويت «الديمقراطية» التي للتو فرغ نوابها من استجواب رئيس الحكومة وللتو قدم وزير داخليتها، في موقف نادر لمسؤول عربي، ورقة استقالته على خلفية موت مواطن تحت التحقيق، في هذا البلد قال أحد المعارضين إن على رئيس الحكومة أن يعتبر بما جرى في تونس!

 

حسنا هذه نماذج من الاستثمارات «الظريفة» للحدث التونسي، ماذا عن الاستثمارات «الأثقل»؟

 

خلال الأيام الماضية تمت حملة موهمة من قبل بعض الإسلاميين للقول إنهم بشكل أو بآخر خلف هذه الهبة التونسية، أو للإيحاء بأنهم سيقودونها لاحقا، كما فعل الشيخ يوسف القرضاوي سواء في خطبة الجمعة الماضية في الدوحة، أو في برنامجه على قناة «الجزيرة» حيث هلل وبارك للثوار، وشتم الرئيس الهارب بن علي باعتباره الصنم «هبل» وأعضاء حزبه وحكومته هم بقية الأصنام، محذرا الحكام العرب من هذا المصير، وكأن الشيخ القرضاوي نفسه لم يكن ضيف حكومة بن علي العام الماضي، وتحديدا في مارس (آذار) حيث كان متحدثا نجما في تونس بمناسبة اختيار القيروان عاصمة ثقافية، بل إنه كان له لقاء مرتب مع الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، أيام عزه! لولا أنه قد حالت دون اللقاء بعض الظروف كما ذكر زميل القرضاوي الشيخ سلمان العودة في حوار مع برنامج «إضاءات» على قناة «العربية» بتاريخ 28 مايو (أيار) 2009. لا شأن لكل الإسلاميين بشتى ألوانهم بما جرى في تونس، خاصة الإسلاميين غير التوانسة! لا علاقة لمن يريد «الإفتاء» لأهل تونس والوعظ فيهم مثل بعض «الدعاة» لدينا المعروفين ببياناتهم المتشنجة تجاه كل جديد، والذين باركوا سقوط «الطاغوت» بن علي وقدموا نصائح للتوانسة حول تحكيم الشريعة والانتخابات..!

 

كما أنه لا شأن للحركات العلمانية «التقليدية» بما جرى في تونس من هبة الشباب، فهي إما مستوعبة داخل النظام أو معزولة بشكل همشها، أو مهاجرة للخارج؛ إلا قلة قليلة.

 

ما جرى شيء جديد، والغريب، أن صديق الشيخ القرضاوي، ورمز الإسلاميين التاريخي في تونس، راشد الغنوشي ذكر صراحة في حديثه لصحيفة «الشرق الأوسط»، الأحد الماضي، أن الثورة في تونس كانت بسبب شعور الشعب بالظلم وأن الإسلاميين ليس لهم فضل فيها، فهم شاركوا بنفس ما شارك به العلمانيون والشيوعيون، حسب تعبيره، وأضاف أنه لا يعتقد بحظ للحركة الإسلامية في الحكم في تونس الآن! هذا كلام الغنوشي، ابن تونس وزعيم إسلامييها، وأظن أن كلامه أولى بالأخذ من كلام القرضاوي، أو الأحمد والبراك..

 

وبعد؛ يظل الباب التونسي مشرعا والأقواس مفتوحة.. في حدث ما زال يتشكل أمامنا.. وما زلنا، وسنظل، نلاحق أضواء هذا الانفجار النجمي الكبير في ليل العرب.

 

‘ن جريدة الشرق الأوسط 18/1/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق