ثقافة الاقتتال وثقافة التعايش … علامَ يقتتل الفلسطينيون وإلامَ يذبحون؟ – عماد شيحة

هل تبدل مشهد اليوم في متتالية فصول صراع وجود إسرائيل وبقائها إلى جوار، وعلى حساب، الفلسطينيين وباقي العرب؟ يبدو السؤال مشروعاً لأنّ الإجابة السريعة تقدّم ردّين قاطعين: نعم أو لا!!

يجيب الذين عايشوا بدايات الصراع حتى العام 1948 بطريقةٍ تتمايز قليلاً عمن عايش الأمر حتى العام 1967 ووليده المتأخر، اتفاق الكيلومتر 101 وامتداداته من كامب ديفيد إلى مؤتمر مدريد ومضاعفاته المتواصلة حتى يومنا هذا. أما الذين رموا في مهملات ذاكرتهم كل هذه الحقبة، فهم أبناء يومهم. لا تعني الإجابة بحد ذاتها الكثير رغم أهميتها، فالحقبة بأكملها موثّقةٌ من وجهات نظر فاعليها أو المنفعلين بها، لا يغير ذلك من قيمة التوثيق لأنّ القراءة المقارنة تقدم صورةً تقارب الواقع. الفائدة المعرفية الحقيقية تكمن في تنوع الإجابة، الذي يعيد إلى تشكلات الوعي وتطوره، علاوةً على المنتج الثقافي المتعلق بمفاهيم الوطني والإقليمي والكوزموبوليتي، والأكثر فائدةً تلمّس أشكال تعايشها ووسائط تنافسها وتناحرها.

من بدايات القرن الماضي وحتى نهاية فصلها الأول، العام 1948، طورت قضية فلسطين ثلاثة أنماطٍ من الوعي بلورت منتجين ثقافيين. أولهما ملأ المتن، ولم يتح لثانيهما إلا انتحاء الهامش.

داخَل النمط الأول عموماً بعدٌ ديني، واندمج الثاني ببعدٍ قوميٍّ تحرري. وكان منتجهما الثقافي ذا طابعٍ مقاوم تمترس وراء تخم الوطنية. أما الثالث، فقد اتسم بظاهرٍ آخر أورثه سمة اللاوطنية قبل أن ينزعها عنه تطور الصراع وتحولاته. كما لعبت المصادفة دوراً في تشكيل مكوّنيْه؛ كان أولهما بعض نتاج البعد القومي ذاته متحالفاً مع ممثلين آخرين للبعد الديني ذاته أيضاً. وكان أن وجد في مخلّصيه من العثمانيين، بريطانيين وفرنسيين وفيما بعد أمريكيين أو سوفيات، ضالته وانسجم مع ما يمليه فهمه لطبيعة التحالف معهم، مضطراً لقبول كامل مشروع أصحابه! أما مكوّنه الثاني، فكان الوليد القسري لطلائع اليسار السوفياتي والذي اختلط عليه في وعيه البدائي جدل القومي ـ الوطني / الأممي، فتأرجح بينهما متابعاً تقلبات عرابه وأحزابه الحليفة في الغرب، بل خيّل لقلةٍ من ممثليه أنّ مشروع الدولة اليهودية مشروع اشتراكي أممي!!

وسمت المنتج الثقافي الثاني البراغماتية والسعي وراء قبول الأمر الواقع والتعايش معه على أمل إجراء تسويةٍ مقبولةٍ قومياً و/ أو أممياً. لكنه احتاج عقوداً من الزمن لينتقل من الهامش إلى المتن (تحدد العلاقة بين الهامش والمتن تركيبةٌ معقدة من النفسي والسياسي، ويمليها التباين بين النخب وعموم الناس)… فكاد في النهاية أن يحتله بالكامل!

هكذا رسمت هزيمةٌ أخرى أشنع وأشد قسوةً وعنفاً مسار الانتقال ذاك. لكن المشهد لم يتبدل كثيراً، إذ ولّدت الهزيمة زخماً جديداً حكَمته موازين قوى جديدة فرضتها على مرّ الزمن الانقلابات العسكرية التي روجت لمنتجٍ ثقافيٍّ هجينٍ «قومي ـ اشتراكي» أطلقت عليه دعايتها الخاصة اسم التقدمية، أزاحت البعد الديني ودفعته إلى الاصطفاف مع ما أطلقت عليه نفس الدعاية اسم الرجعية، ما أدى إلى إخراجه بارتباطه السياسي من دائرة الوطنية.

كان لحدّي وطني ـ تقدمي / لاوطني ـ رجعي سمة نفسية أكثر منها سياسية. فليست الوقائع وحدها من وضع لاحقاً بعض التقدميين (المنقلبين على أنفسهم) في الدائرة اللاوطنية وألحقت بعض الرجعيين (المصنفين في دائرة اللاوطنية) بدائرة الوطنية رغم بقائهم على حالهم.

قدّم المشهد الآنف رافعةً حقيقيةً لتبلور يسارٍ جديدٍ أدرك أنّ أمميته ووطنيته على المحك معاً، وهما على تعارضٍ تام مع المشروع الصهيوني، فخاض انشقاقاته وحروبه الصغرى مع أقرانه القوميين الذين اضطروا لتدجين منتجٍ ثقافي وسيط، أعاد البعد الديني عبر تمويلٍ اضطراريٍ أتاحته فورة البترول… كان الثمن بتداخلاته السياسية إقليمياً ودولياً مؤجل السداد ولم يتطلب أكثر من ثماني سنوات ليتمخض عن حربٍ أهلية هي الأبشع والأكثر دمويةً، حيث سددت فيها الحسابات كاملةً في ظلّ تناقضاتٍ اتخذت، في مواجهة تحالفٍ انعزالي رجعي، شكل تحالفٍ وطني تقدمي لطالما شهد تغيير المواقع وتبادلها، وأتخمه سوء الفهم واغتراب الوعي وإجهاض الأحلام وتدهور السياسي والأخلاقي… آل إلى بيروت المحتلة وصعود المنتج الثقافي لبراغماتيي التسوية.

جعلته حربٌ مدمرةٌ أخرى يسود فيُجمع عليه الأحياء والأموات ويتخذ شرعيته الحقيقية بدءاً من مؤتمر مدريد. في الوقت نفسه، كان انبعاث إسلامٍ سياسي جهادي بشقيه المذهبيين يستعيد سمعته الوطنية ويسارع إلى مغادرة الهامش نحو المتن منقلباً على نفسه وعلى حُماته ومموليه، شانّاً حرباً على المنتج الثقافي لبراغماتيي التسوية، وعليهم لاحقاً، فاقمها دخول بعدٍ إقليمي على الخط، لم يعد مقتصراً على دائرة القول الديني المؤازر، بل تخطاه إلى حيز الفعل… (حملت كلٌ من إيران والعراق راية فلسطين طوال حربهما مع التلاوين القومية والدينية اللازمة للتعبئة السيكولوجية).

واقع الحال أنّ قوى «العلمانية» التي تمسكت بالمنتج الثقافي للمقاومة باتت خارج دائرة الفعل، ليس لعجزها عن إعادة إنتاج ثقافتها بين «جماهيرٍ» بات الخذلان علاقةً متبادلة بينها وبين تلك القوى وحسب، بل لأنّ القول الفصل في النهاية كان للوقائع التي أحرزها بجدارة في العامين 2000 و2006 المنتج الثقافي للمقاومة الدينية!! لكنّ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) وما تبعها من احتلالٍ لأفغانستان والعراق وضعه في خانة الإرهاب.

ربما كان المفجع أن تستشري ضمن هذه المنتجات الثقافية، التي سقَف تناقضاتها في تعايشها وتنافسها وتناحرها مفهومُ العدو الخارجي، آفةٌ تبطل فعله من جانبٍ وتسمح بالاستقواء به من جانبٍ آخر، لكنّ الحصيلة المنطقية أن يحكمه معيارٌ مزدوج (إسرائيل وأمريكا وحلفهما من جهة، وإيران وحلفها من جهةٍ أخرى) يؤول لمنتجٍ ثقافيٍّ اقتتالي.

غالباً ما يتعارض في المآسي الإغريقية الأخلاقي مع العاطفي، لكنّ وعياً صارماً يحسم بينهما / صواباً كان أم خطأً / إلا أنّ التراجيديا التي تتواصل منذ قرن يتعارض فيها المتخيل بنعيمه (والإيديولوجي بعضه وليس كله) مع الواقع (والثقافي مكوّنٌ أساسيٌّ فيه) بجحيمه، وما من وعي يرقى إلى متطلبات حزمٍ يقرّ بالوقائع كما هي ويحلم وفق ما تتيحه، ويقصي عن حقل الثقافة ثنوياتٍ من قبيل وطني / لاوطني ـ شرق/ غرب ـ داخل/ خارج ـ ديني / علماني ـ مقاوم / مستسلم، ويمنحنا في الختام المضحك المبكي حقّ السؤال: لماذا يقتتل الفلسطينيون، ولماذا يفعل العراقيون الشيء ذاته، ولماذا يتوعدنا بعض اللبنانيين بالاقتتال مجدداً، ويخوّفنا بعض السوريين من سيرنا على ذات الطريق؟

قاتل الفلسطينيون وبعض العرب حتى العام 1948 من أجل فلسطين قبل أن تكون إسرائيل، وقاتلوا مع جيوشٍ عربية لتوجد إلى جانب إسرائيل. ثم قاتلوا واقتتلوا كي ترجع، وأعادوا الكرة كي يرجع بعضها!

نفهم أن تذبحهم إسرائيل كيلا يكون لهم أي شبرٍ في فلسطين / أما ما لا نفهمه فهو تذابحهم من أجل ما كان جزءاً من الأردن قبل العام 1967 وملحقاً بمصر قبل العام نفسه!!

إسرائيل موجودة رغم أنف الجغرافيا والتاريخ، لكن لو فطنت لمأزقها وأعادت الضفة والقطاع إلى وضعهما السابق… فعلام سيكون الاقتتال!؟

نشر في الحياة في 4/4/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق