ثقافة الجدران: سيمياء القطيعة بين المواطن والوطن

تتوالد ثقافة الجدران من أعماق مخأوف البشر، ويتعإلى الجدار ما بين خلجات الروح ومرأى الحياة المحجوب بأشكال وأنماط متنوعة من الحواجز والموانع والأسوار…

السور صار لغة الحوار المنفي، والجدار أمسى صيرورة الحاضر وتقلباته في جحيم الرعب، وانطوت الفضاءات المفتوحة على ذاتها وتحولت إلى طيات من أمكنة ملتوية متاهية الطراز، لاتؤدي إلى مخارج آمنة ولا تفتح ابوابا ولا تشير إلى أمكنة النجاة. متاهة من حروب معلنة وحروب لا مسماة تقضم الوقت وتبدد الأمكنة إلى نهايات الألم..

بغداد تحتضر أمام أعيننا، لأننا الأبناء الدمويون. شئنا أن نبددها، وشئنا أن نضيعها وهي تشهق بألف ميت كل نهار وبألف جدار ينهض من أحشائها ليعلن العداء لمن وراء الجدار…
الأمكنة تعادي الحياة وتتواطأ علانية مع الموت و تقول للناس إني أعاديكم وإني لا أحبكم…

المكان تحول إلى عدو وبادلناه الكراهية والتوجس، بادلناه الريبة وتوقع ما هو أسوأ في كل أونة. المكان يقول لنا كل صباح:
– انا لا أحب أحدا!
فنبادله الكراهية ونتوجس من عبوره… ونشم رائحة خيانته لنا ونتهمه بالتواطؤ مع الموت والقاتلين أو بتسترّه على قنبلة موقوتة زرعت في أحشائه وبين منعطفاته..
مدن معادية
بغداد غدت مكانا معاديا للحياة، هكذا أصبحت المدينة منذ نحو خمسين سنة، حين صحت على سحل جثث وتقطيع أوصال وحرق محطات وقود ونهب قصور ملوك وتدمير مبان وتعليق مصلوبين في الطرقات، وصارت أشد عداء بعد خمس من سنوات الاضطراب والفتك وتحولت إلى ابتكار أشكال جديدة للعداء بين مواطنيها وتبارى أبناؤها الدمويون في تحويلها إلى ميادين لسفك الدم على هوية سياسية طوال أربعين عاما وعلى هوية عرقية وطائفية طوال حروب وغزوات..
و مع الاحتلال والحرب التي أتت على كل شيء غفلت عنه أعوام الدم، شاع جنون دم جديد وتحولت معه العاصمة إلى مدينة مباحة لا تعصم نفسها ومن فيها من جائحة الموت والفتك.

كل الأمكنة صارت مضادة للحياة… الشوارع والأسواق ودوائر العمل والجسور والأنفاق. كل الأمكنة تنطوي على غدر متخف ٍ تباغتنا به في لحظة عشوائية لترسلنا إلى الموت على غفلة من تدابيرنا وتوقعاتنا أو رغم تدابيرنا وتوقعاتنا.
الجدار رمز عالمي لثقافة الخوف
الجدران التى تتعالى في أنحاء المدن هي رمز عالمي للمكان المعادي. فمنذ سقوط جداربرلين الذي جرت أسطرته من قبل المتاجرين بحجارته، تزايدت الجدران في عالمنا وتعالت وكأن سقوط جدار برلين كان إشارة لتكاثر سلالته في جهات الأرض وتناثر بذوره في حقول السياسة. وحين
صار حدثا تؤرخ به نهأية حقبة، أصبح نذير جغرافية القرن الحادي والعشرين القائمة على التفكيك والفصل والتقسيم بجدران وهم أو أسوار كراهية وصراعات…
وما إن حدثت واقعة 11 سبتمبر وانهار برجا التجارة العالمية، حتى بدأ عصر عالمي جديد من عصور إقامة الجدران بين البشر وعادت الحضارة المعاصرة إلى التقليد الصيني في إقامة سورها العظيم، وإلى التقليد السوفياتي في الاحتماء بستار حديدي وهمي، وإلى تقليد المدن الاقطاعية الأوروبية في العصور الوسطى بحفر خنادق مائية تحمي القلعة الإقطاعية من الأعداء. وبدأ، مرافقا لإجراءات الجدران الافتراضية، تصاعد متسارع لأساليب الفصل بين الأعراق وأصبح حلم المواطنة العالمية ضربا من خيال طوبأوي، وتحول البشر من جديد إلى الاحتماء بجدران مختلفة، يلوذون بها تأكيدا لهوية مهددة أو دفاعا عن جماعة عرقية أو دينية ترى في الجدار تعزيزا لبقائها، على الضد مما تفترضه فكرة العولمة من إزالة للحدود بين البشر وما بشر به منظروها حول أفول السيادة على الأرض بهيمنة الميديا على فضاءات العالم…

هنا في بغداد صار الجدار رمزا لخوف من عدو مجهول أو معلوم. دوائر الدولة مرتعبة متحفزة خلف جدران الكونكريت التي لا تحميها من اقتحام عصابة مسلحة، والمناطق الموصوفة بالخضراء تتخفى وراء اسوار محكمة، وقد تحولت لديها وظيفة الدولة من حمأية المواطن إلى الاحتماء منه، واستحال الحوار والتجأور مع أهل الحكم وتعززت القطيعة الحاصلة أصلا، وترسخت ثيمة الفصل العنصري بين الحاكم المعترف بعجزه والمحكوم المتروك لمصيره…
لاحرية لمدن تلتهمها الجدران
ثقافة الجدران تأكل من جرف الحرية حتما وتقيدها وتبددها، فلا معنى للحرية مع ثقافة الجدران، ولا حرية لمدينة تقتل شوارعها وطرقاتها بعشرات الآلاف من كتل الكونكريت العملاقة والحواجز. وظيفة المدن أن تدير شؤون الحياة وتنعش الاقتصاد وتديم مراكز العلم وتقدم الخدمات لمواطنيها وتجدد نفسها وتزهو بإبداعات الفن لدى سكانها وتحترم وجودهم الحي. وظيفة الشارع أن يكون سالكا ووظيفة الجسر أن يوصل بين ضفتين…

الأمر صار معكوسا في بغداد، فالمدينة لا تدير شؤون الحياة بقدر استسلامها لشؤون الفناء، والشارع صار مكانا معاديا للمرور وحيزا موصدا بوجه حركة الحياة المفترضة. تحول إلى مكان أشد عداء من السجون، والجسر صار وسيلة انفصال وانقطاع بين الضفاف…
وبفعل ثقافة الجدران التى اجتاحت الأمكنة والعقول، تحولت علاقات الناس من تواصل وتقارب وحوار ومودة إلى قطيعة وخوف وتنافر وحذر وتربص… فلا شيء يجمع بين البشر الآن قدر ما يجمعهم الخوف من بعضهم. فقد أرست ثقافة الجدار قوانينها وطبعت الحاضر باخلاقياتها وأنجزت تشويهها للسلوك البشري السوي، محولة إياه إلى سلوك عصور القنص وأخلاقيات الغاب…
عاصمة لاتعصم أحدا
ثقافة الجدار حلت محل ثقافة النافذة وانحسرت العلاقات بين البشر لتتوالد من الجدران الخارجية. جدران افتراضية داخل النفوس، يغذيها هاجس الخوف وهاجس الثأر، حتى أصبح من العسير إقامة تواصل أو حوار بين الذين حجزوا خلف أسوار الكونكريت وأسوار الخوف… انزاح دور الشرفات حين سيجت بالأسلاك، وترسخ دور كوى المراقبة المخفية، وحُصنت الأبواب بابواب مزدوجة من شبك الحديد وتعالت الأسيجة بين حدائق البيوت وجُعلت الفضاءات الخضراء مزقا وأشلاء، وانكفأ كل واحد على مخاوفه وبالتالي عجز عن النظر إلى حاضره ليصبح الطريق إلى أي تصور مستقبلي مستحيلا…

وكلما تعالت الجدران وشاعت ثقافة العزل والقطيعة، ارتد الكثير من الناس إلى أخلاقيات الكهف، التي تحتم الدفاع عن موقع صغير للنجاة دون اعتبار لمصير الآخرين خارج نظام الكهف، وبناء على هذا لا بد أن ينهار سلم القيم الأخلاقية بتكاثر الحواجز وتنعدم أية قيمة للآخر الذي يغدو صفرا لا قيمة لبقائه ولا خسارة في زواله حين تساوت الحياة مع الموت…

في ثقافة الأمكنة المعادية التي أخذت الجدار أنموذجا لها، يشكل التربص حالة سلوكية تطغى على ما سواها من الحالات، إذ يحدد الخوف من كل آخر شكل العلاقة والسلوك، عندما يكون كل إنسان مشروع قتيل أو قاتل، ولا أحد مشروع حياة أو مستقبل في غياب الحوار وتهاوي القيم…

المدينة إذ تقطع أوصالها بالحواجز، فهذا نذير بالموت الفعلي لا المجازي للمدن، فلا تحيا مدينة بازدهار الجدران ونمو الأسوار والحواجز في أنحائها. الحياة في حركيتها تستدعي التواصل والتضامن بين البشر من صناعها، فإذا تحولت المدن بفعل هذا إلى أماكن معادية، تتقطع الأواصر وتتوقف المشاريع و تنمو جدران أخرى بين الإنسان والأمل والإنسان والطموح والإنسان والتقدم، فكيف تمضي الحياة في ظل ثقافة الجدران؟..

إنها علامة لتفشي الهلاك في جسد المدينة والبلاد. ثقافة الجدار هي غنغرينا البلدان التي تحول – بفعل تفسخ اللحم – دون وصول النسغ والدم إلى الأجزاء المصابة بالعزل، فتذوي وتموت ويسري الموت في الجسد كله.

المكان المعادي صار بديل الوطن والوطن صار شبهة لمكان منسي وراء جدار وخلف أسوار وتحول فضاء العيش المفتوح على احتمالات التقدم والنمو إلى حيز موصد، يجهز على إمكانات الحياة وتتنامى فيه كل مسوغات الفناء..
الجدار أيقونة السياسة الجديدة
كل مادعت إليه الإيديولوجيات والنظريات والنزعات القومية التي انفلتت في القرن العشرين وتهاوت قبل نهايته – تحول إلى نمط معاكس للرؤية الطوباوية التي بشرت بها تلك النظريات المؤدلجة والنزعات القومية – سواء تلك التي انتعشت في ظل النظم الشمولية في البلدان التي حكمت من قبل الحزب الواحد – أو تلك التي انفجرت بعد تهاوي الستار الحديدي وجدار برلين. التفكك الإقليمي كان نتيجة لزوال الجدار الوهمي، والتقسيم العرقي والطائفي والقومي صار مبررا لإقامة طراز جديدة من الحواجز والجدران بين البشر والأفكار والمعتقدات التي تستند إلى وهم أو ميثولوجيا أو معطيات تاريخية مستعادة من أزمنة تهاوت…

الفصل بين الأعراق يجاوره فصل بين الجنسين، إذ يستدعى التعصب لفكرة معينة أو معتقد ما تعزيز أساطير وأوهام وترسيخها بين الحشد البشري الذي تستند إلى جموعه هذه الفكرة المتعصبة أو تلك. وتنحو هذه النزعات المهووسة بالنقاء الديني أو العنصري إلى تفتيت الكيانات من أجل حفظ نقاء جماعة عنصرية أو دينية، ويتم ذلك عن طريق إقامة حواجز مادية أو افتراضية بين الجماعات العرقية أو الطوائف أو القوميات المحكومة بعقلية متشددة. وتتفق معظم هذه النزعات العنصرية والمتعصبة في أمر واحد وهو تعزيز الفصل بين النساء والرجال، وإقصاء المرأة عن المشهد الأمامي للمجتمع ومنعها من العمل والظهور في الأماكن العامة ، أي حجبها معنويا وإجرائيا وشل قدراتها وإخضاعها لنمط ثقافة متشددة، تعدها جنسا شريرا يسبب الفساد للمجتمع أو كما يسمونه الأمة.

وتتخذ العوازل المقامة بين الجنسين أنماطا وأشكالا مختلفة تبدأ من الفصل بين الأطفال في المدارس ولا تنتهي بمنع البنات من الدراسة والخروج من المنزل، وتحريم عمل المرأة و تحريم كشف الوجه والرأس، ورفع الصوت وتحريم ذكر اسم المرأة، إذ تسمى باسم أبيها أو زوجها أو ابنها ، أي إلغاء وجودها إلغاء تاما وجعلها مجرد ظل للذكور من الأقربين…

ثقافة العزل الجنسي والعرقي والعنصري هي ثقافة إقامة الجدران بين الأحياء والحياة وبين البشر وحاضرهم ومستقبلهم وتتجلى في أوضح إجراءاتها في أوضاع النساء العراقيات الآن، ممن حجرن في المنازل وحرمن من العمل والدراسة والمشاركة في بناء الحياة السوية، وسوف يفضي هذا إلى ظهور جيل دموي آخر مقموع و قامع، وجاهل ومقطوع عن سبل الحضارة واخلاقيات التمدن والسلوك الإنساني السوي..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق