ثقافة الحوار.. وحوار الطرشان / يحيى الجمل

المجتمعات المتقدمة يعرف أفرادها وتجمعاتها كيف يديرون حواراً بينهم، وكيف يخرجون من هذا الحوار بنقاط متفق عليها ونقاط مختلف عليها تنتظر جولة أخرى من الحوار، وليس بالضرورة أن ينتهى الحوار إلى اتفاق كل الأطراف على كل شىء، ستبقى هناك اختلافات وتناقضات بين بعض أطراف الحوار، ولكن المهم أن هذه الاختلافات والتناقضات لا تؤدى إلى قطيعة أو كما نقول نحن- ولا نفعل- لا تفسد للود قضية.

ولثقافة الحوار آداب استقرت عليها المجتمعات المتحضرة بمرور الزمن، وأصبحت جزءاً مما يسمى ثقافة الحوار.

وأولى قواعد الحوار ألا يعتقد أحد المتحاورين أنه يبدأ الحوار وهو على اعتقاد أنه يملك الحقيقة المطلقة وأنه على صواب فى كل شىء ومن ثم فهو على غير استعداد لأن يتقبل نقداً أو انتقاصاً لما يعتقده. هذه البداية تعنى إغلاق الحوار قبل أن يبدأ وتجعل الحوار لا معنى له، مثلاً هناك من يقول «أنا لا أخطئ» مثل هذا الشخص حتى إن اعتقد هو بصحة ما يقول لا يجدى معه حوار، لأنه لا أحد لا يخطئ ولأن كل ابن آدم خطاء، كما جاء فى الأثر.

وكثير من الذين يعتقدون بالمطلقات سواء الدينية أو الأيديولوجية- كأصحاب المذاهب الدينية أو الماركسيين الأرثوذكسيين- يبدأون الحوار وهم يعتقدون أنهم على الحق الكامل، ومثل هذه البداية تنفى فكرة الحوار من أصلها، ذلك أن الحوار يعنى فى الأصل أنك مستعد للأخذ والعطاء وأنك تبدأ معتقداً أن رأيك صواب ولكنه يحتمل الخطأ، ورأى غيرك خطأ ولكنه يحتمل الصواب، هكذا يمكن للحوار أن يبدأ وأن يكون مجدياً.

هذه هى القاعدة من قواعد ثقافة الحوار أو آداب الحوار: ألا يتصور أحد المتحاورين أنه وحده يملك الحقيقة، وأن غيره بالضرورة ما دام يختلف معه فهو على ضلال.

أما القاعدة الثانية من آداب الحوار فهى حسن استماع كل من المتحاورين للآخر، وهذا يستتبع بالضرورة الكلام بصوت هادئ لأنك إذا انفعلت فإنك لن تسمع غيرك، ستسمع نفسك فقط، الصياح فى الحوار أو الصوت المرتفع لا تشاهده فى المجتمعات المتحضرة وإنما هو ظاهرة واضحة من ظواهر الحوار فى المجتمعات ناقصة الثقافة أو المجتمعات المتخلفة بصفة عامة.

وأحد مبادئ الحوار الأساسية أن مسؤولية الأكبر أو الأكثر ثقافة أو الأعلى نفوذاً أو الذى يستجمع من أسباب القوة أكثر من غيره- مسؤولية هذا الطرف تكون أكبر من مسؤولية الطرف الآخر الأضعف حتى إن لم يتصور نفسه كذلك، أى حتى ولو لم يتصور نفسه هو الطرف الأضعف، فقد يكون ذلك نوعاً من المكابرة.

الطرف الذى يزيد وزنه- لعوامل واقعية- هو الذى عليه مسؤولية استمرار الحوار لأنه هو الذى يملك قطع الحوار أو حتى إغلاقه من البداية، وإن كان ذلك لا يحدث فى المجتمعات المتقدمة.

وترتبط ثقافة الحوار أيضاً بقضيتين أساسيتين تحكمان حركة المجتمع البشرى، قضية التعليم وقضية الديمقراطية.

هل التعليم يقوم على مخاطبة العقل وتربيته لكى يكون عقلاً مبدعاً أم يقوم على التلقين والحفظ والترديد لما قيل؟ النوع الأول من التعليم هو الذى يتلاءم مع ثقافة الحوار، والنوع الثانى منه يتلاءم مع المجتمع القمعى الذى يرفض فكرة الحوار أصلاً.

كذلك فإن الأمر يرتبط أيضاً بكون المجتمع ديمقراطياً أو غير ديمقراطى، المجتمع الديمقراطى هو مجتمع كل المواطنين، وكل المواطنين فيه سواء، وإرادة المواطنين- والتى جرى التعبير عنها بمبدأ سيادة الأمة أو سيادة الشعب- هى مصدر كل السلطات وهى سند كل المؤسسات، فى هذا المجتمع يتعود أن يسمع الناس بعضهم بعضا.

هذه بعض المبادئ أو الأسس التى ترتبط بثقافة الحوار، التى هى فى الأساس نتاج سلوك مجتمعى، فهل توجد لدينا مثل هذه الثقافة، هل نعرف كيف نتحاور، بل هل نريد حقاً أن نتحاور؟

انظر إلى ما يجرى على الساحة العربية بعامة، وعلى الساحة المصرية بخاصة- مع الفارق بين الأمرين نتيجة أسباب عديدة- ستجد صياحاً وانفعالاً ورفضاً ولن تجد حواراً.

خذ ما يجرى على الساحة الفلسطينية، إنه مدعاة للحزن والإحباط.

وقد يكون الأمر فى مصر ليس بهذه الصورة لأن الواقع مختلف اختلافاً شديداً، ولكن هل يعرف المجتمع المصرى الحوار الخصب الخلاق؟ أم لا يعرف غير ما يقال له حوار الطرشان حيث يتكلم طرف أو بالعبارة الشعبية «يهاتى» والطرف الآخر لا يعنيه حتى أن يسمع لأنه يعتبر أن لديه من أسباب القوة ما يغنيه عن الاستماع والحوار.

واضح الآن أن فى مصر فريقين متباينين، حتى لقد قال البعض إن مصر أصبحت بلدين ولم تعد بلداً واحداً.

هناك أصحاب السلطان وهم قلة شديدة المحدودية، وهناك من يخضعون للسلطان عن رضا أو عن كره، ولكن إرادتهم غير فاعلة فى كل الأحوال، وهؤلاء يعتمدون فى وجودهم على قوة القهر أكثر منها على إرادة الناس.

وهناك أصحاب الثروة وهم أيضاً قلة شديدة المحدودية، وهناك من ناحية أخرى طبقة متوسطة تكاد تتلاشى، وهناك فقر يتزايد كل يوم حتى لقد قيل إن ما يقرب من نصف الشعب المصرى يعيش تحت خط الفقر المعترف به دولياً، والنصف الآخر، عدا قلة محدودة، لا يطمع فى أكثر من الستر وسد الضرورات.

ومن الظواهر الجديدة الأخيرة التقاء العدد المحدود جداً من أصحاب السلطة بالعدد المحدود جداً من أصحاب الثروة، وأدى ذلك إلى طغيان وفساد عظيمين.

وفى هذا الجو يطرح البعض بكل صدق وإخلاص وبعد عن الغرض دعوات لإنقاذ هذا البلد من أزماته فهل من مستجيب؟! وهؤلاء جميعاً أوضاعهم العمرية والثقافية والاجتماعية تجعلهم بعيدين عن أى مطمع فى أى مغنم أو منصب.

هؤلاء الذين يطرحون هذه الدعوات يشعرون بالأزمة السياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية التى تعيشها البلاد، والطرف الآخر- صاحب السلطان- المدعو للحوار يرفض أصلاً أن هناك أزمات من أى نوع، ويرى أن «كله تمام»، ومن ثم يتساءل: ماذا يقول هؤلاء الناس وفيم يريدون الحوار؟ بل يجعلونهم محلاً للسخرية والتندر.

ليس فى الإمكان أبدع مما كان.

وهذا هو حوار الطرشان.

والحل إما أن يبدأ حوار جاد، وإما فالقارعة قادمة، والعياذ بالله، وليس هناك طريق ثالث.

عن جريدة المصري اليوم 26/10/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق