ثقافة الشعارية العربية / أحمد جابر

انفضّت القمة العربية، وكأن جلساتها لم تكن، وبقي منها صورة صامتة، وأوراق قرارات ذهبت إلى المحفوظات بغير ضجيج.

لا تحمل الكتابة عن اللقاءات الدورية، للزعماء العرب، مرارة ولا إحباطاً، لأن التوقعات، بشأن النتائج، معروفة سلفاً، في ذهن المواطن العادي، وغياب النجاح، عن المحافل العربية، هو الاستشراف الوحيد، الذي ينتظر تحققه… وبعدها تتابع اليوميات العربية انسيابها السلسبيل.

إلاّ أن شيئاً ما يبقى، من نثار الخطب، ومن زحمة الكلام الشعاري. هذا الشيء يستحق إضاءة لمضمونه الحقيقي، بهدف إفادة السامع والقارئ، وبدافع التأكيد، على أن المتكلمين الكثر، ما كانوا يقصدون المعاني الأصلية، لما نطقوا به من عناوين.

تتردد كلمة التضامن العربي كلازمة لكل خطاب، وتغيب دائماً، القضايا التي تشكل، مجتمعة، مضمون هذا التضامن، مثلما تغيب الخلافات والمعطيات والحقائق الواقعية، التي تجعل اشتداد عوده متعذراً. لو سأل سائل: حول أي من القضايا الكبرى تتضامن البلدان العربية؟ لجاء الجواب العملي مخيباً، أو لكان في أحسن الأحوال، أن التضامن موزع على محاور عربية عدة، يختار كل منها القضية التي تناسب سياساته، ليدعمها، ويتصل بها. حتى في هذا المقام، فإن الدعم والتنسيق، لا يتخذان صفة التضامن، بمعنى الإضافة إلى القضية، والبناء على أساساتها الوطنية، والحفاظ على كينونتها واستقلالها… بل إن السياسة الرائجة عربياً، هي سياسة «التضامن المتدخل»، الذي له اسم «التوظيف السياسي»، ولعبة تجميع الأوراق، وتثقيل الوزن القطري الخاص، على حساب بلدان بعينها… وبالانتقاص من أوزانها دائماً. للدلالة، يكفي ذكر أسماء: فلسطين ولبنان والعراق… مع الحرص على ألا تضيف التطورات أسماء بلدان جديدة، إلى لائحة تلك البلدان «المدعومة تضامنياً».

التضامن له رفيق شعاري آخر، هو المصير العربي الواحد. هنا أيضاً، لا مفر من السؤال: كيف يعبر القادة العرب عن مضمون هذا المصير الواحد، وما السياسات التي تتكفل بترجمة وقائعه؟ نسقط أولاً، الخلفية «النظرية» لمفردة «المصير» هذا، لأنها تستحضر مسألة «الأمة العربية»، الكاملة القوام، والناجزة التحقق. هذه الخلفية، شكلت أساساً لفشل استراتيجيات وحدوية عدة، مثلما أجازت تدخلات قطرية في شؤون أقطار أخرى، بذرائع «الأمن القومي… والنجدة الأخوية… وقتال الاحتلال والاستعمار… في مناطق الخواصر الرخوة»، وبعيداً من «مراكز العواصم الوحدوية»، التي تكتفي بمناوشة الأخطار على «الأمة» فوق مساحات وطنية غير مساحاتها، وفي ساحات بعيدة، تكفل ديمومة استقرار ساحاتها.

ولأن المصير ليس «أمنياً وعسكرياً» فقط، فإن الناتج القومي العربي الإجمالي، مستبعد من آليات التوزيع المصيرية. أما شكل التضامن الوحدوي، فعبارة عن «هبات مشروطة»، أو «حرمان محسوب»،… بما يتفق و«سياسة المحاور» التي تتخذ ما يناسبها من تحالفات، وتخوض ما تختار من مناكفات ومشاحنات، دونما اعتبار لمقتضيات العلاقة التضامنية العربية، ولما تستوجبه معادلات «المصير المشترك»، السياسية والاجتماعية.

الأمثلة الدالة على مخالفة القول المصيري، لأفعال القائلين به كثيرة، وهي تبدأ من نسج التحالفات الإقليمية، (إيران وتركيا)، والاختيار الفردي لسبل طرق أبواب المرجعيات الدولية (الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية)، ولا تتورع عن استنساب الطريقة الملائمة، للخوض في مسألة الصراع العربي – الإسرائيلي، ولو كلف ذلك التفريط بمسائل حساسة من مسائل القضية الفلسطينية.

غياب المعاني الجوهرية، للتضامن العربي، وللمصير المشترك، يطوي معه جدية الكلام على وحدة الأهداف العربية، وعلى تعزيز الجهود المشتركة، لتحقيقها، إذ لا سبيل إلى التعرف، في الموضوعين الآنفين، على تعريفات الأهداف، أو ترتيب أولوياتها، وعلى خطط العمل التنفيذية وقنوات ممارستها… هكذا تطغى الشعارية على الممارسة، مثلما هي «وارفة الظلال»، في المداخلات السياسية.

إلا أن أغرب الكلام، الجديد، هو ما قيل في معرض الحديث عن آلية لإدارة «الخلاف العربي». الجديد، في هذا المجال، هو أن هذا المفهوم ينتمي إلى منظومة فكرية حداثية عقلانية، من مرتكزاتها الديمقراطية والعلمانية وقبول الآخر، ومن شروطها الوقوف أمام الذات لمساءلتها، وتناول الأسباب بالنقد قبل الذهاب إلى محاكمة النتائج… ومن المعلوم أن كل ذلك غائب عن اليوميات السياسية العربية، بقوة الثقافة السائدة، التي تتوسل القمع العادي والقمع المغلف بأستار الموروث والمعتقدات والعلاقات القبلية والعشائرية… وما إليها. من الغريب، حقاً، أن تطلق الدعوة، إلى تبني علاقة ديمقراطية، بين «الأنساق الرسمية العربية»، في الوقت الذي تمنع فيه كل نسمات الديمقراطية من الهبوب، في المجتمعات العربية. هنا لا بد من التأكيد على قول القائلين: إن الديمقراطية ليست الذهاب إلى صناديق الاقتراع فقط، بل هي وعي قائم بذاته، وجزء مكوّن من الثقافة الحيّة والحيوية. هل يمكن، بهذه المقاييس، القبول بغض الطرف عن تفسير بعض المفاهيم، لمنع التلاعب بمكوناتها؟ وهل يمكن التخلي عن ضرورة التأكيد على «وعي المفاهيم حتى يحصل الوعي بضرورتها»؟

في كل الأحوال، وعلى رغم كل العيوب والثغرات، يظل التئام محفل عربي عام، أفضل من انفضاضه، لا لشيء إلاّ لأن ثمة من يدفع فاتورة السياسة الخلافية العربية.

عن جريدة أوام

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق