ثقافة تختنق وأخرى لم تولد بعد / شاكر الأنباري

طرح المفكر السوري جورج طرابيشي في احدى مقالاته مؤخرا، وفي تعليق على ما يجري في العالم العربي، موضوعة ملحة في حاضرنا الراهن، وهي ان التاريخ الكبير، حين يتكلم، يصمت التاريخ الصغير. ويقصد بالتاريخ الكبير الأحداث العاصفة التي يمر بها مجتمع أو منطقة، وحدّة التغيرات التي تحصل بين لحظة وأخرى. وهذا ما نراه في أكثر من بلد عربي: احتجاجات، ومظاهرات، وانتفاضات، من تونس حتى البحرين والعراق واليمن، أطاحت عدداً من الأنظمة، وما زالت انظمة اخرى تنتظر.

هذا الحراك الاجتماعي، والسياسي، والثقافي، هو ما وصفه جورج طرابيشي بالتاريخ الكبير، حيث سيترتب على هذا الحراك تحولات كبرى تؤثر بشكل مباشر على المصائر الفردية. يمكن تسميته ب(التسونامي)، الذي يهدم موانئ، ويجرف سفنا، ويزيل بيوتا وأشجارا، ويعصف بخرائط مدن بكاملها، ان لم نقل بأوطان كانت راسخة. التاريخ الصغير حسب موضوعة طرابيشي هو نشاط الفرد، الابداعي منه على وجه الخصوص، والصمت هنا لا يفهم منه جانبه السلبي، فبالتأكيد لن يصمت المثقف، والفنان، والمفكر، وهو يرى التاريخ الكبير يتكلم، ولا بد له أن يعطي رأيا بما يحدث. لكن الكلام المقصود هو الابداع، والانتاج الفكري والفني الذي عادة ما يكون مرادفا للهدوء، والاستقرار، والتأمل. في واقع هائج وفائر، كالذي نعيشه، ويحيط بنا، تتغير اولويات، وتتهاوى بديهيات، وتتشظى تقاليد راسخة لتنتج عنها تقاليد جديدة وتوجهات تواكب الأحداث او تنبو عنها.

في واقع هائج وفائر تزول الأقنعة، وتتكشف بشاعة وجوه كثيرة. يصعب الاحتفاظ بالقناع لفترة طويلة، خاصة في لحظات المواجهة. فثورة تونس على سبيل المثال، أول ما أطاحت بمهرجان قرطاج، ثم بجائزة أبو القاسم الشابي للابداع وكانت تمنح سنويا لحقل من الحقول، كالشعر والرواية والمسرحية والقصة. أما أحداث مصر فخلخلت مجلات ثقافية عريقة مثل مجلة أخبار الأدب وفن التي كان يرأس تحريرها الروائي المصري جمال الغيطاني، كما خلخلت بنية اعرق جريدة مصرية وعربية هي جريدة الأهرام. وهذا ايضا ينطبق على معرض القاهرة للكتاب، عدا الرموز الثقافية التي سادت طوال عشرات السنين وها هي تتهاوى في تسانومي التاريخ مثل محمد سلماوي وجابر عصفور، وفاروق حسني، وسواهم ممن ارتبط في عجلة نظام أفل وزال. المهرجانات والجوائز التي كانت تتبناها مؤسسة القذافي الثقافية صارت في خبر كان، بل وتنصل المثقفون الذين كانوا زبائن دائمين في تلك المهرحانات عنها، وبدأوا يتوارون خجلا من حمل الجوائز تلك. هذا ينطبق، كذلك، على مهرجان الجنادرية الذي يقام في السعودية، اذ خف بريقه، وتلاشت قوائم الحضور بسبب الضجة الكبيرة التي يحدثها التاريخ الكبير، وهدير أمواجه الطاغية على ما عداه. هدير ليبيا والبحرين واليمن، ولاحقا سوريا. هدير هذه الجموع التي لم يعد السكوت لديها ممكنا، وهي ترى كرامتها وحقوقها وأحلامها تداس من قبل اللصوص، والمافيات، والعسكر، وأجهزة الأمن، واصحاب الشعارات الفارغة، وسماسرة الدين والأخلاق.

لكن المفارقة الأكبر هنا ان واقعا مثل هذا أفرز ظاهرة جديدة أطلقت عليها الكاتبة من اصل سوري رنا قباني، في جريدة الكارديان اللندنية على ما أظن، وصف (شبّيحة القلم)، وهم الفنانون والأدباء والمفكرون والاعلاميون الذين استلوا أقلامهم دفاعا عن أنظمة متهاوية، وعن مذابح ومجازر وركل وغازات مسيلة للدموع وأكاذيب وامتهان للكرامة الفردية. رأينا منهم الكثير في مصر قبل زوال النظام، وكذلك في ليبيا وتونس ومؤخرا سوريا، حيث تجلت مجاميع شبيحة القلم والفن كما لو كانت كتائب مجنزرة ربيت على اداء هذا الدور عقودا من السنين. هنا هل يمكن القول ان الثقافة التي تعارفنا لعقود عليها، ثقافة المؤتمرات والمهرجانات والجوائز، والمنابر العصماء، وجلها كان رسميا، هي في طريقها الى الزوال، لتحل محلها ثقافة أخرى بديلة؟ لن تكون هذه المرة ثقافة أنظمة، بل هي ثقافة مولودة من رحم الشارع، من رحم الجموع المحبطة، المهملة، التائقة الى حياة أفضل؟ ثقافة فتحت عينيها على المقابر الجماعية، والتعذيب، والكذب الاعلامي، والمظاهرة، والتشييع، ورش المواطنين بالرصاص الحي، وتسليم اللاجئين الى الأنظمة بدم بارد، ومشاركة العسكر بالسيناريو الكافكوي حول الحرب الأهلية والسلفية. في سوريا على سبيل المثال كان المثقفون ولعقود خلت، ينتظرون معرض الكتاب، ومهرجان الملاجة، ومهرجان عبد السلام العجيلي للرواية، ومهرجان السينما، والمسرح، اليوم لا اعتقد ان فعاليات مثل تلك ستكون محط اهتمام كالسابق، امام ما يدور في المدن السورية، حيث هدير التاريخ يتحرك في القرى، والمدن، والجامعات. فلا يملك المثقف امامه سوى الاصطفاف والوقوف بصلابة في هذا الطرف أو ذاك.

فنّية الرواية مؤجلة، ابتكار شكل لقصيدة لم يعد هاجسا، البحث عن موضوع طازج لا يرد الى البال، فثمة تاريخ يتكلم بملء فمه، وما على التاريخ الصغير سوى الصمت. الصمت أو الانحياز الى الجمهور، الى العامل والموظف والشغيل والمزارع وطالب الجامعة والمبدع الشعبي ابن المدونة والفيسبوك والتويتر والمجلة الخجولة والكتاب غير المرخص. اللغة الحذرة والمعقمة التي دأبنا على النطق بها والكتابة لم تعد ملائمة لوصف ما يجري حولنا، هنا ينبغي البحث عن قاموس جديد، كلماته مباشرة وأفكاره واضحة، فالرمز أحال تاريخنا السابق الى المقبرة والموت السريري والهذيان الدال على مرض نفسي لا نشعر به.

ولدينا في العراق مثال حي آخر، ففي اتون التحولات الضخمة التي عاشها البلد، سياسيا واجتماعيا وثقافيا وفكريا، بعد التاسع من نيسان ألفين وثلاثة، كنا شهودا على تمزق التاريخ الصغير، وانزوائه، وتشظيه، فأصبح مهاجرا أو طريدا أو صامتا، حتى استحالت الثقافة مسحوقا كماليا لا يهم سوى النخبة المثقفة، المشتغلة بالابداع حصرا. اما النسيج الواسع من الشعب فيلعب في حيز آخر، همومه بعيدة كل البعد عن هم الرواية والموسيقى والشعر والمسرح، خاصة وان عشرات المدن والقرى والنواحي لا تقرأ حتى الصحافة اليومية، ولا تقتني حتى مكتبة شخصية في البيوت.

الثقافة رديف للاستقرار والتأمل والهدوء، كون الفرد لا يمكنه ان يبدع دون هذه الركائز. فاذا كانت الجموع لا يتوافر لديها الحد الأدنى من أساسيات الحياة، فكيف تهتم بالموسيقى، والباليه، والرواية، والمسرح، والسيرك الاستعراضي، والفيلم السينمائي؟ أي بكل اكسسوارات ما تدعوه الحضارة البشرية بالثقافة؟ الفرد في منظومة الأحداث الكبرى يواجه معضلة ان يكون أو لا يكون، حسب تعبير شكسبير، فيأتي الحفاظ على الوجود في بداية السلّم. وخلخلة البنية الثقافية القديمة كانت واضحة في معظم البلدان التي شهدت التاريخ الكبير وهو يلقي تعاليمه، في ليبيا وتونس ومصر وسوريا والبحرين واليمن والعراق، وهي عتبة جديدة ينبغي على الثقافة أن تتخطاها نحو أفق لم يجرب بعد.

 

عن ملحق نوافذ المستقبل – جريدة المستقبل 29/5/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق