ثقافة حقوق الإنسان و بناء تجارب الحرّيّة

إن الأفق الممكن لتحويل الخطاب السياسيّ عندنا يكمن في نقد جريء لطابعه الوعظي وفي تحويله من آلية إنتاج وإعادة إنتاج علاقات الهيمنة إلى رؤية مغايرة تبتدع هوامش للتحّرر الفردي والجماعي. وهذا يعني إدماج ثقافة حقوق الإنسان وخطابها في الخطاب السياسي السّائد ومساءلته. وهذا يعني كذلك طرح سؤال مركزي عن ثقافة حقوق الإنسان التي نريد. فهل هي مجرّد برامج ونشاطات نختزلها في البحوث والتدريب والإعلام، أم هي رؤية للتّحويل الاجتماعي القائم على الحرية بدل خطاب السّياسة السّائد والمبني على المنفعة المتوحّشة والمستلبة؟

{{1. خطاب حقوق الإنسان: من التّبشير إلى آفاق التحرر}}

إن استحالة قيام خطاب سياسيّ يعود أساسا إلى العجز عن استلهام خطاب حقوق الإنسان وثقافته والعجز عن تحويله إلى تجارب تحّرر. ولا يمكن ان نردّ السّبب إلى مجرّد عدم اقتناع النّخب السّياسيّة بقضايا حقوق الإنسان أو إلى الهوّة الشّاسعة التي تفصل بين الخطاب الحقوقي والممارسة فقط، بل يتعدّى هذه الأسباب الظاهرية ليمسّ تمثلنا الخاص لحقوق الإنسان وخطابها ومدى وجود رؤية حقيقية تحوّلها من مجرّد أنشطة وبرامج إلى مسارات للتأثير في الواقع وإعادة بنائه. إن الأزمة كامنة أيضا في الخطاب الحقوقي كما يتجلّى في بعض الممارسات التي تستبدل تعريفا غيبيّا ومركزيّا للإنسان بتعريف آخر لا يقلّ عنه تجريدا يحوّل الأفراد إلى متلّقين سلبيّين لخدمات حقوق الإنسان ومعارفها. إنّها مراتبيّة جديدة تفصل بين “الإنسان” الواعي المتملّك لمصيره و”الضحيّة” الفاقدة لإنسانيّتها وكرامتها والتي تعيش على أمل تحريرها من شرطها القاسي. هذه المقاربة تعيد في حقيقة الأمر إنتاج علاقات الهيمنة القديمة تحت مسمّيات جديدة خادعة وتحول دون امكانيّة عقلنة السّياسي بالبحث المشترك عن ذلك الحيّز الرّهيف الذي يؤصّل الكرامة في فضاءات الحياة الخاصّة والعامّة.

إنّ “إنسان” الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو ملتقى حوارات ومفاوضات كبرى بين تصوّرات تاريخيّة ووفلسفيّة وثقافيّة حول تعريف الإنسان وهو مجال تردّد بين ثبات الخصائص التي تعرّف الإنسان من ناحية وخضوعها إلى تاريخيّة تجربة الفرد وفرادتها من ناحية أخرى. هذا الإعلان الذي خرج إلى الوجود موشوما بهذه الحوارات التّفاوضيّة سيؤكّد على أنّ الحقوق هي صبوات ورغبات وحاجات كرامة يسعى الفرد من خلال عقلنة السّياسيّ إلى حمايتها و تجربتها في الحياة وتحويلها إلى قاعدة مشتركة. إنّ الإعلان يضرب في العمق مفهوم “المنحة” و”الهبة” ويقترح تصوّرا للمساواة الكونيّة التي تنبني على المشاركة والمواطنة. لذلك فإنّ حقوق الإنسان كتجربة مساواة في السّياسة ومن خلال السّياسة، ستتحوّل في مشهد الاستلاب العامّ إلى خطاب غائم صعب إدراكه إذا لم تستعد معاني الحوارات الكبرى حول الإنسان وسياسات الحرية والكرامة.

{{1.1 تأسيس خطاب حقوق الإنسان والتربية عليها: بين الاحتجاج والتّبشير}}

لقد كان خطاب حقوق الإنسان حاضرا في العقود الماضية في بلداننا في أشكال متعدّدة من نقد تسلّط الحكومات “الوطنية”. هذه الحكومات التي انبعثت من حركات الاستقلال وأنتجت أنظمة استبداديّة أعاقت نموّ اي تجربة للتحوّل الدّيمقراطي بضربها أسس قيام فضاء للعمل السّياسي المستقلّ عن أجهزة الدولة وبمقاربتها الأمنية لتوزيع الأدوار في المجتمع. ولقد نجحت الأنظمة في محاربة حقوق الإنسان والديمقراطية بتركيزها على تدمير محاولات التحرّر الفردي والجماعي وباعتمادها مبدأ السّيادة حينا أو باستعمال الدّين والخصوصيات الثقافية حينا آخر. لقد أحبطت كلّ محاولات تحويل حقوق الإنسان إلى أداة لشرعنة الممارسة السّياسيّة وللتفاوض المجتمعي حول بناء مواثيق المواطنة والانتقال الديمقراطي.

ولقد اعتمدت جلّ حركات الاحتجاج ومعارضة أنظمة الاستبداد المهيمنة على خطابات كليانية يسارية واسلامية وقومية لم تقدر على اقتراح أمثلة لتطوير مجتمعاتها تنبني على جرّ الأنظمة إلى ساحة الصّراع الأساسية وهي ساحة الحريات. أما حقوق الإنسان فقد كانت بالنسبة إلى حركات المعارضة أداة تستعملها بشكل انتقائي عند الضرورة (اعتقال مناضليها أو تعذيبهم أو محاكمتهم).

لقد انبعثت حركة حقوق الإنسان العربية من رحم هذه التفاعلات السياسية وانحدر أغلب قادتها وأعضائها من الأحزاب والحركات السياسية العربية، ومن يأس بعض النخب من الأنظمة الوطنية ومن تهافت الإيديولوجيات. وتركّزت مطالب هؤلاء في البداية على إعمال الحقوق السياسية والمدنية ومواجهة انتهاكات الحقوق السياسية تحديدا. فقد اهتمّوا بالحق في منع التعذيب والحق في حرية الرأي والتعبير والحق في الاجتماع وتكوين الجمعيات. ولا يمكن الحديث في هذه المرحلة التاّسيسية عن وجود خطاب لحقوق الإنسان مفارق للخطاب السّياسي السّائد أو عن بلورة تصوّر حول ثقافة حقوق الإنسان والتربية عليها. فلقد تميزت المرحلة أساسا بخطاب تبشيري متمركز حول الاحتجاج والمطالبة بالحقوق. ورغم قيام بعض المنظمات الحقوقية القومية والوطنية في أواسط التسعينات من القرن الماضي ببعض المبادرات الموسمية للتعريف بأهمية التربية والتعليم في نشر ثقافة حقوق الإنسان (تنظيم بعض الندوات وإصدار المنشورات) فان التربية على حقوق الإنسان بقيت شأنا هامشيا مكمّلا لعملية الدفاع عن حقوق الإنسان والمطالبة بحمايتها ولم تسع المنظمات الناشئة إلى بلورة خطاب نوعي يضع التربية على حقوق الإنسان في سلم أولوياتها كأداة تواجه من خلالها الثقافة السياسية السائدة وتحول حقوق الإنسان من أداة احتجاج إلى نسق متكامل يجمع بين الدفاع عن مبادئ الحرية والكرامة والمساواة والعدالة واقتراح خطاب يساعد على التأثير في السياسات المهيمنة ويدعم بحث الأفراد والمجموعات عن تغيير شرط وجودهم. فلا عجب أن نرى منظمات حقوقية تتنادى بضرورة احترام الحريات ولكنها تقف صامتة أمام تهميش إطراف عديدة من المجتمع وخاصة النساء والأقليات والفقراء واللاجئين. هذه الانتقائية “الحقوقية” في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان في ترابطها وعدم تجزئتها ستضيع على حركة حقوق الإنسان فرصا تاريخية في القيام بدور رائد في الإنصات لتحوّلات المجتمع وفي تأكيد دورها كعنصر للتغيير القائم على النظرة الحقوقية وفي العمل مع المطالبين بالحق على تحويل تطلعاتهم إلى تجارب عملية للتطوير المجتمعي.

{{2.1 خطاب حقوق الإنسان والتربية عليها: من التبشير إلى تقنية المهارات}}

يمكن أن نصف العقد الأخير من القرن الماضي بأنه عقد التربية على حقوق الإنسان بالنسبة إلى الحركة الحقوقية العربية. إنها لحظة أساسية تميزت بإنشاء عدد كبير من المعاهد والمراكز المتخصصة في التربية على حقوق الإنسان وبانفجار هائل في عدد الدورات التدريبية والندوات والحلقات الدراسية وفي عدد الكتب والمجلات والأدلة التدريبية التي تكاد تشمل كل قضايا نشر الوعي بالحقوق. لقد وضعت أغلب المنظمات الحقوقية التربية والتعليم على أجنداتها وظهرت تجارب متخصصة تتوجّه إلى قضايا دقيقة مثل التوثيق والاعلام وإدماج حقوق الإنسان في المناهج الدراسية أو تستهدف فئات جديدة مثل النساء والأطفال واللاجئين والعمال والمهمشين. كما أن عددا من المنظمات التنموية بدأت تستعمل أدوات التربية على حقوق الإنسان في بحثها عن إدماج مقاربة حقوق الإنسان في عملها التنموي وعند تقديم خدماتها للفئات الاجتماعية الأكثر فقرا وتهميشا.

ولم يكن أحد ليتخيل أن الاهتمام بالتربية على حقوق الإنسان سيمسّ أيضا المؤسسات الحكومية في بعض البلدان العربية التي أصبحت تهتمّ بتدريب الموظفين الحكوميين المعنيين بحقوق الإنسان.

ولكن هل أدت كل هذه الأنشطة والبرامج إلى نشأة خطاب لحقوق الإنسان يساعد على تثوير الخطاب السياسي السائد وبناء معرفة سياسية تستبدل منطق الدعاية والمنفعة بمنطق الإنسان الكوني الذي يساعده هذا الخطاب على عقلنة واقعه والمطالبة بحرياته؟ وهل أدت هذه الأعداد الرهيبة من الدورات التدريبية والندوات والمنشورات إلى التأثير في واقع الناس والشروع في عملية التغيير الاجتماعي القائم على منطق الحرية والكرامة والعدالة والمساواة؟ وما هو مصدر هذا الشعور الكئيب بالمرارة، هذا الشّعور الذي يعتري العاملات والعاملين في مجال حقوق الإنسان حين يلاحظون مجتمعاتهم تغرق تدريجيا في التأمل السلبي لمنتوجات المشهد الاستهلاكي وفي اللهاث وراء المشاريع الأكثر تطرفا وانغلاقا؟

ستؤكد كل التفسيرات والتبريرات طبعا على أسباب مثل صعوبة قياس أثر التربية على حقوق الإنسان لأنها أنشطة تؤتي أكلها على المدى البعيد، ومثل محاصرة عمل المنظمات من طرف أجهزة الحكم والثقافة الدينية المنطوية على ذاتها وعلى مفهوم الهوية المطلق والتناقض الصارخ بين خطاب حقوق الإنسان الذي تعتمده السلطات وواقع ممارستها الفعلي والضعف الهيكلي لمنظمات حقوق الإنسان وشحّ مواردها إلخ.
كل هذه التفسيرات لها ما يؤكدها في الواقع ولكننا اليوم في حاجة أكيدة أيضا إلى وقفة تامل للمشهد الحقوقي.

{{2. آفاق خطاب حقوق الإنسان والتربية عليها:}}

من حقوق الإنسان كتقنية نضالية إلى حقوق الإنسان كسياسة حرية
يبدو أنّ السبب المركزي لتهميش خطاب حقوق الإنسان ولعجز أنشطة التربية على تحقيق الأثر المنشود أحيانا كامن في ضياع الرؤية. فكأنّ البعض في خضم بحثه عن تطوير أساليب التربية على حقوق الإنسان وفي لهاثه المستمر خلف تعداد الإنجازات من دورات وندوات ومنشورات قد أغفل المراجعة النقدية الدائمة للرّسالة التي صنعت وجوده المتفرد وللرؤية التي يمكن أن تعّرفه كعنصر يسعى إلى التغيير الثقافي والسياسي والاجتماعي القائم على حقوق الإنسان. كأن البعض تناسى أن حركة حقوق الإنسان هي قبل كل شيء حركة تعيد تعريف السياسة في خطابها وممارستها كأحد العوامل لإعادة تشكيل الفضاء الاجتماعي اعتمادا على مبادئ مغايرة وهي مبادئ الحرية والعدالة والمساواة والكرامة. إننا أمام تحدّ خطير وهو استعادة الرؤية التي تجعل من حقوق الإنسان سياسة للحرية.

وتعني هذه الرؤية الخروج من تراث يكاد يحصر حقوق الإنسان إما في الاحتجاج المطلق أو في تجربة مهارات التدريب وتطوير القدرات. فما هي الفائدة من احتجاج لا يؤدي في نهاية الأمر وبعد عمل تفاوضي وضغط إلى تغيير سياسات الهيمنة والتسلط؟ وماهي الفائدة كذلك من تجربة كلّ إشكال التربية على حقوق الإنسان إذا لم تكن الغاية منها تطوير الخطاب السياسي السائد ونقد أنساقه التي تستلب العقل والوجدان وتؤدّي إلى إدامة علاقات التسلط؟

هناك حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة صياغة لخطاب حقوق الإنسان تكون المعرفة والتربية أدواته وليست غاياته القصوى. ويمكن لإعادة صياغة الرؤية أن تتخذ اتجاهات عدة من بينها:

–إحياء المعرفة العملية بحقوق الإنسان. إنّها معرفة تسعى إلى نقد ثوابت الخطاب السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي السائد وتفكيك عناصره التسلطية. ولا تكتفي المعرفة بالنقد بل إنها تسعى إلى بلورة خطط لإيصال عناصرها وإبلاغها لكل الفئات الاجتماعية. كما يمكن تحويل هذه المعرفة إلى أنساق عملية للتحرر يجرّبها الأفراد في أوضاعهم الخاصة وفي مجتمعاتهم المحلية . إن الهدف من سياسة المعرفة المتحرّرة هذه هو تحويل حقوق الإنسان إلى تجربة للتواصل الاجتماعي واختبار إمكانات إبداع هوامش للحرية في المجتمعات المحلية وبناء مواثيق للمواطنة حول مجموعة من الحقوق التي يختارها الناس كأدوات للتحويل المجتمعي المشترك.

–تحويل أنشطة الاحتجاج على انتهاكات حقوق الإنسان إلى رؤية للتأثير في السياسات التي تنتج أوضاع الهيمنة والتسلط واقتراح سياسات بديلة قائمة على حقوق الإنسان والعمل التدريجي مع بقية الفاعلين الاجتماعيين على محاولة تفعيل السياسات البديلة. ويعني هذا التوجه فيما يعني بلورة خطاب حقوقي وثقافة تعتمد ايطيقا وإرادة تفاوض من أجل بناء القاعدة القانونيّة المشتركة.

–بناء تحالفات واسعة في المجتمع من أجل الحريات وحقوق الإنسان ومن أجل إخراج حركة حقوق الإنسان من شبكاتها الضيقة وتنمية خطابها بامتحانه من أطراف جديدة. ويكون الهدف الأساسي من هذه التحالفات توسيع مدى الخطاب الكوني لحقوق الإنسان وتغيير النظرة السائدة التي تعتبر حقوق الإنسان حكرا على أطراف معيّنة. إن فكرة التحالفات قد تحوّل مطلب حقوق الإنسان وخطابها إلى شأن مدني ينقلنا إلى فضاء الحركات المدنية للحريات.

–بلورة وصياغة تجارب عملية تختبر فيها مفاهيم الكرامة والحرية والمساواة والعدالة من خلال تجارب فردية وجماعية. ويمكن لهذه التجارب أن تتجاوز العرض الممل للمفاهيم أو تبرير الحقوق لتبرز أن مغامرة حقوق الإنسان هي مغامرة تاريخية لتجربة الحرية.

هي بعض التوجهات من أجل طرح أسئلة أساسية عن هويّة حركة حقوق الإنسان في واقع ينزع نحو منطق العنف والاستلاب وضرب تجارب الإبداع. قد تبدو الدعوة إلى استعادة حقوق الإنسان كسياسة حرّية أمرا موهوما أو صعب المنال في ظلّ سيطرة رؤية للسّياسة تقوم على الإكراه واضمحلال القيم. ولكن هل لنا من خيار آخر غير محاولة تحويل المستحيل إلى ممكن في مصنع أحلامنا الفرديّ أو في الحيّز الدّقيق للممكن المشترك

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق