ثقافتنا .. والخوف من الآخر / سعيد حارب

الثقافة العربية شأنها شأن بقية الثقافات الإنسانية، تتفاوت قوة وضعفاً، وفقاً لسيرها التأريخي، أو عطائها الحضاري، أو إسهامها البشري، وقد مرت الثقافة العربية بمراحل قوة وضعف، كانت فيها بين تأثير وتأثر، فليس من جديد نضيفه حين نقول: إن الثقافة العربية أسهمت في الحضارة الإنسانية إسهاماً مازال أثره باقياً إلى يومنا الحاضر، وتجاوزت في إسهامها الإطار العربي أو الإسلامي، لتتجاوز ذلك إلى الإطار الإنساني، فالفنون والآداب والإبداع العربي الإسلامي دخلت إلى ساحات واسعة من الثقافات الأخرى، ويكفي أن نشير إلى أن جزءا من الثقافة الأوروبية كان من إبداع الثقافة العربية، ومازالت بعض الكلمات العربية تتردد أصداؤها لدى العديد من اللغات الشرقية والغربية، ومازالت كبرى المكتبات تضم إبداعاً ثقافياً وعلمياً عربياً، يشهد على عظمة ما أنتجته الثقافة العربية الإسلامية.

لكننا نتساءل عن هذه الثقافة العظيمة أين موقعها من الثقافات الأخرى؟ وهل لديها ما يمكن أن تسهم به في الحضارة الإنسانية المعاصرة؟ وهل مازالت تملك ذلك البريق الذي بهر شعوب العالم قديماً؟ إننا نجانب الحقيقة، إن قلنا بذلك، فعلى الرغم من كل ما نقوله عن هذه الثقافة ومكانتها وأثرها، إلا أننا يجب أن نعترف أن ثقافاتنا العربية الإسلامية لم تعد تملك تلك المؤثرات السابقة، كما أنها لم تعد تحظى بمكانتها العالمية التي تبوأتها خلال القرون الماضية، فقد أصبحت مهددة في بنيتها الداخلية وتأثيرها الخارجي، بل أصبحت ثقافة متأثرة تأثيراً سلبياً بما حولها.

ولا يكفي أن نقول إن ثقافتنا العربية الإسلامية لها من الأصول والقواعد ما يمكنها من الاستمرار والتوصل، وإنها قادرة على التجديد والاستمرار، فالشجرة ذات الجذور القوية لا يمكن أن تكون نافعة، إلا إذا أعطت ثمرا، وثمار ثقافتنا اليوم ليست كما يتوقعها المرء من حضارة عريقة كالحضارة العربية الإسلامية، وليس ذلك تقليلاً من أهمية الثقافة العربية الإسلامية، لكنه إقرار بالواقع الذي لا يمكن أن ننطلق إلى المستقبل إذا لم نعترف به ونعمل على علاجه.

فالثقافة العربية الإسلامية لها من الأصول والثبات ما يمكن أن ينهض بها من جديد، ويخطو بها إلى المستقبل بخطوات واثقة، تعيد لها مكانتها الحضارية، ولعل أهم ما يمكن أن نتطلع إليه ونحن نستشرف مستقبل الثقافة العربية الإسلامية، أن نعالج بعض المعوقات التي تحد من مسيرتها بموضوعية وشفافية تحفظ لهذه الثقافة حيويتها واستمرارها، إذ إن هناك العديد من العقبات والإشكاليات التي تحد من نهضة الثقافة العربية الإسلامية، ولعل من أبرز هذه الإشكاليات، موقع ثقافتنا في هذا العصر الذي تحطمت فيه الحدود والحواجز والرقابات الفكرية والثقافية، وأصبح المرء يعيش الحدث حالة وقوعه، ويقرأ الصحيفة قبل صدورها، ويعرف موقع الكتاب في كثير من مكتبات العالم وهو جالس في بيته – ويتحدث مع من لا يراه ولا يعرفه في قضايا مشتركة، بينما تفصل بينهم آلاف الأميال والعادات والأديان والثقافات، في عصر مثل هذا يصبح القول بالانكفاء والعزلة وتجاهل ما يحدث خارج البيت نوعا من التخلف الاختياري.

إن أبناءنا وشعوبنا اليوم لم تعد تقرأ ما نكتب أو نوجه أو نسطر نحن فقط، ولم نعد وحدنا الذين يرسمون لها مفاهيمها وتصوراتها، بل حتى سلوكها وقيمها ورؤيتها للأشياء، فقد شاركنا في ذلك الكثير، وأصبح العديد من القيم الاجتماعية والثقافية (مخترقا) من قبل الآخر الذي لم نحدد موقفنا منه، على الرغم من أن البعض (منا) قد أعلنها صريحة واضحة، أن الصراع مع الثقافات الأخرى لا يفرق بين المشترك والمنفصل، أو مربعات الالتقاء ونقاط التقاطع، ولا مكان للالتقاء بين الطرفين اللذين يجب أن يشحذا أسلحتهما ويستعدا للنزال الذي تسنده مبررات كثيرة يتصورها هذا (البعض).

فمازال بعضنا يتحدث عن الآخر برؤية أحادية ضيقة، فالغرب أو الشرق كل الغرب أو الشرق بثقافته وفنونه وآدابه وسياسته واقتصاده وإعلامه ورجاله، هو غرب أو شرق واحد نقبله «دفعة» واحدة، أو نرفضه «دفعة» واحدة، ولا مجال للتجزئة، فهو إما عدو غاز أو صديق محب، ومازال بعضنا ينظر إلى ثقافة الآخر على أنها ثقافة «غزو»، لا نقبل منها صرفاً ولا عدلاً، فنحن وإياها في سجال، يوم لنا، ويوم لها، ولم ينتبه هؤلاء إلى أن الأيام صارت كلها لهم!! فنحن لا نملك من أدوات المواجهة أو صد «الغزو» ما يمكننا من ذلك وعلينا أن نرجع إلى واقعنا نتلمس منه ما نقبله وما نرفضه، فعودة إلى تراثنا وجذورنا تشير إلى أن ثقافتنا يوم ملكت مقومات القوة كانت ثقافة «مثاقفة»، تعطي أجود ما لديها، وتأخذ أجود ما لدى الآخرين، وأن جزءا من ثقافتنا لم يكن وليد بيئتنا وحدها، بل كان وليد بيئات أخرى أخذناه و«جلينا» بريقه، وأعدنا صياغته، وقدمناه للحضارة البشرية بمقوماته الإسلامية العربية، ولم يشكل ذلك نقطة ضعف أو نقص في حضارتنا، بل كان مصدر ثراء وتنوع، ونحن اليوم مدعوون أن نعيد تلك السيرة الأولى في تعاملنا مع الآخر الذي يجب أن نثق بأن ما لدينا -على الرغم من تراجعه وتوقفه- قادر على استيعاب الآخر، بل لعل من أسرار قوة الثقافة العربية الإسلامية أنها تستوعب الآخر وتتعامل معه برؤيتها وتصورها هي، لا كما يحلو لبعض مثقفينا أن يفعل، فهو لا يرى من الثقافة الغربية إلا إبداعها العلمي وتفوقها المادي، ويغض الطرف عن جوانبها الأخرى، بل يدعونا أن نركب السفينة، لأنها آخر ما سيقلع من الميناء.

فالتقدم والرقي والوعي والعلم، وغير ذلك من المفردات التي لا يمكن تناولها إلا إذا حملنا الوعاء بأكمله، نقبله كله أو نرفضه كله، فنشأ في ثقافتنا ما يمكن تسميته بثقافة الانبهار، أو الاستلاب الحضاري الذي يرمي خلف ظهره ثقافة عريقة لها موقع الصدارة، ليكون آخر الركب، مع الحاشية والخدم، وهكذا أصبحت ثقافتنا العربية المعاصرة بين خوف من «غزو» قادم وهروب إلى مؤخرة الركب الحضاري. ولقد شغلت ثقافتنا العربية خلال العقود الأخيرة بالبحث في إشكاليات كثيرة، كالحديث عن الأصالة والمعاصرة والتأصيل والحداثة، بل قفز بعضنا إلى ما بعد الحداثة، بينما شغل البعض الآخر بالحديث عن التبعية والغزو الفكري، وتحصين الثقافة، والصدام الحضاري، والتغريب، وكأن الثقافة «ضربة لازم»، أما أن تكون في أحد هذه المواقف، أو لا تكون، ولم يبحث أحدنا فيما يمكن أن يقدم للآخرين، وما يمكن أن نأخذه منهم وما ندع!!

عن جريدة الجريدة 20/8/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق