ثقبٌ في سماء الغيب

  بعض الناس يعتقدون أنّ الإسلام دين ودنيا، بعضهم يقولون إنّه دين فقط، آخرون يرون فيه أعطاباً يجب إصلاحها، كثيرون يعتبرونه مشاعر يتوجّب احترامها، وآخرون يرونه مجرّد أوهام يستوجب تقويضها.

   وإليكم ما يمكنني أن أفترضه  :

   الإسلام "دين ضدّ الدين"!

   سأشرح قليلا.

   الإسلام دين بلا سلطات دينية، بلا مؤسّسات دينية، بلا رجال للدين، بلا هرمية أو مراتب أو عقود أو تعاقدات دينية.

   وفي الحدّ الأدنى، وإذا ما استثنينا بعض الفرق الشيعية والطرق الصوفية، فقد لا نختلف حول تلك الخلاصة.

   لنقل بأنّنا لا نحتاج إلى أنّ نوثّق مواليدنا في أيّة مؤسّسة دينية، لا نشترط أن تبارك أيّة هيأة دينية زواجنا أو طلاقنا. قد يتطوّع أيّ واحد منّا للقيام بنفسه بمراسم دفن أحد والديه (بعد طول عمر طبعاً). حتى الختان فإنّه، بصرف النظر عن الموقف العلميّ منه، يظلّ إجراء طبّيا لا يشرف عليه أيّ كاهن أو رجل دين أو شيخ أو دجّال. أمّا الصلاة فمن العادة أن يؤمّها أيّ شخص بالتطوّع أو بالارتجال.

  

   بوسعي أن أضيف بأنّ الإسلام ديانة غير قابلة لأيّ تحديد.

   ولنحاول أن نوضّح ما يلزم توضيحه، من خلال التجربة التالية  :

   نكتب كلمة الإسلام وبأيّة لغة نريد. ثمّ نكتب الكلمة التي تدلّ على أيّ دين آخر (المسيحية أو اليهودية أو البوذية أو الزرادشتية…). ونقارن : سنلاحظ بأنّ الإسلام يظلّ الديانة الوحيدة التي تُكتب من دون أحرف الانتماء في آخر الكلمة (ية – isme). ما يعني أن الإسلام ليس نزعة، ليس انتماء، ليس هوية، ليس إيقونات ولا شيئا من هذا القبيل. إنّه بالأحرى دينامية "دينية" لا تتّجه نحو تجذّر الدين وإنما فقط نحو أفوله وانسحابه.

   وبهذا المعنى نفهم كيف جعل الإسلام نفسه خاتماً للأديان.

   هنا يمكنني الاستعانة بالمفكر العربيّ عبد المجيد الشرفي، لا سيما في كتابه العُمدة : الإسلام بين الرسالة والتاريخ. وبناء عليه أجدّد القول بأنّ الختم له معنيان : ختم من الداخل وختم من الخارج. الأوّل هو المعنى السائد لدى عامّة الجمهور. حيث يبدو الإسلام هو الدين الوحيد الذي يجب أن تتمسّك به البشرية إلى أن "يرث الله الأرض وما عليها". أمّا المعنى الثاني والذي يذهب إليه الشرفي فإنّه يحيل إلى الختم من الخارج. حيث تكون البشرية قد نضجت ولم تعد في حاجة لرعاية من السماء. وهكذا تنتهي مسيرة الأديان وتبدأ مسيرة الإنسان. وفي هذا المستوى يصبح الموقف واضحاً.

   نحن الآن في مفترق الطرق أمام مصيرين :

   إمّا أن نتراجع إلى مستوى أقلّ من طموحات الإسلام فنقيم مؤسّسات دينية للمراقبة والضبط والانضباط لعلّها تملأ فراغ انسحاب الله من التاريخ، وإمّا أنّنا سنذهب بمنطق الختم وبروح الإسلام إلى المدى الأبعد والأفق الأرحب.

   الاختيار الأوّل، أو الارتكاسي، يناقض روح القرآن الذي يقول : (من جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغنيّ عن العالمين). لذلك سنتقدّم خطوة أخرى إلى الأمام.

   ليس في الإسلام أيّ جدار عازل بين الإيمان والإلحاد.

   قد يبدو هذا القول غريباً أو مستغلقاً أمام عقول لا تدرك بأنّ القرآن مجرّد رموز استعارية مثل الحلم الذي ليس له أيّ معنى خارج التأويل.

   ومع ذلك فإنّ القرآن يفتح أمام المسلم إمكانية التنقّل بين الإيمان والإلحاد لعدّة مرّات. ولا يصبح هذا التنقل فاقداً للمشروعية إلاّ في ظروف المبالغة والتطرّف. تقول الآية : (والذين آمنوا ثم كفروا ثمّ آمنوا ثمّ كفروا ثمّ ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم).

   وهكذا يؤكّد  القرآن نفسه انفتاح الإسلام على أفق التنقّل بين الإيمان والإلحاد ولعدّة مرّات، شريطة عدم المبالغة والتطرّف (ازدادوا كفراً). وإذا كان قد جاز للنبيّ إبراهيم أن يعبّر عن شكّه في حقائق الدين وأن يطلب الدليل الحسّي، حتى وهو نبيّ، وإذا كان قد جاز للنبيّ موسى مثل ذالك، حتى وهو نبيّ، فسيكون بالتأكيد جائزاً لكلّ فرد أكثر من مجرّد الشك.

   وحين نصغي للقرآن نجده لا يتردّد في تعريض الإسلام نفسه لإمكانية الشك فيه، ولنرخ السمع إلى صوته الهادئ وهو يناجي أهل الديانات الأخرى ونفسه قائلا : (إنا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين).

   هذا الدين الخاتم للأديان ليست فيه طقوس وشعائر تضبط الدّخول إليه. لا يخضع المواليد والأطفال لإجراءات تحدّد عضويتهم وانتماءهم إلى الديانة السائدة : ليس هناك ما يقوم مقام التعميد عند المسيحيين، أو المصبتة عند الصابئة، أو طقوس الحياة كما الحال في الهندوسية… وبعد ذلك فإنّ المسلمين، عندما يعتبرون الإسلام دين الفطرة، فإنّهم يجعلونه أيضاً بلا قواعد اشتراطية وبلا دوائر تفصل الداخل عن الخارج.

   الإسلام دين لإمكانية الحياة بلا دين. أهكذا!

   حين أقول بأن الإسلام مفتوح على أفق الإلحاد فليس القصد التحريض على الإلحاد أو الإساءة للمشاعر الدينية المرهفة كما حسب البعض. ذلك أنّي أنطلق ابتداء وأعتقد أخيراً بأنّ الحديث عن دائرة للإيمان مقابل دائرة للإلحاد مجرّد أسطورة. هذه الأسطورة إن لم يفلح الفكر المعاصر في تجاوزها فهي لا تصمد أمام طبيعة الإسلام.

   لقد انهار المنطق الأرسطي ثنائيّ القيم في جلّ المجالات تقريباً عدا مجال واحد، هو الدين. هنا ما نزال نلحّ على تصوّر وجود دائرة كبرى للإيمان ينافح عنها الكثيرون ودائرة صغرى للإلحاد ينافح عنها البعض. وفي المحصّلة الأخيرة فإنّ كلا الفريقين خاضعان للمنطق ثنائيّ القيم : إمّا ألف وإمّا باء.

   وحسبنا أن نقول بأنّ ثنائية القيم قد ساهمت في بروز واستقواء الفكر العدمي الذي يبدو وكأنه ما يزال يشدّ بتلابيب الكثير من الأوساط المحسوبة على الفكر الحداثي. ذلك أنّ منطق "إمّا ألف وإمّا باء" قد ارتبط بعالم ثابت من عيار العالم القديم. أمّا في عالم مليء بالانهيارات وموسوم بانعدام اليقين مثل عالمنا اليوم، فإنّ كلّ انهيار متوقّع لأحد الحدّين المفترضين ينتهي مباشرة إلى الوقوع في الحدّ الثاني المرفوض ابتداء.

   حين ينشأ المرء داخل كنيسة تعلّمه أنّ الشعور بالحياة الخالدة بعد الموت هو البديل الأوحد عن الشعور بالعدمية واليأس، فإنه، متى فقد شعوره بالإيمان فسيقع فوراً في مستنقع الشعور بالعدمية.  حين أعتقد بأنّه إمّا أن يكون الخالق موجوداً وإمّا أنّ الحياة بلا معنى، فإنّي متى لم أعد أشعر بوجود الخالق فسأشعر بانعدام معنى الحياة. هنا القضايا المنطقية ليست مجرّد ترف صوريّ.

   بهذا المعنى يحدّد نيتشه العدمية بأنها حالة العالم والوعي عقب تبدّد وعود الخلاص الديني  والرعاية الإلهية.

   بيد أنّ المعضلة لن تتوقّف عند هذا الحدّ.

   عقب تبدّدها، انتقلت وعود الخلاص الدينيّ إلى مجال التاريخ، لا سيما مع هيجل وماركس. هذا الأخير أعاد توجيه أحلام الخلاص نحو المجتمع الشيوعيّ (مجتمع من كلّ حسب إمكانياته ولكلّ حسب حاجياته) وانتقلت الرعاية الإلهية إلى مجال الدولة، فأذنت بظهور ما اصطلح عليه بدولة الرعاية الاجتماعية (مجتمع الرفاه الاجتماعي).

   هذا يعني أنّ الخلاص والرعاية انتقلا من السماء إلى الأرض. وكان هذا أعظم إنجاز للقرن العشرين.

   لكن عقب انهيار المعسكر الشيوعي وانبثاق العولمة الرأسمالية، دخلنا مرحلة الانهيار الثاني، وربما الفعليّ والأخير، لمبدأي الخلاص والرعاية. وبهذا بلغنا في الأخير ما سبق أن تنبّأ به نيتشه حين ارتأى بأنّ "موت الله" قد يقود إلى نوع من الكارثة.

   وإن كان الخلاص الشيوعي والرعاية الاجتماعية الليبرالية قد ساهما في التخفيف من حدّة انهيار الخلاص الديني والرعاية الإلهية، ولو لحين من الدهر، إلا أنّ انهيارهما قد أعاد تحذير نيتشه إلى الواجهة.

   إنّ كثيراً من الفلاسفة والمفكرين الغربيين اليوم، كما يؤكّد مشيل أونفراي، باتوا "يعتقدون بأنّ البديل عن العدمية التي تسم عصرنا لا يتمثّل في الانتقال إلى مرحلة ما بعد المسيحية وإنّما إعادة قراءة علمانية ومن الداخل لمضمون ورسالة المسيح"(1).

   يذكر مشيل أونفراي من بين هؤلاء فلاديمير يانكيليفيتش، إيمانويل ليفيناس، وبرنارد هنري ليفي. وإذا استبدلنا مصطلح العلمانية بمصطلح العقلانية، فبوسعنا أن نضيف إليهم الحبر الأعظم للفاتيكان والكثير من رجال الدّولة مثل توني بلير ونيكولا ساركوزي وغيرهما.

   يندرج مجهود أونفراي، والذي يصنّف نفسه ضمن فلاسفة اليسار النيتشوي، ضمن محاولة إعادة تأسيس الأخلاق بعيداً عن الدين وبعيداً عن العدمية أيضاً. وإن كان يحقّ لنا أن نستلهم روح هذه المحاولة الطموحة إلا أنّنا نتساءل : حين يقترح أونفراي، كبديل عن الدين والعدمية، أن تقوم الأخلاق على أرضية "ما بعد مسيحية"(2)، أفلا يعبّر ذلك المخرج عن وقوع فيلسوف (علم الإلحاد) في الأنموذج العلمانيّ الغربيّ الذي يجعل الطريق الوحيدة للخروج عن الدين لا تمرّ سوى عبر تجاوز المسيحية الغربية ومن الداخل؟

   كثير من الغربيين (وربما أكثرهم) خاضعون لذلك الأنموذج الذي يعتقد بأنّ المرء لا يمكنه أن يكون علمانيا إذا لم يكن من خلفية دينية مسيحية (يعبّر عنها أو يسعى لتجاوزها) ومن بيئة ثقافية غربية.

   إنه أنموذج على درجة كبيرة من الهيمنة على الفكر والنشاط السياسيين في الغرب. وإليكم بعض الشواهد التي نستدعيها من الماضي القريب.

   يعبّر القانون الفرنسي حول منع الرّموز الدينية داخل مؤسّسات التعليم العمومي عن تقدّم في معركة العلمانية. لكن ما لم ينتبه إليه أغلب الناس أنّ الأنموذج العلماني الذي يمنح نوعا من "التمييز الإيجابي" للمسيحية ظلّ حاضراً في أهمّ مراحل السجال حول مشروع القانون.

   ففي عام 2003 قام الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بتعين لجنة استشارية يترأسها برنار ستازي. وبعد أن استمعت إلى مختلف الفاعلين والهيئات والمهتمّين بالموضوع، أصدرت في الأخير تقريرها الشهير الذي اعتمد كخلفية لصياغة مشروع القانون.

   ورد في هذا التقرير ما يلي :

   تتميّز فرنسا اليوم بالتعدّدية الروحية والدينية، لذلك يجب على السلطات العمومية أن تستخلص جميع النتائج الضرورية من أجل تيسير ممارسة مختلف الشعائر، لكن "من دون المساس بالوضعية التاريخية التي تتمتّع بها الثقافة المسيحية داخل المجتمع"(3).

   وانسجاما مع منطق الامتياز العلمانيّ للمسيحية، فقد اعترف برنار ستازي أمام بعض وسائل الإعلام قائلا : "أنا مسيحيّ لكنّي في العمق علمانيّ. نحن نحبّ الله بيد أنّ على الديانات أن تعلّمنا كيف نحبّ الآخرين المختلفين عنا"(4).

   وفي نفس السياق تتجه شهادة أخرى :

   خافيير لوموان، عمدة مدينة مونفيرمي، معروف بدفاعه المستميت على العلمانية، إلى درجة أنه لا يقبل أن يعقد قرانا داخل بلديته لأيّ فتاة ترتدي الحجاب. وهذه الجوانب كانت ستبدو مقبولة فيما لو لم يكن هناك نوع من الامتياز للمسيحية. ولنصغ له في أحد حواراته مع صحيفة إسرائيلية يقول : "أنا فرنسيّ كاثوليكيّ وفخور بذلك"(5). هل مبعث فخر الرجل فرنسيته أم كاثوليكيته؟ لسنا ندري. لكن ما نعلمه عن الرجل أنه منسجم مع أنموذجه حين لا يتردّد في اختتام اجتماعات المجلس البلدي الذي يترأسه (في دائرة سان دوني) بدعاء الختم "لتكن السماء معنا"(6).

   هذه السماء المحاذية والمحايثة لاجتماعات المجالس البلدية، والتي ترسم درب الرعاية وطريق الخلاص، في وقت ما عاد فيه التاريخ حاضنا للخلاص وما عادت الدولة ضامنة للرعاية، هذه السماء الراعية والحاضنة تجعل طريق الخروج عن الدين في الغرب ما يزال محفوفاً بخطر العدمية.

   ودعنا نقلْ بوضوح الآن :

   إن كانت إمكانية إعلان "موت الله" في الإسلام محاولة غير إجرائية، طالما أنّ الله منسحب ومتعال، إلا أنّ اختفاء فكرة الله عندنا لن تقود بالضرورة إلى مشكلة العدمية كما حدث في الغرب. بل وبخلاف ذلك فإنّ ما يهدّد المسلمين بعصر عدميّ قاتم هو الاستحضار القويّ لله ضدّاً عن تعاليه المبدئي.

   هذا وفي الوقت الذي يحتل فيه مبدءا الخلاص والرعاية معظم صفحات الأناجيل الأربعة والرسائل، إلا أنّهما لا يمثلان داخل القرآن أكثر من حضور هامشيّ قد لا يذكر.

   لذلك..

   فإنّ انهيار مبدأي الخلاص والرعاية، سواء تعلّق الأمر بالله أو التاريخ، بالسماء أو الأرض، بالدين أو الدولة، لا يمثّل بالنسبة للمسلم أية خسارة "روحية" قد تقوده نحو العدمية، عدا أن يحدث شيء من ذلك لبعض المثقفين من باب استعارة الأنموذج الغربي.

   تجربة الإلحاد في الإسلام ممكنة ولا تمرّ بالضرورة عبر نفق العدمية. وهذا مجمل ما أقصد قوله.

الهوامش:

1- Michel Onfray, Traité d’athéologie, Grasset, 2005, p : 92.


2-   Michel Onfray, Traité d’athéologie, Grasset, 2005, p : 93.


3-  يمكن الاطلاع على نص التقرير في  Le monde , 12 décembre 2003.


4-  Le monde 2 juillet 2003.


5-   هاريتس 9 يونيو 2006


6-  Libération 15 juin 2006.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This