ثقـافة الـردّة والفـكـر المختلـف – وليد ك. الخوري

تحكي واقعة الخلافة بملابساتها المختلفة، قصة التواشج بين العنف والمقدس والتاريخ، وتؤسس لما بعدها من الوقائع والأحداث على امتداد التجربة السياسية الاسلامية، فأضحت، بخصائصها الشرعية والتدبيرية، موضوعا للصراعات على تعدد وجوهها وتنوّع مشاربها، ومحركاً للفكر على تباين ثمراته وتباعد تجلياته، ويستوي النص الديني، قرآنا وسنّة، مع هذا المناخ العابق بالسجال المحموم، عباءة يستظلها كل ساع، في قراءته هذا النص، الى معان وأحكام يحتجّ بها في ترجيح الإستخلاف أو الشورى، الحقية لعلي أو لغيره، أو للتعبير عن رأيه في مسألة من المسائل، هي موضوع اختلاف او خلاف، إنه تاريخ طويل ومعقّد يتماهى فيه الديني والزمني، وتحركه في كل الاتجاهات لعبة القبض على المعنى من أجل الفوز بالجنتين: السلطة في الدنيا والنجاة في الآخرة.

الإتفاق والإجماع على القرآن الموحى، والإختلاف على تفسيره،
الإتفاق والإجماع على النبي الرسول المبلّغ، والإختلاف على خلافته،

إشكالية متعددة الرأس حكمت العلم والعمل على امتداد التاريخ الاسلامي، وعبّرت عن نفسها في المذاهب والفرق والتيارات، في الملل والنحل، في العلوم الحادثة التي نمت وتطورت على هامش النص الديني، في اصول الفقه وعلوم الحديث والتفسير، في علم الكلام والتصوّف، وقد بلغت حدتها في الموقف من العقل ودوره في بناء المعارف وإنتاج الأفكار، واستقلاله في الحكم على الأفعال والوقائع، العقل باعتباره ملكة خلاّقة، تنماز بآليات مخصوصة، تبني من خلالها وبواسطتها، مقدمات النظر والحكم. كان هذا الموقف محك قياس هامش الخروج على سلطة النص المطلقة، وحقله الدلالي السائد، وإشارة الى مدى تقبل الفكر المختلف الذي قد يُنتجه هذا العقل بأدواته البرهانية، أو تفيضُ به تجارب العرفان أو يؤدي اليه أيّ نظام معرفي آخر لا ينطلق من النص الديني كمقدمة كبرى، تتعالى بفعل قدسيتها على البحث في شروط إنتاجها.

هذا التداخل بين الديني والسياسي، فتح الباب واسعا امام توظيف الأحكام القرآنية والأحاديث النبوية واستثمارها في الصراعات الدائرة على الجبهات كلها، الإعتقادية والسياسية والمعرفية، وأحكام الردة، لم تنجُ من لعبة إقحامها في دعاوى حماية الإسلام والدفاع عن العقيدة، هذه اللعبة التي أتقنها الجميع: سنّة وشيعة وخوارج، معتزلة وأشاعرة، متكلمين وسلفيين واصلاحيين… الخ.

تقف هذه المداخلة(•) عند عتبة الإجتهادات الفقهية ومدارسها المتعددة بشأن تطبيق أحكام الردة، لا تطمح الى تفسير أسبا بها التاريخية أو البحث في نياطها العقيدية، وتكتفي بالنظر اليها في كونها نصاً مقدساً بين النصوص القرآنية التي تدرّس في المدارس الدينية ويجري تلقينها للأطفال في دورات لحفظ القرآن، تنظمها المرجعيات الشرعية وتشرف عليها، ويعود اليها المؤمنون في حياتهم اليومية، سعياً الى ضبط سلوكهم وتقويم التزامهم واستقامة صراطهم، لكنه نص يحمل في ظاهره معاني عنفية عقابية، لا يمكن تجاوزه عندما يكون عنوان هذا المؤتمر “العنف المقدس…”. لقد ساهمت هذه الأحكام الى حد كبير في بناء ثقافة معادلة لحق الإختلاف في الفكر والرأي ترى الى المسلم المختلف في قراءته للنص القرآني، أو للنصوص الثواني التي لحقها ما لحقها من قدسيته، أقول ترى اليه، في ما توسلت به هذه القراءة من أدوات معرفية، وما استثمرته من ثراء ثقا في، تهديدا للعقيدة، ومهباً لرياح التشكيك، وغير المسلم، في بحر هذه الثقافة، يعتريه القلق ويداخله الخوف، لأنها تغتذي من روافد نصية لا تترك له فرصة الإطمئنان الى وجوده وفكره ومعتقده. ان مراجعة سورة التوبة، لاسيما الايتين (5و29)(1) وأحكامها المطلقة، المتعالية بأصلها وحقيقتها، على الزمان والمكان، تبقيها مصدرا لتوظيف، يضرب في الكثير من صيغه وتجلياته، حقوق الانسان. يقول محمد أركون في سياق تفكيكه للآية الخامسة من سورة التوبة: “نستطيع أن نفهم بسهولة لماذا تحرج هذه الآية المسلمين الذين يؤمنون بالمفا هيم الحديثة لحقوق الانسان والحرية الدينية وحرية الرأي الشخصي في التفحص الحر او التفكير الحرّ”(2). جاء تعليق أركون تأكيداً لما نصت عليه الما دة(18) الفقرة 1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية: لكل فرد الحق في حرية الفكر والضمير والديانة، ويشمل هذا الحق حريته في الإنتماء الى أحد الأديان أو العقائد باختياره، وفي أن يعبّر منفرداً أو مع آخرين، بشكل علني أو غير علني، عن ديانته او عقيدته، سواء كان ذلك عن طريق العبادة أو التعبد أو الممارسة أو التعليم”، كما جاء في الفقرة 2 “لا يجوز إخضاع احد لإكراه من شأنه أن يعطل حريته في الانتماء الى أحد الأديان أو العقائد التي يختارها”.

لا شك في ان هذه المفاهيم المعبرة عن قيم إنسانية جامعة، والتي صاغها العقل شرعة تحمي حقوق الانسان، تستوي في أصلها ومضمونها، نقيضاَ لمبدأ الردة وحكمها. يقول الغزالي في تعريفه للحكم: “إنه عبارة عن خطاب الشرع إذا تعلق بأفعال المكلفين، إنه امر من الشارع الذي هو الله، الى المحكوم عليه وهو المكلف، باقتضاء الفعل او الترك، فاذا كان الأمر باقتضاء الفعل مع إشعار بالعقاب على الترك، فهو الواجب، واذا كان الأمر باقتضاء الترك مع إشعار بالعقاب على الفعل فهو المحظور…” ثم يضيف “لا حكم للأفعال قبل ورود الشرع، والعقل لا يحسّن ولا يقبّح(3).

مع هذا النص يكون الغزالي قد عبّر بوضوح تام عن شمولية سلطة النص الديني وإطلاقيته، فجعل العقل تابعا له، يستصحبه، نافيا الشرعية عن كل حكم يستحسنه العقل أو يمضي اليه استصلاحا (الاستحسان والاستصلاح من الأصول الموهومة) اذا لم يكن مناطه الأصل الديني، وحجته ان “الأحسن” و”الأصلح” يقعان فيما أراده الله وأوحى به في كتابه العزيز. وعليه، ينحصر دور العقل في قياس الفرع على الأصل، بتوسط علة تسمح بتعدية حكم الأصل الى الفرع. في ضوء هذا التعريف يكون حكم الردة واقعاً في باب الواجب الذي يعاقب على تركه، فترك الاسلام بترك مبادئه ومفارقة الجماعة، هو كفر يرتب على التارك العقاب، وهو الى ذلك، اصل يُبنى عليه في الحكم على أفعال، يرى فيها الخطاب الديني السائد، خروجا على العقيدة الاسلامية، فيحمل فاعلوها اوزارها في الدنيا والاخرة.

اما الردة، فهي فعل المرتد، الذي عرّفه الرسول بقوله: “المرتد هو التارك لدينه، المفارق للجماعة”(4) وهي بهذا المعنى تشترك مع ا لأصل اللغوي الذي يفيد الرجوع(5). يقول النيسابوري في سياق كلامه على الردة: واعلم ان الردة أغلظ أنواع الكفر حكماً، وإنها تحصل بالقول الذي هو كُفر، كجُحد مُجمع عليه، وكَسَب النبي، واخرى بالفعل الذي يوجب استهزاء صريحاً بالدين، كا لسجود للشمس او الصنم وإلقاء المصحف في القاذورات، وكذا لو اعتُقد وجوب ما ليس بواجب(6). ويرد في “فقه الامام جعفر الصادق” للشيخ محمد جواد مغنية “إن المرتد هو من يرغب عن الاسلام وكفر بما أنزل على محمد…(7) ، ويذكر الشيخ الأردبيلي، أن “الإرتداد يتحقق في مسلم بالغ، عاقل، إما بفعل دال عليه مثل عبادة غير الله… وإما بقول دال على الخروج على الإسلام والإهانة بالشرع والشارع والإستهزاء به، سواء كان عناداً او سخرية او اعتقاداً… أو يُنكر ما علم من الدين ضرورة مثل إنكار وجوب الصلاة والصوم والزكاة… وإما بمجرد الهزل والمُزاح(8).

ويرد في التنزيل، بشأن المرتد، جملة من الأحكام(9) منها قوله تعالى: “من يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر، فاولئك حبطت أعمالهم في الدنيا وفي الآخرة، وأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون” (البقرة، 217)، وفي سياق تفسيره لهذه الآية يقول الطبري: من يرجع منكم عن دينه، دين الاسلام فيمت وهو كا فر، وهو باق على الردة، فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا، يعني بطلت وذهبت، وبطولها، ذهاب ثوابها، وبطول الأجر عليها، والجزاء في الدنيا والآخرة، وقوله: وأولئك هم فيها خالدون، يعني الذين ارتدوا عن دينهم، فماتوا على كفرهم، هم اهل النار المخلدون فيها… من غير امد ولا نهاية (الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، ج1، ص. 207)…” ويضيف النيسابوري، أما في الدنيا… “لا يستحق من ا لمؤمنين موالاة ولا نصرا ولا ثناء حسنا، وتبين زوجته، ويحرم الميراث، واما في الاخرة فيكفي في تقريره قوله تعالى: وأولئك اصحاب النار فيها خالدون”(10). وفي حديث للرسول، عن يحيى بن مالك، أنه قال: “من غيّر دينه فاضربوا عُنقه”، ويعلّق مالك بن أنس على قول النبي أن المعنى المراد” من خرج من الإسلام الى غيره(11).

لقد استثمر الخطاب الديني القديم والمعاصر تراثاً كثيفاً من هذه النصوص التي تحمل طابع التقديس، في نشر ثقافة يسود فيها جهاز مفاهيمي، من سماته التكفير والتبديع والتأثيم والتنجيس، ثقافة، ذهب روادها بعيدا في التوسع بمعنى التارك للدين والمفا رق للجماعة في تعريف المرتد، فإذا بالمعنى يخرج عن صيغة المطابقة التي تعني الخروج بالقلب واللسان والجوارح، الى صيغة اقتصر فيها المعنى على مجرد الإختلاف بالرأي، فأضحى معها كل مختلف، عن ثوابت هذه الثقافة، في فهمه للدين، او في قراءته لركن من أركانه، أو في تأويله لحكم من أحكامه، او في نظره المخصوص الى قيمة من قيمه، بمنزلة التارك للدين والمفارق للجماعة، والخطاب المنسوج بخيوط هذه الثقافة، يشهد بمنطوقه ومعقوله، على المنسوب العالي للعنف المادي والمعنوي الذي تختزنه هذه الثقافة.

لن أتوقف عند الظواهر العنفية في القول والفعل التي ولّدها التوسع بمعنى الترك والمفارقة، لاسيما بين الروافض والنواصب، وما خلفته التأويلات المتبادلة، من مآس، لا تزال الى اليوم، ماثلة في الأذهان وفي الأعيان، تجتاح الأدبيات السياسية والعقيدية لكلي الطرفين، وتُهيمن على الاستراتيجيات التربوية والتثقيفية والسلوكيات اليومية لكل منهما. لقد أفاض جورج طرابيشي(12) في تسجيل وقائعها وتقصي حقائقها وأبعادها، وإبراز مساحاتها الحبلى بالعنف والعنف المضاد، والحافلة بسجالات الردة ومستتبعاتها العقابية.

لقد مُني الفكر المختلف بضربات قاصمة، جراء استفحال هذه الثقافة التكفيرية، لعل أضناها وقعا في ما لقيه الفلاسفة ولقيته الفلسفة، على يد حجة الاسلام الغزالي. لقد صدّر كتابه الشهير “تهافت الفلاسفة” بالاتي: “فإني رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد من الفطنة والذكاء، وقد رفضوا وظائف الاسلام من العبادات واستحقروا شعائر الدين من وظائف الصلوات والتوقي عن المحظورات واستهانوا بتعبدات الشرع وحدوده، ولم يقفوا عند توقيفاته وقيوده، بل خلعوا بالكلية ربقة الدين بفنون من الظنون، يتبعون فيها رهطا يصدون عن سبيل الله ويبغونها عِوجا، وهم بالآخرة كافرون… وإنما مصدر كفرهم سماعهم أسامي كسقراط وأبقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وأمثالهم… (ويضيف) ولا يُعدون إلا من زمرة الشياطين والأشرار…”.(13)

رسم الغزالي في هذا المدخل، خطوطا حمرا، من يتجاوزها من أهل الفكر، من المسلمين، يضع نفسه في مهب التكفير، والفلاسفة، في قولهم ان الله لا يعلم الجزئيات، وأن العالم قديم، وأن الحشر للنفوس لا للأجساد، قد وقعوا في المحظور، وأصاب الفلسفة ما أصابها، ويصيبها الى اليوم، جراء تكفيرهم، بعد القدح بشرعية عقلهم البرهاني، والسؤال الذي يتبادر الى الأذهان: ألم يكن حجة الإسلام، في هذا الموقف التكفيري من الفلاسفة، واحدا من واضعي اللبنات الأولى لثقافة الردة، وبداية من بدايات التنظير لهذه الثقافة؟ لاسيما ان هذه المسائل، بحسب إبن رشد “ليس يمكن أن يتقرر “إجماع فيها حتى يقال هنا خرق للإجماع،”، ففي مسألة العلم الإلهي، على سبيل المثال، يرى ابن رشد ان “الحكماء المشائين، أتباع أرسطو، لا يقولون إن الله لا يعلم الجزئيات أصلا، بل يرون أنه يعلمها بعلم غير مجانس لعلمنا بها، ذلك ان علمنا للأشياء معلول لهذه الأشياء، فنحن لا نعلم إلا ما هو موجود، فوجود الأشياء سابق لعلمنا، “أما علم الله، فهو علة لوجود الأشياء، وبالتالي فهو سابق عليها، وإذن فلا معنى لمقارنة علمه تعالى بعلمنا نحن، ولا معنى لوصف علمه تعالى بأنه جزئي او كلي، كما نصف بذلك علمنا نحن، فإذن فلا معنى للإختلاف في هذه المسألة، مسألة تكفيرهم أو لا تكفيرهم(14).

هذا النمط من الفكر الديني الذي قدمه حجة الاسلام، بلغ مدى اوسع مع ابن تيمية، وبات الأحمر مرسوماً بالخطوط العريضة، يقول: “ومعلوم بالإضطرار من دين المسلمين، أن من سوّغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد فهو كافر، وهو كافر من آمن ببعض الكتاب وكفر. ببعض الكتاب كما قال الله تعالى: “ان الذين يكفرون بالله ورسوله، ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويريدون ان يتخذوا بين ذلك سبيلا، اولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا لهم عذابا مهيناً ويضيف: واليهود والنصارى داخلون في ذلك، وكذلك المتفلسفة يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ومن تفلسف من اليهود والنصارى، كُفره من وجهين” (عزيز العظمة: ابن تيمية… رياض الريس للنشر، بيروت، 2000، ص. 99).

تقع هذه الإشارات التكفيرية موقعاً داعماً ومصلبا لمبدأ معاقبة المختلف، المختلف في فكره وتفكيره، في رأيه الحر المباين، وهي بهذا المعنى، تعزز ثقافة الردة، وتقوي سندها في الحجاج والتبرير وتساهم الى حد كبير في تسوية الأرضية التي تقف عليها الحركات الاسلامية التي ترفع شعار “الاسلام هو الحل” وتعمل له من خلال تنظيمات حزبية، وتدعو الى تبنيه في خطابها الذي يتماهى فيه الديني والسياسي تماهياً حادا، والذي طبع هوية العصر السياسية والثقافية بعد فشل الايديولوجيات القومية والماركسية كما في رفع التحديات التي تواجهها غالبية المجتمعات الاسلامية، في السياسة والتنمية والحرية والعدالة. لم يتردد هذا الخطاب في تسويغ ثقافة الردة دفاعا عن الشريعة الاسلامية، في وجه جاهلية تمثلت في حكام احجموا عن تطبيق احكامها، ومسلمين سكتوا وتواطأوا ومفكرين ضمّنوا كتاباتهم ما يبعث على الشك في عدالة مبادئها وسمو مقاصدها، وفي كونها المعبر الوحيد الى الخلاص من عذابات الدنيا والآخرة، جميعهم شاركوا في السعي الى استبدال حاكمية الله بحاكمية الانسان، وفي ذلك كل الافتئات على الالوهية، ودعوة الى الحكم بغير ما انزل الله، وهو ذروة الكفر. ويرتب سيد قطب على نظرية الحاكمية الالهية التي صاغها المفكر الاسلامي ابو الاعلى المودودي، بعد استحضار بذورها من تراث الخوارج، نتيجة مفادها ان “حاكمية البشر، إن حدثت فهي منازعة لحاكمية الله، وذلك كفر بالله كفرا بواحا” ويضيف ان الحاكمية من خصائص الالوهية من ادّعى الحق فيها فقد نازع الله اولى خصائص الوهيته، سواء ادعى هذا الحق فرد او طبقة او حزب او هيئة أو امة او الناس جميعا في صورة منظمة عالمية”. وترتفع وتيرة الخطاب القطبي فيقضي “بأن منازعة الله الحكم، تُخرج المنازع من دين الله حكما… لأنها تخرجه من عبادة الله و حده، وهذا هو الشرك الذي يُخرج اصحابه من دين الله قطعا… كذلك الذين يقرّون المنازع على ادعائه ويدينون له بالطاعة وقلوبهم غير منكِرة لاغتصابه سلطان الله خصائصه، فكلهم سواء في ميزان الله (15).

هذه الثقافة المسكونة بتواد سافر بين السياسة والعنف والمقدس، أوجدت مناخاً اسلامياً مغالياً في تعسفه الإيديولوجي سهّل عملية الانقضاض على المختلفين معها من أهل الفكر والإبداع، المتباينين عنها في وعيهم لقيمة الحياة، في قراءتهم للنصوص الدينية وفي نظرتهم الى المعرفة وتعدد مصادرها، وفي موقفهم من الحرية واعتبارها قيمة ذاتية للإنسان، فرمى دعاتها العديد من المفكرين والمبدعين بتهمة الردة، على خلفية الإعتقاد ان “كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار”(17) بعد أن ذهبوا بعيداً في تفسير هذا الحديث، فجعلوا الإحداث وما يترتب عليه من ضلالة في ميدان العبادات، ينسحب على كل تحديث أو تجديد في العلوم والمعارف وإبداع في الفنون على أنواعها. فالحكم على سلمان رشدي(18) بالردة، لم يلتفت مطلقوه الى كون “آيات شيطانية” رواية فنية أدبية، تحكي هموماً وهواجس تشارك المؤلف فيها، فئات واسعة من الناس، فكانت الفتوى بقتله، قتلاً للعقل وللمخيلة، ولتجربة المؤلف، بعناصرها المادية والروحية، وبشروطها الثقافية والاجتماعية والتاريخية، التي ساهمت جميعها في انتاج هذا العمل. لقد بلغت فتوى الامام الخميني بحق سلمان رشدي، من العنف مبلغا يكشف سماكة الحجاب الذي تتمترس وراءه ثقافة الردة، وخطابها المستعلي على الانسان وما يختزنه من طاقات ابداعية خلاقة، فتوى “عابرة للقارات” كما يقول صادق جلال العظم، باهدار دم مفكر وكاتب، واعتبار تنفيذها واجبا على كل مسلم يتمكن منه. والمسلم الذي يقتل في سبيل اداء هذا الواجب، يعد شهيداً وينال الخلود في الجنة. يعلق العظم على استفحال هذه الثقافة بالآتي: “تواصل قوى الظلام التي اغتالت المفكرين حسين مروة وحسن حمدان، جهادها ضد العقل والمدافعين عنه، فتحرق الكتب وتعدم كل من كتب كتابا لا يعجبها” وهو في هذا التعليق، يصدر عن دراية عميقة بما آل اليه التراث العقلاني المختلف، كما تجلى في كتابات المعتزلة وابن رشد وابن عربي والفلاسفة عموما، ولم يتردد نصر حامد ابو زيد في مقارنة هذه الفتوى بموقف بعض رجال الكنيسة من الفيلم السينمائي “الاغراء الاخير في حياة المسيح” الذي وصفه بالموقف المستنير لأنهم رفضوا بشدة مجرد المطالبة بوقف عرض الفيلم او مصادرته بدعوى انه يعرض صورة عن المسيح تتناقض مع ما ورد في النصوص الدينية، وكانت وجهة نظرهم، ان المسيحيين المؤمنين انفسهم، قادرون على اسقاط هذه الرواية بالامتناع عن مشاهدتها ومقاطعة العرض”، ورأى في هذا الموقف تخليا عن “منطق الوصاية” الذي يصر رجال الدين عندنا على ممارسته على العقول والقلوب (19).

لقد طبعت ثقافة الردة الخطاب الديني المعاصر حمل بعضه عنفها بالقول والفعل، وسلطه على العقول المستنيرة والكتابات المجددة، ولعل في تجربة نصر حامد ابو زيد الذي اكتوى بنار هذا الخطاب ما يساعد على تلمس معاناة الفكر المختلف، واستشراف مستقبله. انطلق ابو زيد في قراءته للخطاب الديني، من نقد مبدأ تركيزه على حاكمية النصوص في مجالات الواقع والفكر كافة، وقصر الاجتهاد على الفروع دون الاصول، فيكون بذلك قد جمدها وقضى على حيويتها، ويكون قد قضى في الوقت نفسه على المصالح المرسلة والمقاصد الكلية فيعيدها الى النصوص مرة اخرى، وبالمفهوم الذي يطرحه لها مع انها مبادىء لتأويل النصوص… “فالواقع بحسب تعبيره هو الاصل، ولا سبيل لاهداره من الواقع تكوّن النص ومن لغته وثقافته صيغت مفاهيمه، ومن خلال حركته، بفاعلية البشر تتجدد دلالته فالواقع اولا والواقع ثانيا والواقع ثالثا(20)”.

اجتهد نصر حامد ابو زيد في كتاباته(21) بأدوات منهجية حديثة، في سبيل تثبيت هذه المقدمة، فاستغل ابناء ثقافة الردة اجتهاده واعماله، وجلهم زملاء له في جامعة القاهرة، واتهموه بالردة وادعوا عليه بالآتي: نشر عدة كتب وابحاث ومقالات تضمنت، طبقا لما رآه علماء عدول كفرا يخرجه عن الاسلام الامر الذي يعتبر معه مرتدا ويحتم أن تطبق في شأنه احكام الردة، حسبما استقر عليه القضاة”. وفي تفصيل بعض ما جاء في الادعاء، ان المفكر المدعى عليه، نشر كتابا عن “الامام الشافعي وتأسيس الايديولوجيا الوسطية” تضمن العداوة الشديدة لنصوص القرآن والسنة، عندما قال: آن أوان المراجعة والانتقال الى مرحلة التحرر، لا من سلطة النصوص وحدها بل من كل سلطة تعوق مسيرة الانسان في عالمنا، علينا ان نقوم بهذا الآن قبل ان يجرفنا الطوفان، والنصوص المقصودة كما يقول واضع التقرير (الدكتور محمد بلتاجي حسن، استاذ اصول الفقه وعميد كلية دار العلوم في جامعة القاهرة) هي القرآن والسنة، ثم يسترسل في سرد مواطن الانحراف في هذا الكتاب، مشيرا الى ان المؤلف، انكر على الشافعي تحويل العقل العربي الى عقل تابع، يقتصر دوره على تأويل النص واشتقاق الدلالات منه، على خلفية اعتقاده ان القرآن يدل بطرق مختلفة، على حلول لكل المشكلات والنوازل التي وقعت ويمكن ان تقع في الحاضر او في المستقبل، ويخلص الى الاستنتاج ان تأسيس مبدأ تضمن النص حلولا لكل المشكلات – تاسيسا عقلانياً يبدو كأنه يؤسس بالعقل “الغاء العقل” ما يعني بحسب قراءة صاحب التقرير لهذا الكتاب، ان ابقاء العقل لا بد معه من رفض النص والجمع بين الامرين غير ممكن وان الذين يستسلمون للنصوص الشرعية على ان فيها حلولا لكل المشكلات قد الغوا عقولهم(22) وتطول ثقافة الردة الممثلة بأصحاب الادعاء بكتاب “مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن” فيعلن واضع التقرير حول مضمونه (الدكتور اسماعيل سالم عبد العال) انه ينطوي على كثير مما رآه العلماء كفرا يخرج صاحبه عن الاسلام ومن علامات الكفر فيه قول المؤلف ان الاسلام دين عربي… وهذا القول يعارض آيات في القرآن، تشدد على عالميته (“تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا” اول سورة الفرقان) واعتباره ان النص القرآني في حقيقته وجوهره منتج ثقافي. في ضوء هذه الحيثيات الاتهامية، انتهى الادعاء الى اعلان المفكر نصر حامد ابو زيد مرتداً عن الاسلام، طبقا لما استقر عليه القضاء واجمع عليه الفقهاء، ولأن الردة سبب من اسباب التفريق بين المرتد وزوجته، صدر الحكم بالتفريق بينهما وتبلغاه وجاهيا امام محكمة الجيزة الابتدائية بتاريخ 10/1/96(23).

وبعد انها اشارات الى بعض مبتنيات ثقافة الردة فيها بعض من الحكاية، حكاية الفكر المختلف، يجلد هذه المرة بسوط هذه الثقافة لكن اسواطا اخرى لم تقصر في النيل منه، على امتداد تاريخ الفكر الشمولي فتصفية المنشقين عن عقيدة من العقائد والتنكيل بالمختلفين معها في الاصل، كلها وقائع، تملأ الكثير من تجارب الاحزاب والمنظمات والطوائف، في كل منها كمن طيف من اطياف الردة، بل سيف من سيوفها في حده الحد من التشكيك بمبادئها والاختلاف معها لأن الاختلاف اول عوارض “الترك والمفارقة”.

انها ايضا تنبيهات الى الآثار المدمرة التي تحدثها ثقافة الردة في مجتمع متعدد الديانات والمذاهب والثقافات عندما تستغل في خطابها التكفيري معاني العنف والعقاب التي تحملها بعض الآيات والاحاديث، وتقدمها على آيات واحاديث تدعو الى الحوار والتسامح(24) ولعل في عنوان هذا المؤتمر(•) ما يشي باحساس عميق تستشعره هذه الجامعة بالخطر الذي يتهدد وحدة المجتمع واستقراره، جراء هذه الثقافة وما قد تسببه من شروخات في نسيجه يصعب ترميمها. وثقافة الحرية الضد الجميل الذي يظهر قبح ثقافة العنف، تبقى بقيمها المعرفية والسياسية والاجتماعية والتنموية، بابا للخلاص من ثقافة جعلت من الاختلاف كفرا ومن الحوار مع الآخر فرصة يعدّ نفسه فيها للانصياع والتوبة.
___________________________________________
-1 “فاذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واقعدوا لهم كل مرصد فان تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلهم ان الله غفور رحيم”.
– “قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون”.
-2 الفكر الاسلامي: قراءة علمية، ص 93.
-3 المستصفى في علم الاصول ص. 52
-4 النووي، شرح الاربعين حديثا النووية، دار الكتب العلمية بيروت 1982، ص 48.
-5 الجوهري، اسماعيل: الصحاح ج2، دار العلم للملايين، بيروت 1987 ط1 ص559.
-6 النيسابوري، غرائب القرآن…
-7 محمد جواد مغنية: فقه الامام جعفر الصادق، ج6، دار الجواد، بيروت 1982 ط4، ص 308.
-8 ن.ص. 312
-9 “ان الذين اشتروا الكفر بالايمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب اليم ” (آل عمران، 177)، “ان الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، شاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، لن يضروا الله شيئا وسيحبط اعمالهم” (محمد، 32) “يا ايها الذين آمنوا، من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي يالله بقوم يحبهم ويحبونه، اذلة على المؤمنين، أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله (المائدة، 54) “كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ايمانهم وشهدوا ان الرسول حق، وجاءهم البينات، والله لا يهدي القوم الكافرين * اولئك جزاؤهم ان عليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين” (آل عمران، 86، 87).
“ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين الهدي ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا” (النساء، 115).
-10 الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، ج2 ص 207.
-11 مالك بن انس، الموطأ، دار احياء العلوم، بيروت 1978، ط1، ص 559.
-12 راجع: هرطقات 2 عن العلمانية كاشكالية اسلامية – اسلامية، الساقي 2008.
راجع: ابرهيم فوزي، تدوين السنة، رياض نجيب الريس، بيروت 1994.
-13 الغزالي، تهافت الفلاسفة، دار الكتب العلمية، ط2، بيروت 2003.
-14 راجع: فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1980.
-15 راجع ابو الاعلى المودودي، نظرية الاسلام وهديه – سيد قطب، معالم في الطريق دار الشروق بيروت 1980.
-16 راجع: محمد عمارة، تيارات الفكر الاسلامي، دار الوحدة، 1985.
-17 راجع: محمد عابد الجابري التراث والحداثة: دراسات ومناقشات مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1991.
-18 راجع: صادق جلال العظم، ذهنية التحريم سلمان رشدي وحقيقة الادب، مركز الابحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، نيقوسيا 1994.
-19 راجع: نقد الخطاب الديني، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط3، 2007
ص 25.
-20 م. ن. ص. 105 – 106.
-21 راجع: مفهوم النص اشكاليات القراءة وآليات التأويل/ النص، السلطة، الحقيقة.
-22 نصر حامد ابو زيد، التفكير في زمن التكفير: ضد الجهل والزيف والخرافة، دار ابن سينا للنشر، القاهرة، 1995 ص 269 – 270.
-23 التفكير في زمن التكفير، ص 276 – 277.
-24 “وقل الحق من ربكم من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر” الكهف: 29.
“لو شاء ربك لآمن من في الارض جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” (يونس: 99).
(قدمت هذه الورقة في مؤتمر نظمته الجامعة الانطونية تحت عنوان “العنف المقدس في النصوص التأسيسية لأديان الوحي (اليهودية، المسيحية، الاسلام).)

النهار 9/8/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق