ثلاث ليالٍ… وصبح

*- تقاطيع الليل الأوّل:
مشهد1 
غرفة صغيرة فاضت بأثاثها، سرير عريض، خزانة أدراج صغيرة تعلوها مرآة، طاولة، كنبة.. خزانة ملابس، براد… على الحائط أعلى السرير صورتين شخصيتين منفصلتين لرجل وامرأة.. طفلة صغيرة (سارة، لا تتجاوز الثامنة من عمرها) تقف على بضع وسادات، تطاول يدها لتتناول صورة الرجل وتمسح عنها الغبار… سعادة وحب عميق يطفح من وجهها.. تعيدها إلى مكانها.. تهبط عن السرير، وتقترب من والدتها الجالسة إلى الكنبة.. 
سارة: وين البالونات؟
الأم: (ضاحكة) طولي بالك .. لسى يومين عالسهرة، بكير على نفخ البالونات.. وإلا بينفسوا..
سارة: (بتذمر طفولي) لأ ما بينفسوا.. رح إنفخون منيح..
تتناول الوالدة من الدرج كيس صغير.. تجلس سارة بفرح وتبدأ في نفخ البالونات.
مشهد2 
في الشارع الذي تتوسطه مدرسة قديمة، تسير أفواج الصغار الخارجين من مدرستهم، تبتعد فتاتان (إحداهما سارة) في طريق جانبي …
الفتاة: شبك ما مصدقة توصلي عالبيت… هدي شوي.. 
سارة: (تشع فرحاً) آي.. بدي لحق كمل الزينة..
الفتاة: نيالك.. أنا لسى البابا ما جبلي الزينة.. حلوة الزينة اللي جابها أبوك؟
سارة: (مرتبكة… ونظرة حزن تلمع في عينيها الواسعتين) البابا مسافر… الماما جابت الزينة..
فجأة تقف سارة..
سارة: (تعود إلى مرحها) بس البابا اليوم جايي … بباص الساعة 8، يا الله باي. 
وتركض مبتعدة عن صديقتها المذهولة.. 
مشهد3 
سارة تعلق شرائط زينة ملونة على الجدران، والدتها تقطع الشريط اللاصق.. وسارة تتمايل .. فجأة تدع الحبل يسقط من يدها، تهبط من على الكنبة، وتركض إلى المسجلة الموضوعة على الطاولة وترفع الصوت..
(بكرا إنت وجايي… رح زين الريح… خلي الشمس مراية… والكنار يصيح)
تمسك بيد والدتها، وترقص..
مشهد4 
بضعة أشخاص اجتمعوا تحت المطر، وريح تعصف في الوجوه… من ضمنهم سارة ووالدتها.. سارة تتحرّك كالنحلة..
سارة: (بعصبية) يعني حلوة ماما، يجي البابا والشجرة لسى ما زيناها.. بكرا بيزعل..
الأم: (بابتسامة قلقة) هيك أحسن، بيزيّن الشجرة معنا..
سارة: معك حق..
وتعود إلى حركتها..
الأم: بردانة؟
سارة: لأ.. بس لساتها الساعة سبعة ونص..
الأم: قلتلك بكير.. بس إنت عنّدتي.. 
سارة: يعني حلوة يوصل الباص بكير… وما يلاقي البابا حدا ناطروا.. 
الأم: (ضاحكة) لأ مو حلوة.. 
وتعود سارة إلى حركتها…
مشهد5 
 سارة ملتصقة بوالدتها التي تمسح بيدها على ظهرها محاولة تدفئتها..
الأم: ليكِ صارت تقريباً 8 هلق بيوصل الباص..
سارة: (بخوف..) إم…
تلمع من البعيد أضواء قوية.. وتقفز سارة مبتعدة عن والدتها وهي تصفق بيديها الاثنتين…
سارة: إجى الباص.. إجى بابا…
يقترب الباص من المجموعة، ويتهادى حتى يقف.. يبدأ سيل القادمين في النزول.. 
سارة: وين البابا؟
الأم: طولي بالك سارة.. حاج نق..
تصافح المجموعة زوارها… المسافرون يخرجون حقائبهم.. ويبدأ الجمع في التفكك..
سارة: (بحرقة) وين … البابا؟
الأم: (بحزن) ممكن ما لاقى حجز اليوم.. ممكن بكرا؟
سارة (بفرح): آي بكرا.. أصلاً أحسن.. مشان إلحق زيّن الشجرة. يعني حلوة يجي البابا تعبان ويقعد يزيّن الشجرة؟
ترفع الأم صغيرتها إلى أحضانها..
الأم: (بابتسامة حزينة) لأ مو حلوة..
*- تقاطيع الليل الثاني:

مشهد 1 
سارة تسير وحيدة… من بعيد تركض سهام نحوها..
سهام: سارة… على مهلك..
تلتفت سارة، ترتبك، ثم تقف..
سهام: شبك.. رح موت.. إجى أبوك؟
سارة: (وقد عادت إلى متابعة المشي) يعني مو شايفتيني مستعجلة… عندي كتير شغلات أعملها …
سهام: (تحاول السير بقربها) يعني ما إجى؟
سارة: (بعصبية) يعني غريبة إنت سهام؟ حلوة يجي البابا وأنا إتركو وروح عالمدرسة، ولا حلوة يعني غيب عن المدرسة؟!! .. الطبيعي إنو البابا يجي اليوم… فهمت هلق. 
سهام: (بارتباك شديد) معك حق.. 
مشهد2
سارة أمام المرآة..
سارة: ماما خلصينا من الجلي.. صارت الساعة 6 وأنا لسى ما عرفت شو بدي إلبس..
صوت الأم (من غرفة جانبية): سارة لا تجنيني متل مبارح.. أهدي شوي. 
سارة: (حاملة ما يفوق طاقتها على الحمل من ملابسها، تسير تجرجها إلى المطبخ الصغير..) يعني كيف أهدى .. آ… شو ألبس؟
الأم: (تنشف يداها..) شرفي لنشوف شو بدك تلبسي؟
تعود سارة إلى الداخل تجرجر ملابسها، وعيناها تبرقان بالفرح.. 
مشهد3 
الباص يقترب… وأصوات الناس تعلوا… 
سارة: (هازة يد والدتها) ليكِ ماما إجى الباص… 
ومن جديد يتكرر مشهد هبوط المسافرين… وفراغ الساحة إلاّ من سارة ووالدتها، سارة تتحرك بين الناس، تبحث عن الوجه المؤطر في الصورة، تذهب وتعود إلى والدتها بقلق شديد..
سارة: ماما… وين البابا؟!!
ترتبك الأم… ثم تبتسم
الأم: يعني حلوة يجي البابا قبل السنة الجديدة؟ بكرا بيجي.. وهيك بيكون إجى مع بابا نويل؟ 
*- تقاطيع الليل الثالث:
مشهد1 
سارة أمام شجرة الميلاد.. تذهب إلى المسجلة وترفع الصوت على ذات الأغنية (بكرا إنت وجايي..) تتسلق السرير، تتناول الصورة… وتعود لتضعها بقرب الشجرة.. ثم تركض إلى المطبخ تحضر قماشة صغيرة، وتبدأ في مسح وجه الصورة الزجاجية.. وهي تغني بفرح… ولكنها تنظر بقلق إلى بالوناتها الملونة وقد أخذ بعضها يذبل.. 
مشهد 2
سارة ووالدتها وحيدتان في الساحة… ومطر شديد يغمرهما..
سارة: بقيان كتير ماما؟
الأم: لأ حبيبتي، لا تقولي غير إجى الباص..
تهز سارة رأسها وتبدأ في حركتها…
الأم: بردانة؟
سارة: لأ، بس مدايقة. يعني حلوة البابا يشوفني وأنا عاملة متل الجاجة… 
الأم: لأ، حلوة يشوفك وإنت مرضانة..
سارة: (بعصبية) يعني كان لازم يجي العيد بالشتي؟ 
تضحك الأم، مع اقتراب الباص..
يتهادى الباص مقترباً من الساحة… وتركض سارة نحوه وهي تصفق بيديها، والمطر يصفعها في وجهها..
سارة: ماما … عجلي إجى الباص…
يتوقف الباص، وينزل منه اثنان أو ثلاثة مسافرين.. يحملون حقائبهم ويسرعون إلى منازلهم.. يتحرّك الباص قبل أن تدركه سارة.. مخلفاً المنتظرين خلفه في عتمة الليل الشتوي.
سارة واقفة في منتصف الطريق… 
الأم: (بارتباك..) يا الله نروح عالبيت .. سارة؟
سارة: (تصرخ بقهر وهي تشهق بدموعها) وين البابا؟
الأم: (تصرخ كذلك) شو بيعرفني؟
وتضم صغيرتها التي تنفجر بالبكاء.
مشهد3
سارة في سريرها، وجهها إلى الحائط، الشجرة معلقة.. والأم جالسة بمفردها تشرب القهوة.. تنظر إلى الساعة وهي تقارب الحادية عشر، يرن الهاتف، تلتفت بسرعة إلى ابنتها وهي تتناول السماعة، تطمئن إلى نوم صغيرتها..
الأم: ألو..
….
الأم: أهلين.. الحمد الله عالسلامة..
تدير سارة رأسها وتركز على وجه والدتها الجانبي..
الأم: وسنة خير عليك.. إيمتى طلعتوا؟
….
الأم: (بلهفة) وشو مشان بقية الشباب؟
الأم: يعني ما في أمل بهي الدفعة؟
ينقبض وجهها.. وتسيل دمعة على خدها.. تدير سارة رأسها نحو الحائط، وتنظر إلى بالونها المعلق قرب الصورة… وتبكي بصمت.
الأم: أكيد.. ومبروك طلعتك مرة تانية.. 
تغلق السماعة، وتضم رأسها بين يديها..
*- صبح:
سارة في السرير العريض، ولا يزال صوت فيروز يملأ المكان (بكوخنا يا بني).. والشجرة تلمع..
تقترب الأم من صغيرتها وتهزها..
الأم: كل عام وأنت بخير..
تنظر إليها سارة بعينين حمراوين، وتدير ظهرها..
الأم: شفتي البابا شو بعتلك مع بابا نويل؟
تدير سارة رأسها فقط. في حين تمد الأم يدها تحت وسادة سارة وتخرج علبة ملفوفة بألوان براقة.. تنظر إليها سارة بعض الوقت، ثم تجلس في سريرها.. تفتح العلبة على مهل، وتخرج حذاء أحمر .. وتبتسم بحزن.
سارة: (بصوت واهن) قليلو لبابا نويل يقلو للبابا شكراً..
الأم: يعني حلوة يعرف البابا إنو حبيبة قلبو فايقة زعلانة هيك؟
سارة : ….
الأم: سارة بتعرفي لو قدر البابا كان أجى… 
سارة: ( ترتجف، وتبلع دمعتها…) أنا مو… مو… زعلانة منو.. بس واللهي مو حلوة…
تضحك الأم وتضم صغيرتها..التي تبتسم بدورها من بين دموعها.. والبالونات قد اعتلاها الغبار، وفقدت كل هواءها.. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق