ثمن الحرية المؤجّل

لطالما دار هذا السؤال في ذهني: هل نحن قوم نستحق الحرية؟

تتنازعني في الإجابة على هذا السؤال خواطر مختلفة، أو متناقضة حتى. فأنا أعتقد أن الإنسان كائناً من كان، وفي أي مكان وجد، يستحق أن يولد ويعيش حراً. ما يخالف قناعتي السابقة أن الناس خلال آلاف السنين لم يولدوا أحراراً، وعاشوا تحت ظل أنواع شتى من القهر والإذلال وحتى العبودية الفظة، مما يجعل الحرية قضية مكتسبة وليست موروثة.

لكنني أيضاً لا أنسى أن إرث الحرية يبقى للأجيال اللاحقة، إن استحقته وحافظت عليه. ففي المجتمعات التي وصلت إلى درجة متقدمة من الحرية لا يتعين على كل فرد أن يثبت جدارته بها، لأنه سينعم تلقائياً بميراث أسلافه، لكن الحفاظ على الميراث يكون مسؤولية المجتمع ككل وإلا تعرض للتبديد.

لعل المقارنة بين مجتمعاتنا والمجتمعات الحرة تبيّن السبب فيما وصلنا إليه من انحدار في مستوى الحرية، فالمجتمعات الأوربية، كما يتشدّق بذلك بعض العرب، كانت تعيش في عهود ظلماء أيام كان العرب يعيشون حضارة متقدمة. سأستذكر هنا محاكم التفتيش في العصور الوسطى، وضحايا محاكم التفتيش التي بلغ عددها ثمانين مليون ضحية، وفي أقل التقديرات أربعين مليون ضحية، نصفها من النساء اللواتي اتهمن بالسحر والشعوذة. لقد دفعت أوربا ثمن حريتها غالياً، ولا يتوقف ذلك عند ضحايا العصور الوسطى فيتعداها إلى ضحايا النازية والفاشية والستالينية في القرن العشرين.

يحق للمواطن الغربي أن يزهو بحريته، لأنها جاءت محصلة تضحيات ونضالات أسلافه، ولولا الثمن الباهظ الذي دفعه الأسلاف لما شهدنا قيامة للغرب كما نراها الآن.

الفكرة الأخرى التي تراودني هي أنه يحق لنا نحن أيضاً، في المجتمعات المتخلفة، أن نزهو بالثمن الذي دفعه الغرب من أجل الحرية، لأن التضحيات، وإن لم يدرك أصحابها ذلك، كانت من أجل البشرية جمعاء. لكنني ما أزال مترددة إزاء هذه الفكرة لأن التسليم بها قد يعني إعفاءنا من واجبنا الخاص إزاء حريتنا.

في إحدى المرات شاهدت على التلفزيون شيخاً مصرياً مشهوراً يختم شرحه لآية (وقد سخّرنا البهائم لكم) بالقول: (الأمر زيّ ما تقولوه متل الغرب اللي بيصنّع كل شيء، واحنا بنحصل عللي بيصنّعه بدون تعب، يعني الغرب بقى زيّ البهائم). كانت لهجة الشيخ بين الجد والهزل، لكن ما قاله، مع الأسف، يصيب جانب الحقيقة أو ربما صميمها. فالكثيرون منا يتقاعسون عن مشاركة العالم في إنجاز أطوار متقدمة من حرية الإنسان، هذا إذا غضضنا البصر عن أولئك الذين يحاولون هدم ما أنجزته الحضارة المعاصرة وإعادتنا إلى عصور الانحطاط وهم كثر أيضاً.

أعتقد أننا نسلك إزاء حريتنا السلوك نفسه الذي نسلكه إزاء كل السلع، فنحن نستهلك بكثافة السلع التي ينتجها الغرب، ولا نملك مشروعاً من أجل الدخول في السوق العالمية كمنتجين. ونحن أيضاً نستهلك الأفكار المعاصرة بذات الطريقة التي نستهلك بها السلع، ولعلنا نعيش مع السلعة ونتماهى بها أكثر مما نتأثر بالأفكار. لهذا نحن لا نملك أقدارنا، ولا نسعى إلى الإمساك بزمام أمورنا. لقد ورثنا العبودية والكبت، لكننا لا نبذل الجهد الكافي للتخلص منهما.

أيضاً لا أقصد بما سبق أن علينا أن نبذل تضحيات جسام، كتلك التي بذلتها البشرية في عصور الظلمات، للحصول على حقنا في أن نكون أبناء وبنات العصر. لست مع الموت من أجل الحرية، لكن اكتسابها لا يكون بالتقاعس أو التهاون أمام السلطات الغاشمة التي تمنع هذا الحق. إننا لا نبدأ من الصفر، مما يجعل مهمتنا أسهل من أولئك الذين عانوا أضعاف ما علينا معاناته الآن.

ربما لا تكون الحرية بلا ثمن أبداً، ويختلف الثمن باختلاف الزمن والظروف، وفي كل مرة، لكي نستحقها، علينا أن نكون مستعدين لدفع الثمن عوضاً عن تأجيله. يحضرني هنا قول الشاعر أحمد شوقي:

وللحرية الحمراء باب

بكل يد مضرجة يُدقُّ

ومع نفوري الشديد من الدماء، واحتجاجي على الإيحاء بالموت، لكن قد يكون من الضروري ألا نتوقف عن دقّ باب الحرية بأيدينا وأصواتنا.. وأرجلنا إن لزم الأمر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق