ثورات العالم العربيّ: هل يمكن للديمغرافيا أن تفسّر كلّ شيء؟

     
يوسف كورباج ، مدير بحوث في المعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديمغرافية. خبير سابق لدى منظمة الأمم المتحدة. نشر بمعية فيليب فارغ :المسيحيون و اليهود في الإسلام العربي و التركي (2005). و مع إمانويل تود نشر سنة 2007 كتابا أسال كثيرا من الحبر : ملتقى الحضارات.                                                     
 
      
الديمغرافيا ليست مؤشرا مبتذلا عن حالة بلد أو منطقة وإنما هي بالأخص كاشفة قناع عن الذهنيات إذ تغوص إلى أعمق أعماق الحياة الحميمية: الاقتران بين الأفراد، حياتهم الجنسية، توالدهم، علاقات الأبناء بالوالدين، الخلافات، الطلاق، والموت في آخر الأمر. الديمغرافيا هي التحليل النفسي للمجتمعات.
يعتبر مؤشر الولودية (الخصوبة) من أكثر المؤشرات الملموسة و الأكثر إفصاحا و دلالة ويتميز بتفاوت معتبر: من 7 إلى 8 أطفال بالنسبة للسكان الأكثر إنجابا في جنوب الصحراء الكبرى و طفل واحد بالنسبة لأقلها إنجابا. تظل أوروبا في مستوى منخفض جدا : معدل 1.6 طفل بغض النظر عن نموذج الديمغرافيين الجميل الذي ينبغي الاقتراب منه، و الذي هو 2.02 في فرنسا و الذي يضمن تجدد عدد السكان. و هذا الانخفاض هو محصلة نهائية لتلك الثورة الثقافية الهائلة التي شرع فيها ابتداء من نهاية القرن الثامن عشر و التي مست القارة الأوروبية برمتها. ونتيجة الذهاب نحو معرفة القراءة و الكتابة بالنسبة للرجال و التحاق النساء بهم مبكرا. وكذا تعلمن الذهنيات و أخيرا الانتشار الكوني لتنظيم النسل ( و الإجهاض).                                                                  
تعيد البلدان العربية من المغرب إلى عمان تكرار سلسلة تلك الثورات ولو متأخرة بطبيعة الحال. ولكن ماذا يمثل قرنان من الزمن على مستوى مسار التاريخ كله؟ كان انتقالا ديمغرافيا متأخرا و لكنه كان قويا جدا إذ لم يترك المرور – من نسب ولادات ووفيات مرتفعة جدا إلى نسب منخفضة جدا و متقاربة – لتكاثر السكان إلا فرصة ضئيلة.    إلى حدود 1970، كانت الخصوبة العربية في أوجها: معدل 7 إلى 8 أطفال لكل عائلة. كان لزاما على أوروبا انتظار مرور قرنين من الزمن لتنتقل من ولودية النظام القديم إلى ولودية حديثة، بينما كانت أربع عشريات فقط كافية بالنسبة للعالم العربي. و قد استمر التقارب الديمغرافي مع أوروبا بسرعة جيدة. و بشكل رائع فيما يخص تونس (من 7.2 طفل لكل امرأة إلى 2.05 ). المغرب (من 7.4 إلى 2.2). لبنان (من 5.7 إلى 1.6). البحرين (من6.2 إلى 2.3). و هي نفس النسبة في إيران و تركيا و أقل بعض الشيء بالنسبة لليبيا (من 7.6 إلى 2.7 ). و في الجزائر (من 8.4 إلى 2.7). و لكن في المقابل كان تغير الخصوبة أو الولودية أبطأ في مصر (من 7.1 طفل لكل امرأة إلى 3.25)، و في سوريا (من 7.8 إلى 3.5 ). الأردن (من 8 إلى 3.6). و في اليمن خصوصا ( و التي مرت على كل حال من نسبة 8.7 سنة 1990 إلى نسبة5 أطفال لكل امرأة اليوم).
والغريب في الأمر أن المعطيات الديمغرافية متنوعة في البلدان التي تعيش اليوم ثورات. في هذه البلدان الشديدة الاضطراب، تجاوز البعض المرحلة الانتقالية: تونس و البحرين. والبعض الآخر هو في طور الإنهاء كليبيا والجزائر. بينما تبدو بعض البلدان متعثرة: مصر، سوريا، اليمن، والأردن. و حتى البلدان التي تبدو ظاهريا أقل تأثرا بالموجة الثورية الجارية هي أيضا في مراحل مختلفة من حيث الانتقال الديمغرافي: بلدان تم فيها الانتقال أو هو على وشكه (لبنان، المغرب…) أو في مرحلة وسطى : العراق، العربية السعودية، فلسطين، السودان، وموريتانيا. و لكن لا يجب علينا أن نخطئ في التقدير، فالتحول الديمغرافي قد مس كل البلدان العربية. و هو في كل مكان حامل لتغيرات سياسية مثيرة.
ولنبدأ النظر في الخرافات الأكثر عنادا إذ على هدى صامويل هنتنغتون، غامر بعض علماء السياسة في تفسير ظاهرة العنف السياسي في العالم العربي برده على وجه الخصوص إلى النسبة المرتفعة جدا لفئة الشباب بين السكان. وهكذا ينظرون إلى حالة ظرفية مؤقتة على أنها أبدية. يعود التزايد لفئة الشباب ما بين 15-24 الذائع الصيت إلى انخفاض نسبة الوفيات. و من هنا فذكي جدا ذلك الذي يجرؤ على استنتاج الظواهر الثورية الحالية أو القلائل و الاضطرابات التي سبقتها انطلاقا من زيادة أو نقص في نسبة الشباب. إن الأمر متنوع للغاية و من هنا فمن المستحيل أن نستخرج من ذلك قانونا علميا عاما.                                                                                                 
طور انتقالي على الطريقة الأوروبية                   
مهما يكن من أمر، فإن ما يسمى بظاهرة ’انتفاخ الشباب’ أو تزايده المفرط إلا ظاهرة عابرة. و إذا ما اعتمدنا منطق صامويل هنتغتون (1) حرفيا، فهذا يعني أنه في القريب العاجل سيحل عنف ’شباب ضائع’ مكان العنف السياسي الذي يأتي من ’الشباب المتكاثر’ اليوم. إن تقلص (أو انكماش) عدد الشباب هو بالتالي عنوان مجتمعات عربية هادئة. لقد وصلت نسبة الشباب إلى أقصى مداها (واحد من 4 سكان هو مابين15-24سنة) في أغلب البلدان العربية و تجاوزتها قبل سنة 2000 كما هو الشأن في المغرب والجزائر و حتى في العربية السعودية. أما مصر و سوريا الأكثر بطئا في انتقالهما الديمغرافي فقد وصلا إلى ذلك سنة 2005. و اليمن هو الأكثر تأخرا إذ لم يبدأ فيه الانخفاض إلا ابتداء من سنة 2010 و كذلك فلسطين التي يعتقد أن يبدأ الانتقال فيها حوالي سنة 2020. و بغض النظر عن هذين البلدين، تزول الفقاعة الديمغرافية المتعلقة بالشباب و تلحق النسبة إلى المستويات الأوروبية: 10بالمائة في غضون 3 أو 4 عشريات.                                                                               
لا تعيننا الديمغرافيا في الإجابة عن السؤال : لماذا كانت تونس هي البلد الأول الذي مسته الثورة ؟ ولا تدلنا على البلد الأخير الذي ستمسه (الأردن؟ العربية السعودية؟ السودان؟)                                                                               
ومع ذلك فإن ذلك التطور الكوني الذي يؤدي من الثورة الثقافية إلى الانتقال الديمغرافي ثم إلى الثورة السياسية لا يمكن أن يقف على أبواب العالم العربي. لقد بدأ في أوروبا في القرن السابع عشر و انتشر في العالم بأسره. و منذ أربع عشريات، يعرف العالم العربي نفس التحولات الثقافية ديمغرافيا و انتروبولوجيا، على غرار أوروبا. وحده من كان جوهرانيا مسعورا يبقى متماديا في الاعتقاد أن العالم العربي استثناء وأن العقلية العربية أو المسلمة هي بطبيعتها متعنتة أمام التقدم.                    
لقد تم تعميم التعليم الابتدائي والثانوي و الدخول إلى الجامعات بالنسبة للذكور العرب ثم الإناث. و بدون استثناء. و حتى في اليمن الذي بقي متأخرا لفترة طويلة في مجال التعليم مقارنة ببلدان المنطقة، فإن البنات اللائي تحسن القراءة و الكتابة هن اليوم أكثر عددا من البنات الأميات. لقد التحق البلد ببقية العالم العربي المكون اليوم من أغلبية متعلمة من الشباب تحصلت على مستوى أعلى في الابتدائي. شبان يلجئون إلى استعمال ’ التكنولوجيات الجديدة’ باستمرار. يسمح التمكن من القراءة و الكتابة للفرد أن يستقل بذاتيته. لقد بدأ أولا الشباب الذكور تعلم القراءة و الكتابة في أغلبيتهم، و كان ذلك ما بين 1920 (لبنان) و 1980 (اليمن.) ثم جاء دور النساء بعد عشرين سنة.                                                   كانت العلمنة ثمرة لانتشار التعليم و هكذا تخلصت الأشياء الجوهرية في الحياة من قبضة التزمت الديني. و ذاك ما يفسر مثلا التحكم في عدد الولادات. لقد تلقى الفكر الغيبي ضربة موجعة جراء التراجع الكبير في نسبة الولادات والذي رفع معدل العمر من أقل من 40 سنة إلى أكثر من 75 سنة ما بين سنوات 1950 واليوم. و تزعزعت على إثر ذلك السلطات التقليدية الأكثر تجذّرا – الأب الذي يهيمن على أبنائه،الزوج الذي يفرض إرادته على زوجته – و كثيرا ما يكون العيش تحت سقف واحد لأب أمي (و دون الحديث عن الأم إذ لا يحسب لها أي حساب) و أبناء متعلمين مصدرا للمشاكل. و من هنا لا يتوقف الشباب في إعادة النظر في المسائل الحياتية. يتناقص مثلا تقبل الأخت لقبضة أخيها الأقل تعليما منها في أغلب الأحيان. ولا يتوقف الأمر في الاعتراض على السلطة العائلية: يتساءل الفرد عن سلطة رئيس– هي غالبا على مدى الحياة – مثلما أعاد النظر في سلطة الأب.                                             
كما هو الشأن في كل بقاع العالم، بتحريره لجسد المرأة، خلّصت طرق منع الحمل المرأة من قبضة زوجها و أعاد النظر في تراتبيات ترسّخت منذ آلاف السنين(تستعمل الكثير من النساء العازبات العربيات حبوب منع الحمل سريا). وحتى و إن لم يتم الانتقال الديمغرافي بشكل هادئ ومريح، فلا جدل البتة في منافعه.                                                                              
ثورة النساء                                                                     
يسمح تحديد عدد الأبناء بالاعتناء بصحتهم أحسن وتغذيتهم أفضل و تعليمهم لمدة أطول…ضمن عائلة محدودة و هو النموذج الذي يطبع العائلة العربية اليوم بشكل واسع، تغيير علاقة الزوج بالزوجة، و الآباء بالأولاد، إذ غدت ديمقراطية و أكثر حرية. و هو الشيء الذي كان له بالضرورة تأثيرا على المجتمع برمته. و يكاد المرء أن يقول أن العائلة الكثيرة الأفراد والمتسلطة ترضى بنظام استبدادي كل الرضا.                            
أما المرور إلى نمط العائلة المصغرة فهو شرط ضروري – و إن كان غير كاف – للخروج من الحكم الاستبدادي. لقد حدثت تغيرات كبرى فيما يخص اختيار شريك الحياة. و حتى الزواج لم يعد أمرا مقدسا مع ارتفاع نسبة العزوبة بين الرجال و النساء و التي كثيرا ما تصبح نهائية بعد بلوغ عمر معين. في المغرب مثلا تعيش ثلث النساء و 42 بالمائة من الرجال في عزوبة في حدود سن الثلاثين دائما.       
يكاد ما يعرف بــ ’الزواج العربي’ – وهو فرض التزاوج بين الأقارب لتعزيز قوة القبيلة – أن يفقد كل مصداقية وهو يضمحل شيئا فشيئا. يعتبر الزواج بين الأقارب كإسمنت يحافظ على تماسك الجماعة و يؤدي إلى انغلاق الجماعات على نفسها. و حينما يتخلص المجتمع من هذا النمط من الزواج، سينفتح على الخارج.                  
ولئن اشتهرن بكونهن أكثر محافظة من الرجال، فقد لعبت النساء العربيات غالبا دورا في غاية الأهمية أثناء الثورة في تونس، و هو أمر طبيعي جدا، و لكن كذلك في مصر و حتى في اليمن السعيد البعيد. لقد خرجن من المجال المنزلي الذي ركنّ فيه إلى المجال السياسي. و هو خروج لم يكن سوى نتيجة لتغيرات ثقافية عظمى (التعليم) و ديمغرافية (اختيار شريك الحياة، سن الزواج، تنظيم النسل..)                                               
و دون أدنى شك، هناك عدم تطابق بين الديمغرافية و السياسة. ألم تنتظر تونس ربما أكثر البلدان العربية تقدما، فيما يخص مستواها التعليمي وديمغرافيتها و بدون شك علمانيتها شهر يناير 2011 لتنجب ثورة الياسمين؟ و على النقيض الجغرافي من ذلك، فاليمن أكثر البلدان العربية تخلفا حسب كل المؤشرات: الثقافية، الديمغرافية…فضلا على أنه مبتلى بنمط الزواج بين الأقارب والذي يبدو أنه يتزايد أكثر مما يتناقص، و مع ذلك فالبلد يعيش أيضا مخاض تحولات سياسية كبرى. و بين هذين الطرفين المتناقضين تماما، نجد مصر، ليبيا، وسوريا ، في نفس طور التحوّل الديمغرافي عموما و لكن مع اختلافات فيما يتعلق بالمستقبل السياسي.                             
ولكن لا يعني هذا التفاوت عدم وجود جامع مشترك بين هذه البلدان: إنه التحول الديمغرافي السريع. وذلك حتى في اليمن وحتى في البلدان الغنية المحافظة في شبه الجزيرة العربية المشجعة للإنجاب و زيادة السكان عادة. فلا يمكن لمجموعة من السكان أن تأخذ على عاتقها بكفاءة تنظيم مصيرها الديمغرافي و تترك لآخرين مهمة التصرف في مستقبلها السياسي.  
ومن سخرية التاريخ أن النظام السياسي الأكثر استبدادية هو الذي يسهّل أو يسرّع التحولات الثقافية و الديمغرافية التي ستكون مصدر سقوطه. لقد أظهرت تونس بورقيبة (طاغية، و رئيس مدى الحياة و إن كان أقل جشعا من بن علي ) إرادة واضحة من أجل التحديث، فسح مجال التعليم للذكور كما للإناث. وأيضا ذلك الإصرار على التحكم في نسبة الولادات و جرّ التونسيين، و أن كان ذلك بالقوة، إلى انتهاج نمط العائلة المصغرة. أما بعض الأنظمة الأخرى، فكانت أكثر حذرا و لم تفسح مجال التربية التعليم إلا لعدد ضئيل و دون شك بسبب وعيها بما يحمل ذلك من أخطار سياسية. و لكن ليس هناك بلد عربي واحد تمكن من تعطيل هذا المطلب الحيوي على الدوام.
           
                                    
 (1) صامويل هنتغتون يهاب من الشباب: نظر ’صراع الحضارات’ إلى الديمغرافيا على أنها من بين أهم أسباب الصراعات في العالم العربي و الإسلامي. توسع فئة الشباب ما بين 15-24 هي التي تغذي حسبه الأصولية بمجندين جدد. و كذلك الإرهاب و العصيان المسلح و الهجرة. و قد ألهمت أطروحته أيضا تقريرا للحلف الأطلسي سنة 2007 و الذي من بين تحديات ستة أساسية تهدد المجموعة الدولية، رتب الديمغرافيا أكثر أهمية بقليل من صعود اللاعقلانية والأصولية الدينية. و لكن تبين ديمغرافيا غير ديماغوجية بطلان هذه الأوهام. إذ لم يعرف التقارب ما بين الإفراد على اختلاف مشاربهم اكثر مما عرفه طوال السنوات التي ازدهر فيها نموذج صامويل هنتغتون 
          
المصدر:                            
L’Histoire (Les collections), n° 52, juillet-septembre 2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This