ثورة الأحذية

ما علاقة الثورة بالأحذية؟ ومن أصحاب الثورة حُفاة الأقدام أم أصحاب الأحذية اللامعة؟ وحينما ندخل رحاب الكتابة هل على كل امرئ أن يخلع نعليه أم بوسعنا أن نفكّر بأحذيتنا، فيها وانطلاقا من الطابق السفلي لأنفسنا حيث تقيم الأحذية باستمرار؟
إنّها هذه الأحذية، أحذيتنا كلّ على قياسه، وبصرف النظر عن جلدها ولونها وثمنها وبصرف النظر عن جنسيتها وعن المغازات أو “الفريبات” التي سوّقتها، هي عين الأحذية التي حملتنا في شوارع المدن وثنايا الأرياف الشوكية أو الجبلية أو البحرية، هي عين الأحذية التي حملت أجسامنا ودفعت بها نحو حلم كبير.. لأوّل مرّة تصير الأحذية جماعية..ولأوّل مرّة تنهزم الأحذية اللمّاعة بحامليها..ولأوّل مرّة تستوي كلّ الأحذية لأنها تدخل ههنا رحاب الكتابة..لن تكون الأحذية هذه المرّة أسلوبا شخصيا أو فرديا في اللباس، ولن تكون موضة أو بهرجا اجتماعياّ..أحذيتنا التي ندخل بها بهو الكتابة ليست ليبرالية ولا نسوية ولا دينية..سوف لن تخلع نعليك وأنت تكتب عن الأحذية، ولا أحد يضطرّك إلى تركها خارجا..لأنك لن تُصلّي هنا لأحد..

ويحدث للأحذية من تحت مكر القلم الكثير من المعاني والمُعاناة معا. يحدث للأحذية أوّلا أن تبقى مُجرّد أحذية فقط..قطعة من جلد صُنعت لباسا لأقدامنا..أحذية من أصل حيواني تلتحم بنا يوميا كي تذكّرنا بأننا وإيّاها من أصل واحد..ننتمي إلى الحظيرة الكبرى للحيوان..أي للحياة..يحدث إذن للأحذية أن تشاركنا في لحم العالم لذلك فعلاقتنا بها هي علاقة لحمية حميمة الى حدّ يعجز فيه كلّ منّا عن رسم الحدود بين أحذيته وقدميه..جلدُ الحذاء يكاد يكون من فرط التصاقه بنا جلدا لنا..ولا نكاد حينها ندرك شكل الحيوان الذي نسكنه بأقدامنا..هل يكون ماعزا أم نمرا أم تمساحا..كلّ وحيوانه الذي سيظلّ روحه التوأم ..لكن حذار ههنا يحدث للأحذية أن تدعم رؤوس الأموال أو أن ترسم الهوّة عميقا بين الفقراء والأغنياء..كلّ وثمن جلد حيوانه المُفضّل..كلّ وثمن جلده الخاص ولحمه الخاص إن كان له لحمٌ من فرط نقص اللحم في غذائه..

 

لأيّ شيء تصلح الأحذية؟ وهل هي دوما ضرورية كي نواصل السير على الطريق؟ يحدث للأحذية أن تكون من قبيل لزوم ما لا يلزم..من يحتاج إلى الأحذية؟ ضعفاء الأقدام أم المُتحضّرون كفاية أم الخائفون من الأشواك؟ وحدهم ثوّار المدن لازموا أحذيتهم في الشارع الرئيسي..أمّا ثوّار الأرياف فلم يكونوا في حاجة دوما إلى الأحذية من أجل إسقاط الدكتاتور..بل لقد ثار الريفيون لأنهم لا يملكون أحذية..أي لا يملكون عملا ولا خبزا مضمونا ولا حقّا محسوما..لقد ثاروا بأقدام حافية مُعطّلة عن الأحذية وعن العمل الحكومي لكنّها كانت في حجم العمل الثوري..لقد طالب ثوّار الأرياف بأحذية تجعلهم قادرين على السير نحو الحياة التي لم تعُد تحيا من فرط الاستبداد..

 

 
تصلح الأحذية إذن لحماية أقدامنا من صلف الأرض ونتوءات الثنايا وأشواك الطريق.. وتصلح الأحذية لدخول المدينة لأنّ الريف لا يخجله عراء الأقدام.. وحدهم سكّان المدن مُتخلّقون أكثر من اللازم بل هم محافظون أو بالأحرى هم خجولون من عراء اللحم.. ومهما كان العضو المقصود..لا ندخل المدينة بلا أحذية.. لكننا من جهة مُضادّة لا ندخل المساجد بأحذيتنا..هل يعني ذلك أنّ المدن مُدنّسة وأنّ المساجد مُقدّسة.. وحينما نموت نُدفن بلا أحذية..ونولد أيضا بلا أحذية.. لكن يوم نلبس أوّل حذاء يُعتبر ذلك عُرسا عائليا بهيجا..

لمن تصلح الأحذية إذن؟ للفقراء أم للأغنياء؟ للحقول أم للنّزُل؟ للمساجد أم للمدن؟ هل هناك أحذية مُدنّسة وأخرى مُقدّسة؟ أحذية مذنبة وأخرى بريئة؟ لماذا نؤثّمُ الأحذية؟ يحدث للأحذية أيضا أن تكون ذات رمزيات ودلالات وسيميائيات وسياسات أخرى غير الدناسة والقداسة.. لا ذنب على الأحذية.. فالأحذية رمز لكلّ ما يحدث من الأسفل ولكلّ أسفل وسفلي جدّا قد لا تطاله أعيننا وعقولنا ونصوصنا..بل قد لا نريد النظر إليه وجها لوجه.. فالحذاء بلا وجه.. بل هو في جوهره مُغاير للوجه وللوجهية وللوجاهة.. لأنه يقبع دوما في الجهة السفلية والتحتية والسافلة من وجودنا..ويقبع معه كل المُهمّشين عن الواجهة وكل الذين لا يشاركون في اقتسام خيرات البلد..هؤلاء الفقراء والمهمّشون الذين مات أبناؤهم واحترقوا من أجل الحياة الكريمة، هؤلاء لهم اسم آخر..إنّهم أحذية الوطن..بنيته التحتية..حقوله التي تُطعم الجميع..أنطولوجيا ثورية غاضبة تولد تحت وقع أقدام الحفاة من بين أيادي أحذية سوف تأتي..

تصلح الأحذية كي تُلمّع من أجل أصحاب الوجوه الأنيقة والفرحين بما لديهم والذين لا ينظرون إلى الأسفل حيث تقيم أحذيتهم إلاّ لماما…لكن يحدث للأحذية أن تكون ثورية وساخطة فنراها تتحوّل من لبوس للأقدام الى سلاح لرجم الطغاة وركلهم.
كما يحدث للأحذية أن تؤجّج الفلسفة وأن تكون موضع خصومة شديدة اللهجة بين أقطاب الفكر الإنساني..وهو ما سوف نحاول المرور به حذو النعل بالنعل انطلاقا من تفكيكية يقترحها الفيلسوف الكبير دريدا للوحة أحذية فان غوغ ..

لمن أحذية فان غوغ؟ لأي شيء تصلح أحذية مُهملة على صدر لوحة مُعلّقة على جدران المتاحف والبيوت المُغلقة؟ هل تصلح للسير؟ وإلى أين المسير؟ أم تصلح للتزيين والفرجة؟ أم هي لا تصلح إلاّ للكتابة عليها وللتفلسف في شأنها ولاختراع مفاهيم جديدة ودروب مُغايرة للتفكير؟ أم هي تصلح للدفاع عن الأحذية وعن الذين يقبعون حذو الأحذية في أسفل السلّم الاجتماعي؟

إنّ تفكيك لوحة أحذية فان غوغ يقتضي بدءا الانطلاق من مفهوم محدّد للتفكيك. ولنقل على نحو وقتي، إنّ ما يريده دريدا في كتابه “الحقيقة في فن الرسم” (1978) تحت راية فنّ التفكيك، هو تحديدا تحرير فنّ الرسم من الكلام عن الرسم. إنه يجرّ اللوحة من فضاء اللوغوس إلى حقل الكتابة..فهو يغريها بالتفكيك إذ ينتزعها من غطرسة براديغم الاستطيقا القائم على غطرسة ميتافيزيقا الذات. إنّه يحوّلنا مع اللوحة من الكتاب بكلّ المكنة الميتافيزيقية التي يفترضها اللوغوس من ذات الكاتب وذات القارئ والإنسان الذات وكل الثنائيات الظالمة للمحسوس والمعقول والعقل والجسد والمادة والصورة، والهو والآخر، والغرب والشرق. إنّ التفكيك يتدخل ههنا من أجل إنصاف الغريب والمقصيّ والمسكوت عنه وكل مواقع الصمت حيثما ثمّة صمت أي حيثما ثمّة حيف يمارسه الكلام على الكتابة والحضور على الغياب والمركز على الهامش ..

 

ههنا يفصلنا دريدا عن تاريخ الخطاب بما هو تاريخ مركزية اللوغوس منذ الفكرة الأفلاطونية إلى حدود العلامة الألسنية. ويدعونا إلى اكتشاف حقل الكتابة الذي اكتشفه الشرق وأقصاه الغرب منذ سقراط إلى حدود دي سوسير. فإذا كان الكلام يقول دوما ما تسمح به سياسة الحقيقة القائمة على اللوغوس فإنّ الكتابة بما هي ميدان التفكيك، إنّما تكتب الصمت أي هي تكتب الحيف وما هو ممنوع ومسكوت عنه ومهمّش وخارج عن الأطر التي تضبطها سلفا أجهزة اللوغوس وسياساته.

ماذا سنكتب بعد نهاية عصر الكتاب؟ ومن سيكتب عن من وعن ماذا بعد موت الذات والموضوع وكلّ الترسانة الميتافيزيقية الكلاسيكية؟ إجابة دريدا : سوف نكتب تاريخ الصمت وسوف نرسم مواقعه وذلك بالكشف عن مواقع العطالة في المكنة الكبرى للوغوس.. سوف نتوقف عند ثقوبه وهشاشته..سوف نترصّد مواطن رسوب النصوص الغربية وتعثراتها وانهزاماتها ولحظات ضعفها وهشاشتها..التفكيك يعد بتمارين عديدة ومعارك نصّية وثورات فلسفية شديدة البأس والشراسة والاقتدار..إنها ثورات تعد بأن تُحرر النصوص بوصفها حاملة للمشاعر والتواريخ والأحلام من كل أشكال الاستبداد بها : مركزية اللوغوس والعصر التأويلي ومن كل خطابات الأصالة والهويّة..

 

ههنا تستحيل الفلسفة تحت أقلام التفكيك أو بالأحرى تحت أحذيته، إلى تصحيح للحقيقة في فنّ الرسم. حيث يقصد دريدا الانخراط في مهمّة جديدة للفلسفة مُغايرة لمهمة تأويله وتبريره على طريقة هيجل، أو تغييره بثورة شيوعية على طريقة ماركس. إن الفلسفة مدعوّة إلى تفكيك العالم الحديث عبر خلخلة لنصوصه التي تدعمه وتشرّع له وتضمن له كل صلاحيات غطرسة الإطار والأجهزة من إطار لوحة الرسم إلى جهاز الدولة، ومن غطرسة العقول إلى استبداد الطغاة.

تعود الأحذية إلى النصّ فتكفّ عن أن تكون مجرّد أحذية..وهي تعود من أجل التنبيه على ضرورة أن تنظر الفلسفة إلى أسفل..أن تجد لنفسها موطئ قدم على الأرض ..أن ننظر إلى أقدامنا بدلا عن التحديق بالسماء..وهي إذ تعود تعود مُحمّلة بحزمة من الأسئلة الفلسفية المُغايرة لأسئلة الفلسفة التقليدية ..ماذا رسم فان غوغ على وجه التحديد؟ وهل بوسعنا أن نقف عند الرسم كما يبدو أم ليس الرسم إلاّ إشارة إلى جهة أخرى للحقيقة وللحقّ وللصدق معا؟ أيّ أقدام كفيلة بشرف الانتساب إلى هذه الأحذية؟ ولأوّل مرّة سوف نحتاج إلى أن ننتسب هذه المرة إلى أحذيتنا بدلا عن الانتساب إلى هويّات تاريخية جاهزة. هل هي أحذية الرسّام أم أحذية شخص آخر غريب عن الرسّام وعن الرسم؟ هل هي أحذية فلاّحة تقضي يومها في السير بين الحقول (مثلما أوّل هيدجر) أم هي أحذية فان غوغ نفسه (مثلما أوّلها شابيرو)؟ هل هي أحذية الرسّام الذي بدلا عن رسم وجهه البشري المُتغطرس اكتفى برسم أحذية بلا وجه؟ ولماذا أحذية بالذات؟ لماذا لم يرسم فان غوغ أيّ عضو آخر من أعضائه أو أيّ متاع آخر من أمتعته؟

 

ربّما قرر الرسّام فان غوغ الاعتراف بما هو أسفل وبمن يقبع في الأسفل وبمن نمط إقامته في العالم أن يسكن حذو الأحذية..هناك في وجود بعيد عن المركز..فهو دوما إضافي أو ملحق أو ثانوي..خارج عن الإطار. وربّما قرّر فان غوغ أن يشرّف الأحذية برسمها. إنّ رسم الأحذية ومنحها مرتبة الأثر الفني إنما هو شكل من منحها ضربا من ألقاب الشرف الاجتماعي والسياسي.

ثمّة ما يدعو إلى القول بضرب من منح الأحذية نوعا من القداسة الخاصة..إنّ في رسم الأحذية تبرئة لذمّتها من تأثيم اللاهوتيين لها. ههنا معركة الرسوم ضدّ اللاهوت وههنا معركة الصور التي تستعيد حقوقها ووجودها ضدّ تحريمها وتجريمها. وقد تصل الحكاية مع الأحذية إلى معركة شرسة بين الآلهة والمبدعين على ميدان الخلق نفسه.
سوف يكون التفلسف عن الأحذية والسير بها ثانية على قامة النصوص واللوحات، مناسبة سعيدة للشهادة بالحرف والعقل والقلب معا، على مرافعة فلسفية من أجل إنصاف الأحذية وفن الرسم وكل المُهمّشين القابعين في نفس منزلة أحذيتهم وأقدامهم. ههنا تصير المواقع السفلية إلى لوحة فنية ترسم بريشة فنان في قامة فان غوغ وفي حجم أحذيته وحجم جرأته الفريدة على انتزاع أذنه من رأسه.

إن التفكيك لا يختصم هنا إلى الأشخاص ولا إلى الذوات ولا إلى الفلسفات. فهو يِؤلّبُ النصوص على النصوص محاربا أشكال خللها وأحكامها المسبقة وسياساتها السيّئة وادّعاءاتها وكل مواطن الحيف فيها وكلّ شطط في التأويل داخلها ونقصها في الأسئلة وطُمأنينتها الكاذبة.

 

ثلاثة أسئلة فقط، وقد تكون مغلوطة أو شرعية أو ظالمة أو مُخيّبة للآمال أو حتى حمقاء، هي أسئلة بوسعها أن تُوجهنا في متاهة التفكيك وفي ظلمة الأحذية وخوائها القاتل : أوّلا : من هذه الأحذية؟ هل هي زوج من الأحذية إحداهما تنتمي إلى اليمين والأخرى إلى اليسار؟ أم هي يساران معا دون يمين؟ كيف نحرّر الأحذية ونجعلها تنطلق بعيدا عن اليمين واليسار؟ ثانيا : لمن هذه الأحذية؟ هل هي لفان غوغ نفسه أم لفلاحة عائدة لتوّها من الحقول؟ أم هي ملك لفنّ الرسم فحسب؟ ثالثا : ما هي السياسات الثاوية في أحكامنا الجمالية عن الأحذية وعن كل فنّ اختار أن ينتصر للذين يقيمون في أسفل السلّم الاجتماعي والمحرومين من مراتب الشرف وألقاب النبل ومن اقتسامهم معنا بالتساوي الفنّ والأحذية والحياة؟ هل بوسع الفلسفة إنصاف الأحذية من قساوة الحقل ومن أكاذيب المدن ومن سياسات الدول؟

من هي أحذية فان غوغ؟
لندخل الحكاية بقليل من فنّ الذاكرة. حيث علينا التنبيه بدءا الى أنّ الحديث عن الأحذية في كتاب الحقيقة في الرسم لدريدا يتنزّل تحديدا ضمن رُباعيّة هي بمثابة الإطار القابل للتفكيك هو بدوره، الذي يجمع بين عناصر أربعة هي على التوالي: كتاب نقد ملكة الحكم لكانط، لوحة “سفر الرسم” لآدمي، لوحة تيتيس كارمال التي ترسم جملة من النعوش المتماثلة، وأخيرا لوحة “أحذية فان غوغ”.

نحن إذن أمام كتاب كبير من كتب الفلسفة الحديثة وثلاث لوحات. لكن ما هذا الجمع بين نصّ فلسفي في حجم نقد ملكة الحكم وثلاث لوحات تنتمي إلى مدارس مُختلفة في فنّ الرسم؟ خلطة عجيبة بين كتاب كلاسيكي لازال ينتمي إلى عصر الكتاب ولازال يقيم بكلّ نفوذه ضمن رفوف المكتبات وبكل لغات العالم، وثلاث لوحات منسية في المتاحف..أو مُهملة على بعض الجدران القليلة، التي تملك ذائقة خاصة لبعض اللوحات العجيبة التي لا تنتمي إلى فنّ الجمال إنما إلى فنّ المريع والقبيح والكارثة. ومن يشتري لوحة أحذية؟ ومن يمتعه مرآها مُعلّقة على جدار أحلامه؟ ربّما لا أحد.. وربّما بعض الأذواق التائهة والحواسّ الشريدة والقلوب النادرة..

ما يقصده دريدا من وراء هذه الخلطة العجيبة هو الانطلاق من تفكيك أكثر النصوص نفوذ داخل الجماليات الحديثة قبل التمكن من إنصاف فنّ الرسم من غطرسة ميتافيزيقا الذات. ثمّة علاقة ما أدركها دريدا بين أوّل كتاب نسقي ورسمي في تاريخ الجماليات الحديثة وبين تاريخ الظلم والحيف الذي لحق بدائرة الفنّ عامة وبفنّ الرسم بخاصة.
 وهو حيف أساسه اختزال اللوحة في حدود غطرسة الذات العبقرية..ذات مُتغطرسة رتّبت العالم الحديث على اختزال الطبيعة في مجرّد موضوعات للمعرفة العلمية، والإنسان في ذات عارفة مُحيطة بأسرار الكون وبأوهام العقل وحائزة على كل الحلول لمشاكل النوع البشري. تلك هي ملامح ميتافيزيقا الذات التي يشتغل التتفكيك على خلخلتها بأنساقها ونفوذها وثنائياّتها العقيمة بين الذات والموضوع والشكل والمضمون بين ما هو داخل الإطار خاضع للمفهوم وللقانون وما هو خارج الإطار أي المتمرد والمهمّش والمغضوب عنه.

 

كان إذن على دريدا أن يبدأ في خلخلة إطار مركزية اللوغوس الحديث منذ أوّل أكبر نصّ مُؤسس لبراديغم الاستطيقا الذي نصّب نفسه منذ كانط إلى أدرنو وصيّا على ميدان الجمال والإبداع والفنّ بعامّة. وهو براديغم لجماليات لم تفعل غير السقوط في ضرب من الاستطيقا السالبة والمتنسكة التي جعلت من الفن منذ كانط محروما من المتعة ومن الغاية ومن المفهوم واختزلته في كونية غربية تحولت في آخر المطاف الى كارثة.

 

وحين ينتصر التفكيك إذن على الإطار الرباعي الذي اختزل داخله كانط ظاهرة الإبداع بوصفه لانفعيّا لا مفهوميّا لاغائيّا لكنه كونيّ بإطلاق، سوف يتّجه رأسا نحو فنّ الرسم وقد حرره من الاستطيقا.

إنّه يمرّ بنا مباشرة إلى اللوحة. ويختار من بين اللوحات التي تُغري التفكيك ويُغريها دريدا ويجلبها إلى حقل التفكيك، هي لوحة “سفر الرسم” لآدمي؟ لكن أيّ اختيار؟ وأيّ عنوان؟ فالتفكيك لا يشرّف من النصوص غير ما يعشق..لا تفكيك بلا محبّة عميقة للنص الذي نفكّكه..تلك هي إحدى قواعد لعبة دريدا ..من لا يُحبّ غير قادر على أن يُفكّك أي على أن يتجرّأ على التفلسف بنفسه..ومن لا يُحبّ لن يقدر على تدمير أصنامه..

 

إلى أين سوف يُسافر بنا الرسّام آدمي؟ إلى أيّة وجهة تتّجه بنا لوحة الرسم؟ ولماذا السفر؟ لأنّ المدينة لم تعد تتّسع للرسم ولا للحلم ولا حتى لمجرّد الوجود اللحمي للبشر؟ إنه سفر المفكّر والفنّان بنيامين الى حيث لا يعود. آدمي يرسم بورتريه بنيامين منتحرا على الحدود الاسبانية الفرنسية خوفا من شبح النازية. لوحة فنية تنتمي إلى فن الرسم لكنها لا تنتمي إلى جماليات الجمال..ههنا لا يصلح الفن للفرجة البلهاء ولا للمُتعة الساذجة..إنها لوحة ترسم كارثة المجتمعات الغربية وما آلت اليه من الكوارث..لوحة فنية هي على حدّ عبارات دريدا “تلسكوب هائل لحدث فظيع”، أو هي انتحار للرسّام ولفنّ الرسم وانهزام فظيع لكلّ أجهزة الدولة الكلّيانية الحديثة.

 

وحينما ننتهي من “سفر الرسم” نحو العدم، يزجّ بنا التفكيك في هاوية أعمق فأعمق..
سوف نسقط في رسم للتوابيت المتماثلة بعدد اعتباطي وغريب معا هو العدد 127 تابوتا. حينها لن نستطيع السير في الإطار المربّع الذي رسمه التفكيك خوفا من الخروج عن طوره. ويخرج فعلا عن طوره عمدا حتى يفشل المربع وتنتعش الدائرة.. لن نسير إذن في المربّع ذي الخطوط المستقيمة والهندسة الجميلة والفرحة بشكلها وقامتها الهيفاء، إنما نسقط ونظل نسقط بلا نهاية لأن الدائرة لا تتوقف ولأنها بلا قرار. لا شيء يضمننا حينئذ..لأننا لم نعد نسير إنما أصبحنا ندور وقد يُصيبنا الغثيان..وحدهم أصحاب “الأحشاء المرحة” وفق عبارة جميلة لنيتشه، بوسعهم أن يُحلّقوا في الدائرة. لأنهم لا يفكرون إلا بقدر محبتهم للحياة ولا يحبون إلا بقدر ما يرقصون وما يضحكون. إنها الدائرة التي رسمها هيدغر بكل مهارة تأويلية ولكنه عجز عن الخروج منها. ربّما قصد هيدغر أن يُقيم فيها بوصفها نمط الإقامة الوحيد الممكن لنا داخل الكرة الكبيرة التي نسبح فيها الى الأبد. أمّا دريدا فيحدّثنا عن دائرة مربّعة، هندسة مُغايرة من أجل تفكيك النصوص والعقول والرسوم ومواقع النفوذ..والأطر بأشكالها. لماذا اختار تيتيس كارمال أن يرسم 127 تابوتا متماثلا؟ ولماذا اختار دريدا التعليق على هذه التوابيت ثم الكتابة عليها ضمن الحقيقة في فنّ الرسم؟ ههنا لا تسير الأسئلة في اتجاه الإجابات..حسبنا السؤال ونعم السؤال ..وحين يستحيل التفكيك إلى التعليق على توابيت الموتى تُغيّر الفلسفة من عنوانها ومن أحلامها وتتخلى عن حقائقها القديمة. سوف تدفع بنا الكتابة إلى نثر وانتثار كثيف وبذر وتبذير لأقصى انفعالات الفلسفة..وتصير الأوجاع أكثر من الكلمات..عمل كامل للحداد على موت الذات والإنسان والرسم معا. أو بالأحرى بُكائيّة ورثائيّة هي مناسبة سعيدة للتفلسف وكتابة النصوص. ومن يجرؤ على استعمال عقله بوسعه أن يصل إلى حدّ توقيع توابيت الضحايا. لكن لماذا تتماثل التوابيت؟ أم أنّه لكلّ موتته الخاصة وجثمانه وتابوته الفريد من نوعه؟

 

 وسوف نصل أخيرا إلى الأحذية كي نقيم فيها بالحرف على قدر احتمالنا. لكن لماذا تأتي أحذية فان غوغ في خارطة الكتاب في آخر المطاف؟ ألأن أحذيتنا هي آخر ما يتبقى منّا بعد التابوت؟ فحين تُسافر أقدامنا الحافية وأجسامنا العارية إلى العدم، وحين لا شيء يضطرّنا إلى المشي لا يبقى من الطرق التي احتضنتنا غير أحذية فارغة لا أقدام فيها..
ونصل أخيرا إذن إلى الأحذية. أحذية فان غوغ تحديدا والسؤال هو : إلى أيّ حدّ ليست أحذية فان غوغ أحذية فان غوغ، بل هي أحذية قد تملكها الفلاّحة لأنها كبيرة الحجم شعثاء غبراء شبيهة بتعب الحقول. وقد لا يملكها أحد..وقد تكون رُسمت من أجل أن تبقى على ملك اللوحة وفن الرسم فحسب..

 

لقد صارت لوحة أحذية فان غوغ منذ هيدجر ملكا للفلسفة ..وصارت مع دريدا ملكا لفلسفة التفكيك ..كيف نقصّ عليكم الحكاية التي تتابعونها معنا لو أغراكم التفكيك ولو كنتم من عشاق الفلسفة والكتابة لو اخترتم أن تكونوا كائنات من ورق..خفّفوا الوطء إذن..

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق